
رشاشات، مسدسات، مجسدات لقنابل يدوية.. هذه هي الألعاب التي رأيتها صبيحة عيد الفطر السعيد في بلدة شمالية في زيارة عائلية لها. أكثر من 20 طفلاً يلعبون في الشارع الرئيسي للبلدة، وهم مدججون بالأسلحة.. عفواً بـ”الالعاب”.
للوهلة الاولى رأيت من خلال هؤلاء الأطفال مشهد كل الجولات القتالية بين جبل محسن وباب التبانة، التي كانت تتجدد مع كل أزمة سياسية او “شخصية”، كما مرّ في عقلي مشهد معارك عبرا، وانتهى المشهد بتفجيرات القاع الأخيرة.
في الحقيقة، نعيش اليوم في شرق اوسط مشتعل، الحروب تتنقل من بلد الى آخر، مشهد السلاح والعنف اصبح مألوفاً على شاشاتنا ووسائل الاعلام المكتوبة والالكترونية، لدرجة اصبحت تلك المشاهد لا تؤثر فينا ابداً لاننا تعوّدنا على رؤيتها للاسف.
ازاء كل هذه المشاهد، تقف الدولة مكتوفة الايدي امام “حمل السلاح” وحتى امام استيراده وحمله من قبل الأطفال، في غياب تام لدور الاهل ايضاً، و”الأنكى” من ذلك أن هكذا انواع من الألعاب ممنوعة في لبنان بحسب ما اكّد احد تجّار الألعاب لموقع “القوات اللبنانية”، الذي اشار الى ان العديد من التجار تعمل على ادخال هذه الألعاب الى لبنان عن طريق التهريب، وهي مطلوبة كثيراً في السوق.
وهنا نطرح سؤال عن سبب رخص الألعاب العنفية وتوافرها بشكل كبير في السوق اللبناني في وقت هي ممنوعة اصلاً؟
إذاً نحن امام مشكلة يتحمل مسؤوليتها طرفين، الأهل والدولة. في ما يخصّ الدولة، فهي للاسف غائبة عن السمع، لا رقابة ولا متابعة للقوانين التي تصدرها، رئيس جمهورية “مغيّب”، مجلس نواب معطّل، حكومة مشلولة، وباقي مؤسسات الدولة ممد لها.
هذا الاهمال ممتد الى الاهل، حيث تسود مقولة “معليش هيك بيطلع رجّال” على ألسنة الأهل، وبحسب الدكتورة في علم الإجتماع في الجامعة اللبنانية مي مارون، فإن الأهل قد تربوا على مشهد حمل السلاح، فمعظمهم من جيل الحرب، وبالتالي لا يرون ان لحمل ابنائهم هكذا العاب ازمة على تربيتهم.
واشارت الى أنّ الأطفال يلعبون العاب عنفية، في المنزل ومع زملائهم، يدوياً او حتى الكترونياً، هذه الالعاب منتشرة في كل مكان، في العاب الـ “playstation” او على الـ”computer”، وهي تطارد الاطفال عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعلى اجهزة الخلوي، في وقت اصبح الاطفال يملكون كل هذه التجهيزات من دون اي رقابة من الأهل.

والملفت في الأمر، ان العاب كثيرة خصوصاً الرياضية منها موجودة وبكثرة في السوق اللبناني، لكنها غير مرغوبة من الاطفال، وذلك يعود لعدم وجود مساحات واسعة للعب بكرة القدم مثلاً خصوصاً في المدينة، كما ان الأهل ذوي الدخل المحدود يفضلون اهداء اطفالهم العاب رخيصة كـ”فرد الغلل” على اخذهم الى “مدينة الملاهي” مثلاً.
وتابعت الدكتورة مي: “مشاكل الاهل الحياتية متعددة، واصلاً هم يعطون الصورة النمطية عن ذلك ونادراً ما يكونوا ضد الحرب، هم الذين يشتروا العاب الحرب المادية والافتراضية”.
ورداً على سؤال حول امكان ان تولّد هذه الألعاب “جيل حرب”، قالت: “لا يؤدي بالضرورة لحرب اهلية، بل يؤدي لانتشار فكرة حلّ مشاكلهم بانفسهم دون العودة الى الدولة، وهذا ما يحدث فعلياً اليوم”.
لكن إذا بقينا على هذا الوضع، يعني اننا نؤسس لجيل عنفي جديد، يأخذ “حقه بيده” دون الإلتزام بتطبيق القوانين، وبالتالي امكانية كبيرة لاندلاع اي نزاع عسكري داخل المجتمع الواحد لأن ثقافة الحرب دخلت الى عقول الأطفال منذ الصغر.
وهنا على الأهل الإنتباه أكثر لإهتمامات اطفالهم، فنسبة العنف الموجودة على شاشاتنا مرتفعة جدّاً، ناهيك عن الالعاب العنفية التي تكلمنا عنها اعلاه، فالتربية هي الأساس لبناء مجتمع سليم.. او على لبنان السلام!
