تحركات جعجع بين الحريري وجنبلاط وعون

تحركات جعجع بين الحريري وجنبلاط وعون

قانون انتخابات ورئاسة قبل تشرين؟

أعادت حركة رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع باتجاه رئيس تيار “المستقبل” الرئيس سعد الحريري ورئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” النائب وليد جنبلاط تحريك الملفين الانتخابي، لجهة قانون الانتخاب، والرئاسي، لناحية ضرورة انتخاب رئيس جديد قبل الانتخابات النيابية.

 ترافقت حركة الدكتور جعجع مع انفراج سياسي-نفطي على خط رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس “تكتل التغيير والإصلاح” العماد ميشال عون، ما أوحى بوجود حلحلة خارجية قد تنعكس داخليا من خلال تسريع الحل الرئاسي قبل الانتخابات الأميركية في ظل وجهة نظر لدى فريق داخل ٨ آذار تقول بضرورة “تهريب” الانتخابات الرئاسية اللبنانية قبل الاستحقاق الأميركي.

وإذا كانت الحلحلة النفطية على خط بري-عون غير متوقعة وشكلت مفاجأة سياسية وطرحت جملة من التساؤلات التي تبدأ بالتوقيت والظروف ودور “حزب الله” ولا تنتهي بالمدى الذي ستبلغه والملفات التي سيشملها هذا التوافق، فإن التطور على مثلث “القوات”-“المستقبل”-“الاشتراكي” جاء في سياقه الطبيعي، سيما بعد استعادة العلاقة بين الفريقين الأول والثاني حيويتها، وعودة الحرارة إلى العلاقة بين الفريقين الأول والثالث على أثر الانتخابات البلدية التي شهدت تحالفات مشتركة وشكل أداء “القوات” ارتياحا لدى “الاشتراكي”، كما إعلان النائب جنبلاط ان موقفه من الانتخابات الرئاسية تبدل بعد “تفاهم معراب” الذي لا يجوز تجاوزه احتراما للإرادة المسيحية.

ولكن الدافع الأساس وراء حركة رئيس “القوات” يتمثل بالآتي:

أولا، تحريك المياه الراكدة في محاولة لإخراج الاستحقاق الرئاسي من عنق الزجاجة في سباق محموم مع الوقت قبل حلول السنة الجديدة وانطلاق العد العكسي للانتخابات النيابية التي بات يستحيل تأجيلها لاعتبارات دولية وأخرى محلية تتصل بالتمسك بضرورة إتمام هذا الاستحقاق في موعده الدستوري.

ثانيا، الخشية من الوصول إلى وضع غير مسبوق دستوريا بعد الانتخابات النيابية لجهة الفراغ الرئاسي وتصريف الأعمال الحكومي، ما يعني شلل السلطة التنفيذية، الأمر الذي يشكل أرضا خصبة للقوى الساعية إلى جر لبنان إلى مؤتمر تأسيسي، فضلا عن ان مجرد عجز الانتخابات عن إعادة إنتاج السلطة يحولها إلى انتخابات عقيمة، الأمر الذي يجعل كل النظام موضع تساؤل.

ثالثا، خيار التمديد النيابي غير مطروح إطلاقا، وبالتالي المعادلة المطروحة إما انتخابات رئاسية وإما الدخول في الفوضى الدستورية، وهذا ما يحتم التسريع في الانتخابات الرئاسية.

رابعا، التوافق على قانون الانتخاب يشكل ارتياحا للقوى الأساسية على مستوى تمثيلها وحجمها وحضورها، وبالتالي يدفعها إلى تليين موقفها في الملفات الأخرى وفي طليعتها الاستحقاق الرئاسي.

فارتياح رئيس “الاشتراكي” للأداء “القواتي” في الانتخابات البلدية دفعه إلى تليين موقفه الرئاسي، ولا شك أن الجلسة التي جمعت الدكتور جعجع والنائب جنبلاط ساهمت في تبديد ما تبقى من هواجس لدى الأخير الذي قال علنا منذ أسابيع إنه في ظل النظام الطائفي القائم يشكل جبل لبنان الجنوبي المدى السياسي الحيوي الوحيد للموحدين الدروز، ما يقتضي بهذا المعنى ترييحهم لا تهديدهم في وجودهم السياسي.

ولكن اللافت في حراك رئيس “القوات” تثبيت التحالف مع “المستقبل” و”الاشتراكي” حيال القانون المختلط، ما يقطع الطريق على محاولات تعويم “قانون الدوحة”، خصوصا أن مكوّنات ٨ آذار تعلن رفضها لهذا القانون، الأمر الذي يفتح الباب جديا أمام التوافق على قانون جديد على شكل المختلط ولو معدلا.

والتفاهم حول قانون الانتخاب يستتبع موضوعيا التحالف في الانتخابات النيابية، ما يعني أن الدكتور جعجع نجح في الحفاظ على التحالفات السياسية-الانتخابية نفسها لدورة العام ٢٠٠٩ مع فارق التحالف مع العماد عون، الأمر الذي يعزز وضع “القوات” ويجعلها تدخل الانتخابات من موقع قوة مسيحية ووطنية.

وقد أظهر سوء التفاهم بين “المستقبل” و”القوات” أن الطرفين ليسا في وارد سحب السفراء، بل حصر الإشكالات القائمة وتطويقها. ومن إيجابيات هذا السوء الفهم، ربما، تشكيله جرس إنذار للطرفين بضرورة إعلاء التفاهم والتوافق على أي اعتبار آخر، خصوصا في ظل تقاطعهما على معظم الملفات الوطنية، كما مصلحتهما في استمرار التحالف.

وقالت مصادر قريبة من الطرفين ان أهمية جلسة السحور في بيت الوسط لا تكمن فقط في التوافق على ملفات سياسية عدة، إنما في عودة العلاقة الشخصية بين الحريري وجعجع إلى طبيعتها السابقة، وهذه المرة على أسس وقواعد أمتن وأثبت، وبالتالي ما حصل سابقا لن يكون قابلا للتكرار.

والملاحظ ان حركة جعجع التي نجحت في إعادة إحياء التحالف الثلاثي حصلت قبل الخلوة الحوارية التي دعا إليها بري في مطلع الشهر المقبل، الأمر الذي ينطبق على حركة عون باتجاه بري والتي جاءت أيضاً قبل الخلوة المذكورة التي عبّرت مكوّنات عدة في ١٤ آذار عن عدم ترحيبها بمضمونها لجهة البحث في سلة تفاهمات اعتبرتها خروجا عن اتفاق الطائف، سيما ان تجربة السلة في اتفاق الدوحة لم تكن موفقة على مستويين: إقرار الثلث المعطل في تجاوز خطير لاتفاق الطائف، وإسقاط “حزب الله” لاتفاق الدوحة من خلال إسقاطه حكومة الرئيس سعد الحريري خلافا لما تعهد به في هذا الاتفاق، وبالتالي لا مصلحة وطنية إطلاقا بتشريع ممارسات تطيح بعمل المؤسسات، وكأن هناك خطة مبرمجة لضرب ما تبقى من أسس وركائز للنظام القائم.

وإذا كانت “القوات” تميز بين نيات الرئيس بري الإيجابية للخروج من الأزمة المستفحلة، وبين ضرورة احترام النصوص الدستورية، فإن تحركها الأخير جاء على طريقة “أعذر من أنذر” في خطوة استباقية لما يمكن أن ينتج عن استمرار الفراغ الرئاسي بعد إجراء الانتخابات النيابية، ولكنها ضربت ثلاثة عصافير بحجر واحد: أطلقت صرخة تحذيرية، قوت دعائم المشروع الانتخابي المختلط الذي يحظى اليوم بأوسع تأييد سياسي-نيابي مقارنة مع غيره من المشاريع، وثبتت تحالفاتها الوطنية.

وخلافا لما يروجه البعض فإن اي تقارب بين عون وبري تشجع عليه “القوات”، لأن من مسؤولية “الجنرال” ترميم علاقته مع “الأستاذ”، سيما بعد ان أثبتت التطورات أنه يشكل رقما صعبا في المعادلة الوطنية ويصعب تجاوزه بمجرد التحالف مع “حزب الله”، بل هذا التحالف وقف عند حدود “عين التينة” في الانتخابات الرئاسية، وبالتالي من مسؤولية عون تبديد هواجس الثلاثي بري-الحريري-جنبلاط، لأن أي طرف لن يقبل بأن تشكل الانتخابات الرئاسية محطة لتحجيمه.

فبعد أكثر من عامين على الفراغ الرئاسي لم يعد مجديا اعتماد السياسة الانتظارية التي أثبتت فشلها، وبمعزل عن الأسباب الإقليمية التي تحول دون الانتخابات الرئاسية والتي تبدأ من طهران ولا تنتهي في دمشق، فإنه لا يمكن إسقاط المعادلة الداخلية من الحسابات السياسية، وهذا ما أكد عليه رئيس “القوات” مرارا وتكرارا، حيث ان ترشيحه للعماد عون أسقط مقولة أن فريق ٨ آذار يدعم هذا الترشيح، وأظهر أن “حزب الله” غير متحمس لانتخابه، فيما أي تموضع داخلي جديد سيؤدي إلى مزيد من إحراج الحزب.

ومن هنا من الخطأ عدم إعطاء أي وزن للمعادلة الداخلية والتعويل فقط على التطورات الخارجية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل التزامن في الحراك بين جعجع وعون هو وليد الصدفة أم نتيجة تنسيق مشترك من أجل إقفال الثغرات الداخلية ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم ودفع الاستحقاق الرئاسي قدما؟ وهل الظروف الخارجية والداخلية مواتية لتحقيق الخرق المطلوب وإنهاء الفراغ الرئاسي؟

ويبقى أنه على رغم استبعاد أي خرق رئاسي محتمل، إلا أنه لا يفترض التقليل بالمقابل من العوامل الآتية:

أولا، تشديد الرئيس بري صراحة على انتخاب الرئيس قبل تشرين في إشارة واضحة إلى ضرورة إنهاء الفراغ قبل الانتخابات الأميركية التي يتوجس منها “حزب الله” لجهة اعتباره أي إدارة جديدة ستضاعف الضغط عليه، وأن ما يمكن تقطيعه اليوم يصعب تمريره غداً.

ثانيا، الحلحلة غير المتوقعة وبين ليلة وضحاها على خط الرابية – عين التينة تثبت مجددا أن لا شيء مستحيلا في السياسة، وأن كل الاحتمالات واردة، كما الاختراقات مرجحة.

ثالثا، التبريد السياسي القائم بين القوى على اختلافها والذي أعاد فتح قنوات التواصل فيما بينها يشكل تطورا غير مسبوق في الحياة السياسية أقله منذ العام ٢٠٠٥ إلى اليوم.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل