القاع أسقطت “نهر بارد” جديد
ودولة تسقط في كعب بندقية “زهرا”
في 27 حزيران سقط شهداء في بلدة القاع على يد إرهابيين، في عملية غامضة في المصدر، في الأهداف وفي التنفيذ. إنها المرة الثانية التي يدفع فيها المواطنون القاعيون، بشكل جماعي، ضريبة الدفاع عن لبنان.
.jpg)
في الذكرى الثامنة والثلاثين لشهادتهم الجماعية البكر في حرب لبنان؛ جددوا الشهادة بالأمس دفاعاً عن لبنان والحرية. موعد الإستشهاد في القاع، لا يقتصر على الثامن والعشرين من “حزيرانيات” السنين، التي سقط فيها هذا العدد الكبير من الشهداء في يومٍ واحد. مواعيد الإستشهاد في القاع، تزدحم فيها الأيام على مدار السنة؛ في لوحة تحمل أسماء الشهداء من أهل القاع، الذين سقطوا خلال الأحداث اللبنانية؛ يستذكرها أهل القاع كل عام، عندما يقيمون قداساً سنوياً إحتفالياً خاصاً بشهدائهم. لدرجة أن الغريب عن البلدة، يمكنه أن يُحصي كل عائلات القاع، ومن دون إستثناء، من أسماء هؤلاء الشهداء الذين سقطوا من أجل الحرية، والذين أنقذوا اللبنانيين بدمائهم الذكية.
لشهداء لبنان، الذين سقطوا دفاعاً عن الحرية، قدسية. لكن لقدسية شهداء القاع نكهة إضافية خاصة. فالأوائل، الذين سقطوا يوم الثامن والعشرين، قبل ثمانٍ وثلاثين عاماً، لم يكونوا يحملون السلاح، أو متواجدين على جبهات قتال؛ إنما كانوا مواطنين أبرياء، استباح النظام، المدمن الأبدي على القتل، دماءهم؛ عندما كان يسيطر بجيشه على تلك المنطقة، ليُسهّل تنفيذ مؤامرته على لبنان.
أما شهداء الأمس، الذين سقطوا أيضاً أمام منازلهم، قبل أن يتمكنوا من امتشاق أسلحتهم للدفاع عن أرضهم، لهم أيضاً نكهة استشهاد خاصة؛ لأنهم أفشلوا مخططاً كبيراً، حاكه المجرمون للإيقاع من جديد بالدولة اللبنانية. فالقتلة الإرهابيون، الذين ارتكبوا الجريمة، معروفون بالهوية، كما تبيّن لدى الأجهزة الأمنية في الدولة. لكن المحرِّك لهؤلاء لا يزال مجهولاً. وقد يبقى كذلك، في بلدٍ شلّعته الأهواء، وتقاسمته الهويات واقترعوا على “قميصه” الدستوري في بعبدا، ورهنته الأطماع الغريبة لمصالحها، لإجباره على إعلان إفلاسه، والإستسلام للمستقوي بالسلاح على الأرض.
شهداء الأمس، أسقطتهم قلة من مجرمي “داعش”. هذه الكلمة الفضفاضة التي يعتمرها كلُّ فكرٍ إجراميٍّ، سواءٌ كان داعشيّاً في الرقة أو دير الزور… أو كان داعشيّاً يعمل لمصلحة النظام أو أي فريقٍ آخر. بالأمس تحدّدت هوية الإرهابيين، مستبيحي دماء الأبرياء؛ لكن من هم وراء هؤلاء القتلة ؟ التحليل المنطقي يأخذنا بعيداً لنتساءل:
1_ يصعب التصديق بأن أربعة إرهابيين وصلوا إلى بلدة القاع، ليُفجِّروا أنفسهم الساعة الرابعة والنصف صباحاً؛ بينما أهل البلدة نيام في منازلهم. فهدف الإرهابي قتل أكبر عددٍ من الأبرياء؛ وأهل القاع في ذلك الوقت لا يشكلون الهدف المقصود.
2_ لو كانت بلدة القاع هي الهدف للقتل، لكانوا وصلوا إليها نهاراً، وفي أيامٍ وأوقاتٍ معروفة يجتمع فيها المواطنون؛ وليس فجر نهار الإثنين.
3_ إذا لم تكن بلدة القاع هدفاً للقتل، هذا لا يعني أنها لم تكن مستهدفة بجريمة أكبر، تنعكس سلباً على كل الوطن وهذا ما سيظهر في مجرى التحليل لاحقاً.
ولكن مع حصول حدثٍ جلل بهذه الضخامة، لا يمكن المرور على التفجيرات الإرهابية في بلدة القاع، من دون تسليط الأضواء على الأسباب، التي حوّلت الأرض اللبنانية إلى ساحة مستباحة للإرهابيين.
في الأصل، لماذا يزدهر هذا النوع من الإرهاب فوق الساحة اللبنانية، خلافاً لما نشهده من استقرار فوق ساحات عديدة في منطقة الشرق الأوسط؛ علماً أن الإسلام السياسي السنّي في لبنان، هو الأكثر اعتدالاً في المنطقة، وهو الذي يرفض أن يكون بيئة حاضنة لهذا الإرهاب؟
الجواب بسيط جداً. لأن لبنان الوطن يفتقر إلى مقوّمات الدولة فوق أرضه. رئاسة وحكومة ومجلس نواب، كلها غائبة عن الوعي. مؤسسات تعمل بحكم الإستمرارية؛ والأغلب فيها يعمل لتشجيع الفساد والسرقة ونهب المال العام. والنازحون السوريون منتشرون فوق الأرض اللبنانية، في أكثر من مئة مخيم بشكل فوضوي، لا علاقة للدولة ولا لأجهزتها الأمنية بتسييج هذه المخيمات وضبطها. والذي يعطل قيام الدولة، فريقٌ حمل السلاح، واستقوى به على الدولة واللبنانيين. وهذا الفريق لا مصلحة له بقيام الدولة؛ إذ بين هذا الفريق والدولة المعادلة الآتية: “كلما ضعُفت الدولة قويَ الحزب؛ وكلما قويَت الدولة ضعُف الحزب”. لذلك لا مصلحة للحزب بأن تنهض هذه الدولة.
يدّعي الحزب بأنه ذهب إلى سوريا لحماية لبنان؛ إدّعاءٌ يمجُّه المنطق وتفضحه الوقائع الميدانية على الأرض. فذهاب الحزب إلى سوريا، ومشاركته النظام في قتل الشعب السوري دون وجه حق؛ أثارا حفيظة هذا الأخير، الذي استولد إرهاباً للإنتقام من المعتدين عليه فوق أرضه. وهكذا أصبح لبنان ساحةً مستهدفة بسبب ذهاب “حزب الله” إلى سوريا. وإذا ذهب إلى سوريا لمنع الإرهابيين من المجيء إلى لبنان، فكيف إذن جاء هؤلاء إلى لبنان ؟ وذلك يعني، على الأقل، أنه فشِل في إنجاز مهمته؛ فلماذا يستمر في اعتناق الفشل؟! وحتى مخيمات النازحين السوريين المنتشرة كالفطر فوق الأرض اللبنانية، والتي قد تأوي أو تستولد إرهابيين على حدود لبنان الشرقية؛ هذه المخيمات، هي بمعظمها من أبناء مدينة القصير، التي احتلّها “حزب الله” وهجّر أهلها باتجاه لبنان؛ أو من أبناء منطقة القلمون التي هاجمها الحزب وادّعى “تحريرها”، وأجبر سكانها على النزوح إلى لبنان. هؤلاء النازحون بسبب الأعمال العسكرية لـ”حزب الله”، هم الذين يستولدون الإرهابيين للإنتقام من الحزب. وإذا كان هدف الأعمال العسكرية للحزب على الحدود المشتركة بين لبنان وسوريا، هو حماية لبنان؛ فماذا يفعل الحزب في إدلب وحماه وحلب ودرعا؟
طبعاً الإرهابيون جاؤوا إلى لبنان، بسبب الدخول العسكري لـ”حزب الله” إلى سوريا. لكن مصانع الإرهاب تعشعش في أقبية النظام في دمشق. ف شاكر العبسي “بطل مخيم نهر البارد”، لم يأت إلى هذا المخيم عام 2007 من جنيف في سويسرا، إنما جاء إلى لبنان بأمر مهمة من ظلمة أقبية النظام في سجون المزه وتدمر، أو من سجن فلسطين، التي ادعى النظام محبتها، فـ”أكرمها” وأطلق إسمها على إحدى أقسى سجونه، كدليل على الإفراط في “محبته” للقضية. والإنتحاريون الذين اجتاحوا الساحات اللبنانية، قبل بدء الثورة في سوريا، لم يأتوا من القاهرة أو الكويت… إنما جاؤوا من دمشق. ومن يدري، لماذا لا يكون الإرهابيون الذين ضربوا في القاع، هم من مصانع النظام، الذين بقيت أهدافهم غامضة بموتهم؟
وهنا يسأل المواطن في لبنان:
_ هل يمكن لداعشي من الرقة، أن يعبر مسافة 500 كلم في الصحراء، ويخترق خطوط النظام و”حزب الله”، في حمص والقصير وكل منطقة القلمون ليصل إلى شمالي شرقي البقاع، من دون تسهيل من النظام، هذا إذا افترضنا أنهم جاؤوا من الرقة! ولماذا؟!
_ هل الدواعش الذين ضربوا مطار “أتاتورك” في اسطنبول، هم من دواعش البغدادي في الرقة، علماً أن التحقيقات في تركيا أثبتت أنهم قدموا من الشيشان وأوزبكستان…؟ وهل الدواعش الذين ضربوا أيضاً بالأمس في مدينة “دكا” عاصمة بنغلادش هم أيضاً من جماعة البغدادي في دير الزور؟!
“المظلة” الداعشية تستظلها معظم الحركات الإرهابية اليوم في العالم؛ لأن جسمها لبّيس. ودواعش بلدة القاع، كان هدفهم المنطقي كما يبدو، قتل أكبر عدد من العسكريين صباح ذلك اليوم، على طريقة اغتيال عسكريي نهر البارد؛ على أن يلي هذه الجريمة ربما اجتياح بلدة القاع والتحصُّن بداخلها، كما حصل عام 2007 مع شاكر العبسي في مخيم نهر البارد. أراد الداعشيون الجدد استحداث “نهر بارد” جديد في بلدة القاع، فاصطدموا برجالٍ جاهزين للمقاومة إذا دعاهم داعٍ أو داعش، وأسقطت يقظة أهل القاع وبطولة شهدائهم المشروع الإجرامي للدواعش الجدد.
نحن لا نعجبُ من حصول حوادثٍ في القاع، في ظِلِّ نظامٍ أتقن الإرهاب منذ أربعة عقود، ولا يزال يتربّصُ باستقرار لبنان. نحن لا نعجبُ من حصول أحداث في القاع، في دولة يمر قادتها السياسيون والعسكريون على حواجز فئوية، تقيم أمناً ذاتياً في مناطق نفوذها وعلى مشارف بلدة القاع. لكننا نعجب أن تُصابَ هكذا دولة بالعمى، فلا ترى من هول أحداث القاع، سوى نسوة تنكّبن بعض البنادق الصدئة، للدفاع عن أرضهن قبل أن تنجدهن القوى الأمنية؛ أو صورة لـ”زهرة” في مجلس النواب، توسّط رفاقاً له من أبناء بلدة القاع. فجُلُّ ما يمكن قولُه في هذه الدولة “العلية”، أنها سقطت في”القاع” في كعب بندقية “زهرة”.