#adsense

أنطوانيت شاهين في أوسلو ضد الإعدام: الحق أقوى من سلطان الظلم والتعسف

حجم الخط

 

للسنة السادسة يلتقون حول صور وذكريات ومشاهد من صفحات حياة طبعت في ذاكرتهم أبشع ذكرى وكلمات يمكن ان تصدر في حق إنسان: الإعدام.

للسنة السادسة يلتقون حول شعار”معا ضد عقوبة الإعدام” ويجمعون ما خلفته الأنظمة الديكتاتورية واللاعدالة من شهادات لمحكومين سابقين صدرت في حقهم احكام بالإعدام وكادت ان تنفذ لولا…

وللسنة السادسة تشارك الناشطة في الدفاع عن حقوق الإنسان أنطوانيت شاهين في المؤتمر الذي تنظمه جمعية”معا ضد عقوبة الإعدام” ECPM الذي عقد هذه السنة في أوسلو عاصمة النروج بمشاركة 1400 شخص جمعهم شعار واحد وصوت واحد:”نعم لإلغاء عقوبةالإعدام”.لكن لبنان لا يزال من الدول التي جمدت تطبيق العقوبة دون إلغائها، ومنح قاضي تنفيذ العقوبات حق تحويل عقوبة الاعدام الى السجن المؤبد… على أمل أن لا يبقى القرار مؤبدا.

آخر حكم بالإعدام في لبنان نفذ بتاريخ 17 كانون الثاني عام 2004 بحق كل من أحمد منصور شنقا، وبديع حمادة وريمي أنطوان زعتر رميا بالرصاص. حكم الإعدام هذا لم يكن إستثنائيا. فمنذ العام 1943 حتى تاريخه تم تنفيذ 51 حكما بالإعدام في لبنان. وفي كل مرة كان يفتح باب الجدل حول ماهية قرارات الأحكام بالإعدام وما إذا كانت تحد من معدل الجرائم وتثني القاتل عن ارتكاب جريمة قتل. والثابت أن الجدلية ستبقى مفتوحة بين النظرة الدينية والإنسانية والعدالة حتى في حال انضمام لبنان الى الدول التي ألغت عقوبة الإعدام… وعلى رغم مشاريع القوانين المقدمة إلى مجلس النواب لإلغاء قانون الإعدام ومن بينها مشروع قانون تقدم به النائب في كتلة “القوات اللبنانية” إيلي كيروز إلا أنها لا تزال في أدراج المجلس في انتظار طرحها على اللجان المختصة وإقرارها وتحويلها إلى مجلس الوزراء.

هذا في لبنان، أما في العالم فتؤكد التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة أن هناك 150 دولة من أصل 193 من الدول الأعضاء فيها، ألغت عقوبة الإعدام أو أوقفت تنفيذها اختيارياً إما من خلال قانون أو بالممارسة، كما هو واقع الحال في لبنان منذ عدةأعوام. وحتى لا تبقى دولة خارج إطار المنظومة المناهضة لعقوبةالإعدام تعمل جمعية “معا ضد عقوبة الإعدام” ECPM ومنذ العام 2001 على تنظيم مؤتمر يعقد كل 3 سنوات في إحدى الدول وتدعو فيه رؤساء العالم ووزراء العدل والجمعيات الإنسانية الناشطة إلى العمل بشكل حثيث على إلغاء عقوبة الإعدام. هذه السنة كان اللقاء في دار الأوبرا في أوسلو بين 21 حزيران و23 منهشارك وقد شارك فيه نحو 1400 شخصية من وزراء عدل ونواب وفائزين بجوائز نوبل للسلام وجمعيات ناشطة في مجال حقوق الإنسان ومحامين ومحكومين سابقين وبدعم من الإتحاد الأوروبي ودول أجنبية وعربية. ومن لبنان شارك وزير العدل أشرف ريفي والناشطة في مجال حقوق الإنسان أنطوانيت شاهين وممثلون عن جمعيات تعنى بمجال حقوق الإنسان. وكانت مداخلة عبر الفيديو للوزير السابق إبراهيم نجار الذي اعتذر عن عدم الحضور لأسباب طارئة.

هي ليست المرة الأولى التي تشارك فيها شاهين في مؤتمرات ECPM كما تقول: “الدعوة الأولى تلقيتها في العام 2001 حيث عقد أول مؤتمر للجمعية في مدينة ستراسبورغ وكرت السبحة”. 6 مؤتمرات عقدت حتى اليوم شاركت أنطوانيت شاهين في خمس منها وغابت عن ثانيها الذي عقد في كندا بسبب الحمل بابنتها جويا وتقول: “في كل مرة أكتشف مدى أهمية هذه المؤتمرات من خلال تضاعف عدد المشاركين فيها والمقررات التي تصدر عنها بالإضافة إلى جلسات العمل والنقاشات التي تحصل بين المسؤولين الرسميين والممثلين عن الجمعيات والأهم الشهادات التي تتلى على لسان محكومين سابقين”. والجدير ذكره أن موعد انعقاد المؤتمر تزامن هذه السنة مع ذكرى إعلان براءة أنطوانيت شاهين في  24 حزيران 1999.

تضمنت جلسة الإفتتاح كلمات تحدث فيها 6 وزراء عدل ممن شاركوا في المؤتمر ومن بينهم الوزير اللواء أشرف ريفي الذي ذكر باقتراحات القوانين المقدمة من قبل نواب لإلغاء عقوبة الإعدام مؤكدا ان العمل يجري بشكل حثيث وجدي لإقرارها. وكانت له سلسلة لقاءات مع أعضاء الوفد اللبناني بالإضافة إلى لقاءات مع وسائل إعلام أجنبية. كما تحدث في الجلسة عراب حملة “لا لعقوبة الإعدام “في العالم وزير العدل الفرنسي السابق الذي ألغيت في عهده عقوبة الإعدام في فرنسا عام 1981 والرئيس الفخري للجمعية روبير بادينتير. تلتها جلسات وورش عمل وطاولات مستديرة تنقل في خلالها المشاركون وناقشوا فيها كل بحسب اهتماماته.

المحطة الأبرز كانت في السهرة التي أقيمت وتخللتها شهادات لمحكومين سابقين ومن بينهم شهادة شاهين التي عرّف عنها نقيب المحامين في تونس محمد فاضل محفوظ والحائز على جائزة نوبل للسلام في العام 2015 بامرأة الأمل والمناضلة عن حقوق الإنسان وقال: “نكرم هذه الليلة أنطوانيت شاهين التي تصادف ذكرى إعلان براءتها في 24 حزيران 1999 مع انعقاد المؤتمر لأنها أعطت أملا لكل مظلوم بأن الحق لا بد وأن يتظهر، ولا مكانة للسلام إلا إذا توافرت أسس العدل. ثم اعتلت شاهين المنصة وأدلت بشهادة حياتها التي استعادت فيها معاناتها مع الظلم في أقبية السجن حيث أمضت خمسة أعوام تخللها حكم بالإعدام خفض الى المؤبد وخرجت بعدها بريئة لتصبح سفيرة ناشطة في مجال حقوق الإنسان. وطالبت في كلمتها بإلغاء عقوبة الإعدام، وكان لوقعها الأثر الأكبر خصوصا أنها أعطت أملا جديدا للمظلومين في اقبية السجون مؤكدة أنه “في النهاية ما بيصح إلا الصحيح”. وقد يفسر ذلك شهادة وزير العدل السابق روبير بادينتير التي أدلى بها في مؤتمر جنيف حيث وصف شاهين “بالمناضلة التي تستطيع ان تلغي عقوبة الإعدام من خلال إصرارها على مناصرة كل مظلوم ومطالبتها الحثيثة بإلغاء عقوبة الإعدام من خلال دورها كناشطة في مجال حقوق الإنسان”.

ثمة شهادات تختصر بكلمات لكنها في الواقع تحفر الكثير نظرا إلى شريط الصور والذكريات الذي يمر عبرها ويترك في نفوس الحاضرين الكثير من علامات الإستفهام حول مخزون الظلم المتراكم وراء قضبان السجون في لبنان والعالم، وداخل أقبية التعذيب التي تحول الإنسان، مجرما كان أم مظلوما وبريئا، إلى رقم مهمش على صفحات الحياة. رقم لا يذوب أحيانا إلا بالإعدام أو النسيان.

لكن وراء كل شهادة، قصة حياة تختصر في معاناتها ظلم الأحكام التعسفية على الأرض وعدالة السماء. وأيضا قصة نضال يكتبها من عاشوا تفاصيل الظلم وظلمات الليالي التي عاشوها مع جلاديهم تارة وقرارات المحكمة تارة أخرى. كل هذه القصص سُكبت في شهادات في مؤتمر أوسلو. والبارز في كل محطة من هذه المؤتمرات التي تنظمها جمعية ECPM أنها تفتح باب النقاش بين الرسميين والممثلين عن جمعيات ناشطة في مجال حقوق الإنسان من جهة والمحكومين السابقين من جهة ثانية كما تساهم في تفعيل مجال تبادل الخبرات والثقافات نظرا إلى تنوع هويات المشاركين فيها.

وبنفس المشهدية التي انطلق فيها المؤتمر كان ختامه أكثر من مسك في جلسة الختام التي عقدت في مبنى بلدية أوسلو. وتخللتها كلمات لرسميين وتوصيات شددت على ضرورة المتابعة والتنسيق والعمل وبشكل حثيث لإلغاء عقوبة الإعدام وتوسيع قطر دائرة الدول التي ألغت عقوبة الإعدام لا سيما تلك التي لا تزال مشاريع واقتراحات القوانين الداعية لذلك عالقة في أدراجها، ولبنان واحد منها. وعلى هامش الجلسات كانت لقاءات ل شاهين مع وسائل إعلام نروجية وجلسة تقييم مع أحد الباحثين الفرنسيين لأعمال المؤتمر كونها شاركت في أربع مؤتمرات سابقة وتلعب دورا فاعلا في  جمعية “معا ضد عقوبة الإعدام”.

مع اختتام أعمال المؤتمر كان المشهد المعبّر من خلال المسيرة التي طاف بها المشاركون في المؤتمر من أمام مبنى البلدية حاملين يافطة عملاقة كتب عليها “إلغاء عقوبة الإعدام الآن وليس غدا” وعند وصولهم إلى مبنى الأوبرا كانت البصمة باللون الأزرق على اليافطة تأكيدا على قرارهم المناهض لعقوبة الإعدام.

عندما خرجت أنطوانيت شاهين إلى الحرية في 24 حزيران 1999 نظرت في عيني والدتها التي رافقت معاناتها لحظة بلحظة وكانت المحفز الرئيسي لصمودها وراء قضبان الظلم وعدم انصياعها لوسائل الترغيب والتعنيف، وتوجهت إليها قائلة: “أنا رجعت ع الحرية ومعي شهادة براءة بفضل ربي وصلواتك.أنا انظلمت بس راح إثبت لنفسي والعالم إنو مهما طال ليل الظلم، الأمل بالحرية باقي وراح إشتغل حتى ما يعود في محكوم ظلما بالسجون”. اليوم أثبتت انطوانيت شاهين التي حولتها دروب الظلم التي عاشت تفاصيلها في السجن تعسفا إلى ناشطة في مجال حقوق الإنسان أن مسار الظلم لا بد وأن ينتهي. وتقول بعد عودتها من المؤتمر: “كل سنة بكتشف إنو الحق أقوى من سلطان الظلم والتعسف. وعلى رغم كل الظروف أنا بعدني بآمن بثقافة الحياة وإنو لبنان على رغم كل شي راح يبقى وطن الحياة والقانون والعدالة”.

وإلى الموعد بعد 3 أعوام في المؤتمر السابع. ومن يدري قد يكون لبنان يومها الدولة ال151 التي تلغي عقوبة الإعدام من دستورها وهويتها الإنسانية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل