
أطلقت حرب ١٢ تموز ٢٠٠٦ مسارا سياسيا انقلابيا على انتفاضة الاستقلال، حيث شرع “حزب الله”، بعد تلك الحرب، بثورته المضادة على ثورة الأرز، مفرملا اندفاعتها في المرحلة الأولى، ومعدلا بميزان القوى الذي أنتجته مع افتعال ٧ أيار وجر ١٤ آذار إلى اتفاق الدوحة في المرحلة الثانية، ومسقطا كل نتائجها الدستورية في المرحلة الثالثة مع إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري.
فالهدف الأول لحرب تموز التي افتعلها “حزب الله” كان الانقلاب على ميزان القوى الداخلي الذي أخرج جيش الاحتلال السوري من لبنان في نيسان ٢٠٠٥، ومحاولة العودة بلبنان إلى ما قبل خروج هذا الجيش، والجدير ذكره ان “حزب الله” أقر بمسؤوليته في افتعال تلك الحرب من خلال توقيعه على القرار ١٧٠١ الذي حمّل الحزب كل المسؤولية في هذا الخصوص.
وإذا كان “حزب الله” نجح من خلال حرب تموز في الانقلاب على المسار السيادي الذي انطلق في ١٤ آذار ٢٠٠٥ على أثر الزلزال الذي أحدثه اغتيال الشهيد رفيق الحريري، إلا ان ما خسره الحزب بعد تلك الحرب يفوق بأضعاف ما يظن انه نجح في تحقيقه، والأمثلة أكثر من ان تعد وتحصى:
أولا، استخدامه السلاح في الداخل في ٧ أيار ٢٠٠٨ تحت عنوان “استخدام السلاح دفاعا عن السلاح” أدى إلى تشويه صورته وكشفه أمام شريحة لبنانية وأخرى عربية كانت ما تزال تظن انه مقاومة ضد إسرائيل.
ثانيا، إسقاطه حكومة الرئيس الحريري أظهر بالملموس ان هدفه إعادة وصاية محور الممانعة على لبنان، وانه لا يقيم اي اعتبار للشراكة والميثاق والدستور.
ثالثا، قتاله في سوريا دفاعا عن النظام السوري أسقط عنه نهائيا قناع المقاومة في كل العالم الإسلامي وأدخله في اشتباك مع الشعب السوري والشعوب العربية، كما في عزلة عربية وإسلامية وغربية.
ويحق للحزب ان يدعي الانتصارات التي يريد، ولكن بين الوقائع والادعاءات فارق كبير، حيث ان حرب تموز شكلت عمليا بداية نهاية ما يسمى بالمقاومة، ويكفي في هذا السياق مقارنة وضع “حزب الله” بين تموز ٢٠٠٦ واليوم لجهة خسارته وعلى دفعات شرعياته اللبنانية والعربية والإسلامية.
فكان بإمكان “حزب الله” ان يوظف حرب تموز، كما الانسحاب الإسرائيلي قبلها، في سياق المشروع اللبناني، ولكن دوره الإقليمي تغلب على دوره اللبناني، فانزلق في مغامرة تلو الأخرى قادته وستقوده إلى التهلكة.
ويبقى ان “حزب الله” الذي يريد ربط لبنان بإيران وعزله عن العالم أدى بسلوكه إلى تدويل لبنان قضائيا مع المحكمة الدولية، وأمنيا في جنوبي الليطاني مع القرار ١٧٠١، وماليا مع قرار العقوبات الأميركي، فيما قتاله السوري سيفضي عاجلا أم آجلا إلى توسيع القرار ١٧٠١ ليشمل الحدود مع سوريا ويتم تدويل لبنان بالكامل. وعلى رغم كل ذلك يحتفل بالانتصارات….