
41 جلسة فاشلة لانتخاب رئيس الجمهورية ترخي بثقلها على المؤسسات الدستورية وعلى كاهل اللبنانيين. لكنّ جلسة الأربعاء تعقب حدثين متزامنين: زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرولت للبنان والحراك السياسي الداخلي الذي بدأه رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع على خط معراب – بيت الوسط – كليمنصو ليدحرج الملف الرئاسي من جموده العتيد.
فرجٌ يُعوَّل عليه للخروج من دوّامة الفراغ القاتل لكن يبدو أنّ التحقق لن يُكتب له هذه المرّة أيضاً ليُؤجَّل الى ما بعد الجلسة الثانية والأربعين.
الحراك الداخلي فرصتنا
بحسرة، يصف عضو كتلة “القوات اللبنانية” النائب شانت جنجنيان الجلسة المرتقبة بأنها توأم سابقاتها، إذ ما من جديد على الساحة اللبنانية، حتى الزائر الفرنسي لن يضيف جديداً. فموقف الفرنسيين كان واضحاً منذ البداية: “على اللبنانيين الاتفاق بين بعضهم ونحن نبارك”.
في هذا الإطار، يرى جنجنيان في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني أنّ الزيارات الفرنسية لا تحمل بين طيّاتها أكثر من تفقّد للقوى الفرنسية العسكرية العاملة في إطار اليونيفيل، وجسّ للوضع السوري وتردّداته في لبنان ولوضع مخيمات اللاجئين، خصوصاً في ظل سخونة الوضع في الشرق الأوسط.
وفي حين لا ينكر جنجنيان أنّ فرنسا مهتمّة بالوضع اللبناني، يستبعد أن تحمل هذه الزيارة الطابع المبادِر، خصوصاً أنّ “الأم الحنون” تشدد على أنّ المسؤولية الأولى تقع على عاتق اللبنانيين والمظلة الدولية تتوافر لاحقاً، آسفاً لأنّ بعض السياسيين اللبنانيين – وعلى رأسهم المعرقلين – يصوّرها على أنها تحمل الحلّ للوضع اللبناني، ويعلق آمالاً عبثية.
إذاً ما القيمة السياسية من زيارة المسؤولين اللبنانيين لأيرولت ما دام لا يحمل الحل؟ يجيب جنجنيان أنّ وزير الخارجية الفرنسي هو مسؤول في دولة عظمى لديها دور وسلطة ما، لذا من الطبيعي أن يزوره المسؤولون اللبنانيون خصوصاً من له مصلحة في تسمية مرشحه، لكنّ موقف فرنسا معروف وجازم.
وعليه، يرى جنجنيان أنّ بوادر الحلّ تأتي من الحراك الداخلي الذي بدأه رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع القائم على اللقاءات الأخيرة بين رئيس تيار “المستقبل” سعد الحريري ورئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط، واصفاً إياه بأنه هو “ما ينفع وما يحرّك العجلة السياسية وموضوع الرئاسة في لبنان”. ويضيف: “هذا هو الطريق الأفضل والأقصر للوصول الى حل. إنها فرصتنا لنجد “وصفة” صحيحة لانتخاب رئيس جمهورية ونحافظ عليها. فكلما انتظرنا الدول الخارجية لتقرّر مصيرنا، كلما وقعنا في حيرة في ظل تغيرات المنطقة”.
وهنا يشدد جنجنيان على موقف “القوات” بضرورة أن يكون الرئيس “صُنع في لبنان” وداخل المجلس النيابي، فيقول: “لن تنجح أي محاولة لخطف قرار انتخاب رئيس الجمهورية من البرلمان. وأيّ شخص يفكر بغير ذلك يوهم نفسه وسواه. يجب أن نعترف أننا في بلد ترعاه الديمقراطية التوافقية بسبب تركيبته، ونفهم أننا نستطيع أن نتحاور خارج المجلس النيابي، سواء على طاولة الحوار، في مجلس النواب، مجلس الوزراء أو بين القيادات، لكن اللعبة الديمقراطية تكون داخل المجلس وإلا ندخل تعطيل مؤسسات الدولة”.
ويذكّر جنجنيان بأنّ “من أهم مهام النواب هو انتخاب رئيس الجمهورية وتمثيل الشعب. ومتى لم يؤدّوا مهامهم واكتفى عدد من المسؤولين باختيار الرئيس، خسر الناخبون أصواتهم. لذا نرفض خطف السلطة الانتخابية للنائب الذي استمدّها من ناخبيه ومن الدستور”.
أما عن الحوار المرتقب في مطلع آب ومدى تأثيره في حلحلة الملف الرئاسي، فلفت جنجنيان الى أنّ معلومات تتداول أنّ جلسات الحوار تحمل الطابع الاجتماعي وهي مجرّد لقاءات وأحاديث ولا تتخطى هذا المستوى.
أيّ زيارة لن تؤثر في الملف الرئاسي طالما أنّ القرار بِيد “حزب الله” وإيران
على مقلب آخر، أشار عضو كتلة “المستقبل” النائب أحمد فتفت لموقعنا، الى أنّ تأثير زيارة ايرولت في الانتخابات الرئاسية ضعيف جداً، بل أكثر، فإنّ أيّ زيارة لن تؤثر طالما أنّ القرار بِيد “حزب الله” وإيران. وإذ لفت الى أنّ تعطيل الحزب لا يزال قائماً، جزم بأنّ هذا الأخير سيغيب عن جلسة الغد ليؤكد من جديد أنه لا يريد انتخابات رئاسية إلا عندما يفرض مشيئته على جميع اللبنانيين.
لكن إذا لم تهدف زيارة ايرولت الى كسر جمود الرئاسة، فلمَ إذاً؟
يرى فتفت أنّ العلاقات اللبنانية – الفرنسية تعني كثيراً لفرنسا – كما دورها في المنطقة – كونها دولة عظمى. وما هو كلام ايرولت بالأمس من أنّ فرنسا هي الدولة الوحيدة التي تطرح القضايا اللبنانية في المناسبات الدولية، إلا مؤشر واضح الى المصالح الفرنسية القابعة خلف زيارته لبنان.
بناء عليه، يعتبر فتفت أنّ الزيارة ليست للبتّ بملف رئاسة الجمهورية، خصوصاً أنّ وزير الخارجية كان واضحاً في خطابه أنه على اللبنانيين أن يتفقوا وباقي الدول تدعم. لكنّ فتفت أبدى عدم تفاؤله من إمكان الاتفاق طالما أنّ إيران و”حزب الله” مصمّمان على التعطيل وسيبتدعان دائماً أسباباً لتنفيذه بهدف عدم الإفراج عن الانتخابات، فإيران تعتبر أنّ الرئاسة اللبنانية ورقة بيدها وتريد ثمناً غير محدد.
كما أنه لم يعلق آمالاً لا على الحراك الداخلي ولا على الحوار المرتقب في آب لتحريك الملف الرئاسي معللاً ذلك بأنّ لبنان مرتبط بشدة بالوضع والقرار الإقليميين.
يوم واحد وبضع ساعات دامت زيارة الوزير الفرنسي لبيروت التقى خلالها مسؤولين لبنانيين ليؤكد موقف بلاده النائي بنفسه عن الانتخابات الرئاسية. وبين السلة المتكاملة المطروحة وسلة الحلول التي ارتقبها اللبنانيون قبيل زيارته، “طلعت سلّتنا فاضية”، فيما يعتلي الوزير طائرته الخاصة ويحلق بعيداً ليحتفل بالعيد الوطني في بلاده.
