طهران.. ومسالك كردستان الوعرة

 

يدرك الأكراد جيدا أن أي محاولة منهم للانقلاب الجماعي على حدود سايكس ­ بيكو ستكون مكلفة وصعبة المنال٬ وهم على شبه قناعة بأنهم ليسوا في موقع القوة الموحدة التي تؤهلهم ليكونوا المعتمدين الحصريين من قبل رعاة لعبة الأمم٬ المنشغلين حاليا في إعادة رسم الحدود السياسية والعرقية والمذهبية لشرق المتوسط. كما أن الخيانات التاريخية التي تعرضوا لها جعلتهم أكثر ترددا في الرهان على العوامل الخارجية من أجل الوصول إلى أهدافهم الكبرى٬ فمصالح الدول العظمى أشد تعقيدا من طموحاتهم٬ ولا يستبعد المخضرمون منهم أن تقاطع المصالح بين هذه الدول والقوى الإقليمية سيأتي مرة أخرى على حساب ما يسعون إليه منذ قرن تقريبا٬ وهو قيام كردستان الموحدة.

إلا أن الزلزال الجيو ­ سياسي الذي أصاب الشرق الأوسط منذ عقد٬ وأطاح بنظام البعث العراقي٬ مرورا بتداعيات الربيع العربي والحرب على ثورة الشعب السوري٬ وما بينهما الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران٬ إضافة إلى المحاولات الروسية الأخيرة في العودة إلى المياه الدافئة٬ دفعت بالقوى الكردية الرئيسية٬ الموزعة بين تركيا والعراق وإيران وسوريا٬ إلى التراجع حاليا عن فكرة الكفاح من أجل القضية الكردية الموحدة٬ والانتقال إلى العمل المنفرد لكل طرف٬ وفقا لمصالح جماعته وحساباتها السياسية والعسكرية في البلد الذي تعيش فيه.

وعليه٬ فإن الأهمية الاستراتيجية في التوافق على أن لكل طرف كردي أولوياته٬ تساعد الحركة الكردية الإيرانية في صراعها الحالي مع نظام طهران على اتخاذ الخطوات السياسية والعسكرية التي تناسبها٬ بعد أن أصبحت بمنأى عن ضغوط أطراف كردية أخرى٬ تخضع بدورها لضغوط إقليمية٬ وخصوصا إيرانية.

فبالنسبة للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني٬ العمل المستقل يجنب أكراد إيران تكرار الأخطاء التاريخية التي ارتكبتها الحركة التحريرية الكردية٬ ابتداء من ثورة حماة راشد ٬1944 تلتها قيام جمهورية مهاباد سنة 1946 وسقوطها نتيجة لتسويات دولية وإقليمية٬ والتي انتهت بإعدام الزعيم الكردي قاضي محمد٬ وانسحاب وزير دفاعه الملا مصطفى البرزاني إلى الجبال٬ إلا أن الملا مصطفى٬ الذي قال سنة 1973 إنه لا يثق بشاه إيران٬ ولكنه يثق بأن دولة عظمى مثل الولايات المتحدة لن تخون شعبه٬ دفع سنة 1975 ثمن هذه الرهانات٬ حيث قال لمراسل صحيفة الـ«واشنطن بوست» جيم هوغلاند٬ بعد انهيار قواته: «إن الحكومة الأميركية لم تقدم لنا أي ضمانات رسمية٬ لكننا اعتقدنا أنها لن تتخلى عنا أبًدا. لقد أدركنا الآن كم نحن مخطئون!». وهذا ما بدأ يدركه أكراد سوريا الذين بدأت تتراجع طموحاتهم بالانفصال جراء المصالحة التركية الروسية٬ التي ستنعكس سلبا على موقعهم وحجمهم في التسوية السورية المنتظرة.

في المقابل٬ تتأهب طهران التي أجرت أكبر عملية تبديل وتعديل في المواقع العسكرية الحساسة منذ 17 عاما٬ للقيام بعملية عسكرية واسعة٬ شمال غربي إيران٬ ضد مقاتلي البيشمركة٬ قد تشبه إلى حّد كبير عمليات القمع العنيف التي جرت ما بين 1979 و٬1980 ضد أول انتفاضة كردية على النظام الجديد في طهران٬ التي تفجرت بعد أن رفضت القيادة الإيرانية حضور الزعيم الكردي عبد الرحمن قاسملو جلسة الافتتاح لأول مجلس خبراء منتخب بعد الثورة٬ التي واجهت حينها بعنف مفرط كافة مطالب الشعوب غير الفارسية في إيران.

هذه المرحلة الانتقالية التي مرت بها الثورة الإيرانية في عامها الأول لا تختلف عما يجري في إيران الآن من تصاعد في الاضطرابات القومية٬ وخلافات بين الحكومة المركزية في طهران والجماعات القومية الكردية والبلوشية والعربية التي تعاني من سياسة إقصاء ممنهجة٬ فلم تعد طهران تخفي قلقها من انتقال عدوى التفكك القومي إلى مكوناتها٬ فقد حذر مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي٬ خلال لقائه أعضاء مجلس الشورى من المخططات الخارجية لتقسيم الأمة الإيرانية٬ حيث قال: «الأعداء يعملون على تعميق الفوارق٬ وتحريك الانشقاقات القومية والعقائدية والحزبية٬ وتحويلها إلى زلزال».

ومؤشرات الزلزال الكردي الإيراني باتت أكثر وضوحا. ففي الأسبوع الأخير٬ قام رجال البيشمركة بمهاجمة موكب ينقل مسؤولين عسكريين ومدنيين في «كرمنشاه»٬ كما دعت القوى السياسية الكردية إلى إضراب عام يوم الأربعاء 13 الشهر الحالي في كل أرجاء كردستان٬ في ذكرى اغتيال الزعيم الكردي قاسملو على يد المخابرات الإيرانية٬ في فيينا٬ سنة ٬1989 بينما تقوم الأجهزة الأمنية منذ أيام بأوسع حملة اعتقالات وسط النشطاء الأكراد تحسبا لأي تحركات جماهيرية.

وفي قندوز٬ حيث بدأت طلائع الحرس الثوري في الوصول إليه٬ يرى كل كردي في نفسه جبلا مستقلا٬ حيث يقول الدبلوماسي الأميركي العارف في الشؤون الكردية ويليم ايغلتون: «من يقترب من جبال كردستان٬ يجب أن يكتب وصيته». هناك٬ تقيم ذاكرة كردية ورمة٬ مسكونة بهاجس الانتقام لعشرة آلاف قتيل٬ قضى منهم 1200 داخل السجون إبان عقد كامل من القمع٬ شرد خلاله مئات الآلاف من الأكراد. ويتأهب الطرفان الآن لاستعادتها بصورة قد تكون أكثر مأساوية من الأولى٬ فالكردي ليس لديه إلا  حريته وبندقيته٬ فهل كتبت طهران قبل دخولها تلك المسالك الوعرة.. وصيتها؟

المصدر:
الشرق الأوسط

خبر عاجل