… ودوت اللحظة… سمير جعجع براءة

 

فجأة، وفي سكون الظهيرة الحارة تلك، وكانت الثالثة من بعد الظهر، بدأت تقرع الاجراس بجنون، فجأة لعلع الرصاص الحي في السماء، فجأة تداعى الحذر لينهمر الفرح المعلن في أرجاء كل ذاك الاحتلال الحاقد، فجأة علمنا ان الحكيم تحرر وإن كان سيعود  الى سجنه طليقا هو المعتَقل الحر، كان 13 تموز 1996 اعلان براءة سمير جعجع من تهمة تفجير كنيسة “سيدة النجاة”.

لكل منا حكايته في ذاك الزمن، نحب أن نروي ما حصل لنا ومعنا، نتباهى باللحظة، نتماهى معها لنفتخر بحالنا اننا مقاومون، اننا تشاركنا وسمير جعجع فخر المواجهة والنضال…أي مواجهة يا بنت، كان الرجل اسير أسوأ نظام احتل لبنان لعقود، اسوأ عملاء زحفوا لاسترضائه وكنا نحن الوقود والهدية ولن اقول الضحية، لا اقبل، من يحيا بالشرف مرفوع الهامة والكرامة، لا يقع ضحية احد حتى ولو كان سيف الجلاد فوق الرقبة تماماً، المفارقة اننا حولنا ذاك الجلاد العميل التافه الصغير الى ضحية لانه لم يملك يوما عزة الكرامة.

نحب ان نحكي حكايتنا الشخصية لنتباهى اننا كنا جزءاً مما حصل، وان كان ما حصل معنا ولنا لا يقارن بما حصل لسمير جعجع، لكن معليش اذهب الى حال النرجسية تلك واقول كنت بعضاً صغيرا من تلك المشهدية من ذاك الزمن في ذلك التاريخ…

كنت صغيرة لاحمل بندقية، كنت فتاة لاقف الى متراس، لكن كنت كبيرة جدا لان عيون الاعداء حاصرتني،  وجعلت مني الهدف المباشر، كما كل الرفاق في كل مكان، هم هناك في المدن وقراهم وانا هناك في ضيعتي، يوم انتظار الحكم على الحكيم في تلك التهمة المروّعة بالذات، لم اخرج من البيت، خشيت ان يحكموا عليه بالاعدام اسوة بعشرات التهم والجرائم التي الصقت به وبـ”القوات اللبنانية”. لم نكترث لباقي التهم المفبركة تلك وسيدها جميل السيد ورفاقه “الكبار”، كنا نريد البراءة من الكنيسة تحديداً ومن بعدها فليتهم بكل جرائم العصر الحديث ابتداء من الـ 1900 حتى تاريخه لا يهم، المهم البراءة من الكنيسة، ابن الكنيسة لا يفجّر ربّه على مذبحه، حاولوا المستحيل لالصاق التهمة به وما ظبطت، اؤمن ان العناية الالهية تدخلت، ان ارواح الشهداء والاطفال الذين ارتفعوا فوق ذاك المذبح، تدخلت وبقوة لتنتشل سمير جعجع من تلك التهمة القاتلة.

كان يوماً صعباً حاراً مخيفاً، حبس أنفاس في “يسوع الملك” وفي وجدان كل قواتي. كان السكون يسود في كل مكان وكأن أنفاس العالم تعلّقت على تلك اللحظة، الاحتلال السوري وعملاؤه، اللبنانيون الاحرار ونضالهم، تجمّدنا في اللحظة في انتظار اللحظة، واذ تدوي الساعة الثالثة بالبراءة لسمير جعجع من دماء الشهداء تلك، يا الله كم انت كبير، ما عدنا نسمع شيئا ولا أحدا.

جنّ الشباب في بشري ودير الاحمر والجوار، خرجوا يرشقون الفرح بالابتهاج غير آبهين لعيون الاحتلال ترمقهم بالحقد والسخط، لم يجرؤ هؤلاء على تحديهم في عزّ الفرح، شعروا انهم لو فعلوا لن ينجوا منهم، وقفوا يراقبون ويتربصون، الشباب يبتهجون برصاص الفرح، النساء تزغرد وترقص، الاطفال يغنون يصفقون، الرجال بالعصي يرقصون، جنت الساحات والبيوت، “براءة براءة سمير جعجع براءة… ابن الكنيسة ابيقتلش المسيح ببيتو… ربنا شو كبير …الحكيم براءة يا شباب يا عالم” والاجراس تقرع وتقرع بجنون الفرح والايمان، وآذان الاحتلال تسجّل وترصد…

وساعات قليلة ليس أكثر، تحوّلت البيوت والشوارع اياها الى سجن كبير كبير، اقتيد المئات الى الاعتقال، الى السجون، الى التحقيق، الى التعذيب، الى محاولة الاذلال والعقاب لانهم هتفوا للحرية للحق، العقاب لانهم رغم الاسر والسجن والاعتقال بقيوا أحرارا…

براءة براءة سمير جعجع وعاد الرجل محرراً الى أسره، ودخلنا نحن في السجن الكبير، توالت الاحكام والاتهامات وما اكترثنا، كنا نعلم ان الضوء سيطلع من قلب قلب العتمة، وحده سمير جعجع بقي حراً تحت الارض، ونحن من فوق الارض غرقنا في التفاصيل الدامية اليومية، احتلونا وبقينا احراراً، تلاعب العملاء بمصائرنا، بقينا كباراً واسياداً، ومن ظنوا انهم الاسياد كانوا وما زالوا العبيد الصغار اسرى ذاك الذل الذي لن يمحى من عارهم  حتى وهم تحت التراب، ونحن؟ نبقى احراراً ما حيينا وحتى اخر الدهر…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل