
عامٌ على الاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي الإيراني او ما يعرف بـ”إتفاق إيران”، وهي الاتفاقية التي وقّعت في النمسا في 14 تموز 2015 بين إيران والدول الـ5+1 (الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة، فرنسا، المملكة المتحدة، روسيا والصين بالإضافة إلى المانيا) والاتحاد الاوروبي.
وتهدف الاتفاقية بشكل أساسي إلى تخلي ايران عن أجزاء من خطتها النووية مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها، إلا ان الآراء عند صدور الاتفاق تنوعت، فهناك من رأى ان هذه الاتفاقية ستطلق يد إيران في المنطقة لتستكمل مشروعها التوسعي، في حين ان البعض الآخر اعتبر ان ايران ستدفع أثماناً أخرى لتنفيذ الاتفاق، وبقيت قلّة قليلة وضعت الإطار بما هو عليه، اي الاتفاق النووي.
في هذا الإطار يشير القيادي في “القوات اللبنانية” الدكتور ريشار قيومجيان إلى ان “الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الـ5+1 هو بالنهاية “تسوية”، الغاية الأساسية منها هي منع إيران من تصنيع سلاح نووي، ولكن طبعاً في التسويات وخصوصاً بين الدول ما من خاسر او رابح مئة في المئة، الربح نسبي كما ان الخسارة نسبية خصوصاً من وجهة الأطراف المعنية، مضيفاً: “إدارة الرئيس الأميركي باراك اوباما تعتبر انها اوقفت اي امكانية لإيران للوصول إلى القنبلة النووية وهذا بحد ذاته انتصار استراتيجي، وقد تأكدت الوكالة الذرية التابعة للأمم المتحدة ان ايران اوقفت العمل بآلاف أجهزة الطرد المركزي Centrifuges لتخصيب اليورانيوم، كما توقفت عن انتاج الـPlutonium وهي ستسمح للمفتشين الدوليين بالتدقيق ومراقبة حركة استيراد المواد الأولية، هذا كله رغم الإبقاء على مفاعل فوردو الذي يعمل بحدوده الدنيا”.
واعتبر قيومجيان ان “ايران روّجت وخصوصاً امام شعبها وفي حملاتها الدعائية الداخلية، انها حافظت على برنامجها النووي لأغراض سلمية وهذا كان أساساً الهدف المُعلَن من البرنامج امام الرأي العام الداخلي والدولي، طبعاً كلنا نعرف ان الحقيقة في مكان آخر وهي ان غاية إيران الأساسية كانت الوصول إلى إلى سلاح نووي يعزز فرض سيطرتها الكاملة على المستوى الإقليمي”، متابعاً: “اما المكسب الإيراني الأساسي فكان في رفع العقوبات الاقتصادية وعودتها إلى الانخراط في المجتمع الدولي كدولة ذات مصداقية دولية وإنهاء عزلتها”، مشيراً إلى ان “نقطة الضعف الأساسية في الاتفاق ان الكثير من القيود على برنامج إيران النووي ستزول بعد عشر سنوات او سيعاد النظر بها وهذا ما يُعتبر مكسب إيران مع وقف التنفيذ إذا صح التعبير”.
وأسف قيومجيان ان “يقوم بعض مسؤولي الإدارة الأميركية الحالية بالتباهي عشية توقيع الاتفاق انه تضمن حظراً على تطوير الأنظمة الصاروخية الإيرانية لمدة 8 سنوات كما تضمن حظراً على شراء وتصدير الأسلحة لمدة 5 سنوات، لكن الواضح ان ايران لم تتقيد بهذين البندين رغم عقوبات اميركية لم تجاريها بها هذه المرة دول اساسية في مجلس الأمن كالصين وروسيا، ولسنا بحاجة لأي برهان لرؤية الأسلحة الإيرانية تتدفق إلى سوريا واليمن”.
ولفت قيومجيان إلى انه “صحيح ان العقوبات الاقتصادية رفعت لكن ايران اسرتدت جزءاً صغيراً فقط من مبلغ الـ100 مليار دولار من الأموال المجمدة في البنوك الأميركية”، مضيفاً: “يمكن القول ان حركة الاستثمار الدولية عادت ولو بخجل نتيجة خوف البنوك الدولية الدائم من عقوبات مالية أميركية مفاجئة، خصوصاً على ابواب انتخابات اميركية غير محسومة النتائج بعد”.
ورأى قيومجيان ان “ايران استطاعت، نتيجة ضعف المفاوض الاوروبي والاميركي تحديداً، ان تفصل بين الاتفاق النووي وسياستها الاقليمية وخصوصاً في الشرق الأوسط”، مشيراً إلى انه “تم توقيع الاتفاق بوقت تمارس فيه ايران سياسية توسعية غير مسبوقة والقوى العظمى تقف عاجزة في العراق وسوريا واليمن”.
واستبعد قيومجيان ان “يكون الاتفاق النووي اطلق يد ايران في المنطقة، فايران وحتى روسيا تستغل غياب الولايات المتحدة عن المنطقة، فسياسة الإدارة الأميركية الحالية الخارجية ليست ضعيفة فحسب بل متخاذلة”، لافتاً إلى ان “عقيدة اوباما السياسية هي “القيادة من الخلف” التي ترجمت انسحاباً عسكرياً وسياسياً من المنطقة اعطى ايران هوية الحركة من دون حسيب او رقيب”، موضحاً ان “التنكر للخطوط الحمر التي وضعها اوباما نفسه لاستعمال نظام الأسد الأسلحة الكيميائية وعدم معاقبته، ادى الى مزيد من الجرائم النظام والتدخل الايراني العسكري والاستراتيجي”.
ولفت قيومجيتن إلى ان “الانسحاب الاميركي المبكر من العراق، إضافة الى سياسة رئيس الحكومة العراقي السابق نوري المالكي الطائفية وضعف الجيش العراقي ادى الى بروز “داعش” وسيطرته في العراق وسوريا”، وأمل قيومجيان ان “نرى إدارة أميركية جديدة تملك سياسة خارجية قوية وحازمة، فخطر “داعش” اليوم يدق ابواب اوروبا واميركا نفسها”، متابعاً: “منطق الإرهاب ومنطق الأنظمة التي تقتل شعبها كنظام بشار الأسد، لا يمكن ان تواجه بـ”قيادة من الخلف” بل بالمنطق الذي تفهمه اي القوة ولو كانت عسكرية، والمثل واضح امامنا وهو ما قامت به المملكة العربية السعودية في اليمن لوقف المد الإيراني من جهة وضرب الإرهاب من جهة أخرى”.
وبالحديث عن سلاح “حزب الله” ومستقبل دوره، اوضح قيومجيان ان “”حزب الله” تحول للأسف إلى وقود في الصراع الكبير الدائم في المنطقة، فهو تخلى عن صفة “المقاومة” يوم تحول إلى ذراع عسكرية إيرانية إقليمية، وهذه الذراع تنتهي عند انتفاء الحاجة إليها”، مشيراً إلى ان “في سوريا تحول “حزب الله” إلى اداة قتل عبثية”، سائلاً “لمصلحة من يُقتل آلاف الشباب الشيعي اللبناني؟ للأسف لمصلحة نظام آيل إلى السقوط آجلاً ام عاجلاً”، مؤكداً ان “القرار إيراني بالتأكيد فالأخيرة هي الموجودة على طاولة المفاوضات السورية رغم إرسالها أسلحة ومقاتلين لدعم نظام بشار، وهي موجودة في العراق إلى جانب التحالف الأميركي – الغربي، وهي أيضاً مشاركة بشكل غير مباشر في مفاوضات السلام في اليمن”.
وختم قيومجيان انه “بالتأكيد من حق ايران ان تعمل وفق مصالحها، ولكن ليس من حق “حزب الله” ان يعمل ضد مصلحة لبنان، فمصلحة لبنان هي بعدم التدخل في سوريا والكف عن قتل الشعب السوري الطامح إلى التحرر والحرية، والدفاع عن لبنان بوجه “داعش” والإرهاب هي مسؤولية الجيش اللبناني الذي كلنا على استعداد لدعمه بشتى الوسائل”.
وفي ظل الحديث عن خلل في الالتزام من الجانب الإيراني من جهة وفق عدة تقارير استخباراتية، والتغيرات السياسية الدولية من جهة أخرى، هل ستشهد الاتفاقية عيداً ثانياً؟ او تذهب أدراج الرياح مع رحيل إدارة اوباما في كانون الثاني 2017؟
