#adsense

حكم النساء… وجهاً لوجه في أوروبا

حجم الخط

في لحظة مفصلية من تاريخ أوروبا، وبعد تصويت البريطانيين على خروجهم من الإتحاد الأوروبي، تتبوّأ وزيرة الداخلية البريطانية تريزا ماي منصبَ رئاسة الوزراء في بلادها.في الآونة الأخيرة يشهد العالم وصول نساء عديدات إلى السلطة، فيما لا زالت تتنافس أخريات لانتزاع مناصبهن.

فبعد مواظبة أنجيلا ميركل على رأس السلطة في ألمانيا منذ أكثر من 10 سنوات، ها هي امرأة أخرى تتسلّم السلطة في جارتها بريطانيا. كما أصبحت نيكولا ستورجون أول رئيسة وزراء لاسكتلندا منذ العام 2014، وآرلين فوستر، أول رئيسة وزراء لإيرلندا الشمالية.

رئيسة لأقوى دولة

إلى ذلك تشير الاستطلاعات إلى أنّ امرأة ستصل إلى رأس السلطة في الولايات المتحدة الأميركية أيضاً وهي هيلاري كلينتون، خصوصاً بعد ضمان فوزها بترشيح الحزب الديمقراطي في سباقها إلى الرئاسة الأميركية. وستكون هيلاري أول سيدة تخوض هذا السباق عن حزب سياسي كبير في بلادها، في حين لم ترأس امرأة أميركا من قبل.

حكم الرجل

سيطر الرجال على غالبية مفاصل السلطة في العالم أجمع منذ قرون، أو ربّما منذ الأزل، فعرف العالم حروباً عديدة في أزمنة غابرة، ولم يتراجع وهج هذه الحروب حتّى في عزّ التطوّر الذي يشهده القرن الواحد والعشرون. فبدل أن يعرف العالم المتطوّر ثورة فكرية تكرّس الحوار على حساب الصراعات المسلحة، تمّ تسخير التكنولوجيا لصناعة أبشع أنواع الأسلحة الهادفة إلى قتل الإنسان لأخيه الإنسان.

والنتيجة عالم يتخبّط بالدماء ويعيش مآسي إرهابية وحشية لم تشهد القرون الوسطى مثيلاً لها. كلّ ذلك والرجل بغطرسته لا زال يمسك بمقاليد السلطة دون رحمة أو شفقة.

طبيعة المرأة وتأثيرها

تؤكّد الاختصاصية في علم النفس العيادي جوزيان حدّاد جابر لـ»الجمهورية» أنّ «طبيعة المرأة تختلف عن طبيعة الرجل بفعل الاختلاف الهورموني الذي يميّز كلا الجنسين. فالرجل يتميّز بهورمون الرجولة «تستوستيرون» الذي يجعله محبّاً للزعامة، ما يعزّز نزعته للسلطة واستعمال الأسلحة والعنف وخلق الحروب. وهو بعكس المرأة لا يتمتّع بالقدرة على الإصغاء، وبالصبر لإنجاز الحوار والتفاهم على تفاصيل الخلافات».

وتضيف: «أمّا المرأة فتحمل هورمون الأنوثة الأساسي «أوستروجين»، وقد عُرفت دائماً بالحنان والرقة والتعاطف وبدبلوماسيّتها وبعدها عن مسبّبات سيل الدماء. وهي تتمتّع بقدرة تحمّل عالية وتعشق الكلام، كما أنها قادرة على إنجاز أكثر من مهمة في آن، ففي يومنا هذا تعمل خارج منزلها وداخله وتعتني بأطفالها».

اختلاف طبيعة الرجل عن المرأة قد لا يميّزهما في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعائلية والجنسية فقط إنما أيضاً في عالم السياسة وإدارة الحكم.

أنجيلا ميركل

ربّما تبدو الفروقات بين طريقة تعاطي المرأة والرجل مع السلطة جلية من خلال حكم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. فبعد فترة طويلة قضتها في السلطة، دون أن تنجز ما يميّز عهدها ويذكّر العالم بحكمها لعشرات السنين عقب رحيلها، قرّرت ميركل التحرّك بحزم. اختارت أن تضع بصمتها الأبدية على قضية إنسانية بحتة، فهي دفعت بلادها باتجاه احتواء أزمة اللاجئين في أوروبا.

ميركل جاذفت كثيراً في سبيل إرساء القيم الإنسانية، وتحلّت بشجاعة تنفيذ قرار ضخم وغير شعبوي، ووقفت في وجه المعارضة التي تلقّتها من دول أوروبية ومن الداخل الألماني وحتّى من قبل كوادر في حزبها الحاكم، وخاطرت بخلق أعداء لها وبخسارة شعبيّتها.

وربّما ليست صدفة أن تتّخذ ألمانيا المحكومة من قبل امرأة، مبادرة احتواء التبعات الإنسانية لحرب ضروس صنعها الرجال. ففي وقت أودت الحرب السورية التي يتفنّن الرجال في صنع إرهابها، بحياة عشرات الآلاف من القتلى تمكنت ميركل على رأس ألمانيا من احتواء أكثر من مليون لاجئ ومنحهم حياة جديدة.

إلى ذلك أظهرت ميركل لليمين في أوروبا وجود طرق أخرى للتعامل مع الأزمات الإنسانية وأزمة اللاجئين العاصفة غير إقفال الحدود بوجه الفارّين من آتون حروب الشرق الأوسط وإفريقيا. فألمانيا برئاسة ميركل اتخذت سبيلاً مغايراً رغم المخاطر، ودعمت السلام العالمي.

أوروبا بين ميركل وماي

في بريطانيا ليست تريزا ماي أول امرأة تتبوّأ منصب رئاسة الوزراء، بل هي الثانية، بعد مارغريت تاتشر (1979-1990)، ويقيّم كثيرون أوجه شبه بينهما وكذلك مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

ميركل وماي والدهما قسان، وهما متديّنتان، وقد تمكنتا من الارتفاع إلى قمة حزبيهما المحافظين، وكلاهما تديران دولتين من الأكبر والأكثر نفوذاً في أوروبا والعالم. والآن تذهب كلّ من تيريزا ماي وأنجيلا ميركل وجهاً لوجه لتحديد مصير علاقة بريطانيا المستقبلية مع أوروبا.

مصير أوروبا بات بين يدي هاتين السيّدتين بشكل كبير، في حين يُعتبر تسليم النساء زمام القيادة إجمالاً ضمانة لحياة أكثر سلاماً تسيطر عليها القيم الإنسانية. فبعد أن عرف العالم ظلام حكم الرجل الذي أرسى الحروب وسعى إلى إشعالها في مختلف أنحاء العالم، حان الوقت لاختبار حكم النساء فعلياً، وهذه التجربة ستشكل برهاناً على مدى قدرة المرأة في دفع العالم إلى الأمام.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل