القاع بعد المجزرة: سنبقى هنا وندافع

 كتب سامر القسيس في المسيرة العدد 1568 : 

بعد انتهاء حرب المئة يوم توجهنا أمي وإخوتي وأنا الى زحلة. كان ذلك في صيف 1978 ذاك الصيف الملتهب بالحديد والنار. يومها كنت في التاسعة من عمري. في السيارة كانت تجلس إمرأة متشحة بالأسود وكانت وجهتها منطقة البقاع. سألتها أمي عن سبب ارتدائها الملابس السوداء وكان الجواب المختصر الذي يفسر كل التفاصيل: “أنا من منطقة القاع”. وراحت تروي قصة المجزرة الرهيبة التي ذهب ضحيتها خيرة شباب القاع على يد مسلحي جيش الاحتلال السوري. كنت أتابع الرواية بشغف ورهبة. والصور تمر في مخيلتي وتأثرت وبقيت أفكر بما سمعت وتخيّلت لأيام وأشهر وربما أعوام.

كانت المرة الأولى التي يتردد أمامي إسم القاع.. لكن الحرب جعلتها بصمة في تاريخ البطولة والمقاومة وحفر شبابها الذين قاتلوا ودافعوا على كل الجبهات أسماءهم في سجلات الشهادة والبطولة. وبين الأمس واليوم القاع لا تزال تشبه نفسها وكما في أيام الحرب كذلك في السلم المهدّد بالإرهاب ووقت الخطر… قاع!!

 فجر السابع والعشرين من حزيران إستيقظ أحد سكان القاع لكي يتسحر (وهو مسلم) فسمع أصواتاً خارج منزله، فسألهم من أنتم، أجابوا أنهم من مخابرات الجيش، ولما شك بأمرهم رماه أحدهم بقنبلة يدوية ثم فجر نفسه، فأصاب صاحب المنزل ووالده. عندها سمع أبناء القاع صوت الانفجار فراحوا يتوافدون إلى مكان وقوعه ظناً منهم أن قذيفة سقطت من الأراضي السورية كما درجت العادة منذ بدء الحرب في سوريا عام 2011، ولحظة تجمعهم هاجمهم إنتحاري ثانٍ وفجَّر نفسه ليتكرر المشهد الإرهابي مع وصول سيارة الإسعاف لنقل المصابين حيث هاجمهم انتحاري ثالث مما أدى الى استشهاد خمسة مواطنين من بينهم سائق سيارة الإسعاف. وعند وصول رئيس البلدية بشير مطر شاهد الانتحاري الرابع فشك بأمره فوجه مسدسه بإتجاهه وهو يتراجع خوفا من أن ينفجر قربه، وما أن أطلق ثلاث رصاصات حتى إنفجر الانتحاري الرابع فسقط مطر على الأرض متأثرا بعصف الانفجار.

بعد توقف الهجمات راح أهل القاع يلملمون جراحهم مع بدء وصول دوريات الجيش وبعدها زيارة قائد الجيش وغيره من الشخصيات الرسمية، كما استنفر جميع أبناء القاع، إلى أن حل الليل، حيث هاجم إنتحاري بعض الشباب المتجمعين في ساحة كنيسة مار الياس بقنابل يدوية فأطلقوا النار عليه فأنفجر موقعا عشرة جرحى، تبعه إنتحاري ثانٍ أصيب بدوره بطلقات نارية وانفجر، كما شوهد انتحاريان آخران في البساتين فتم إطلاق النار عليهما من قبل شباب القاع فانفجرا من دون إيقاع إصابات.

 تصوير سامر القسيس

ثمانية انتحارين هاجموا القاع في يوم واحد. حادثة لم يشهدها لبنان من قبل، أدت إلى سقوط خمسة شهداء وسبعة وعشرين جريحاً، ولولا يقظة شباب القاع وتدخل الجيش ومواجهتهم الانتحاريين بسلاحهم لتعرضت القاع لمجزرة أكبر بكثير.

منذ بدء الحرب في سوريا بدأ شباب القاع التنبه للأوضاع الأمنية المحيطة ببلدتهم لوقوعها على الحدود السورية، وفيما بعد إلى جانب الجبال التي تمتلئ بالمسلحين من داخل سوريا وخارجها، وبعد الهجوم على الجيش اللبناني في عرسال في 2 آب عام 2014 إزداد المجهود لحماية القاع عن طريق قيام عدد من أبنائها بالسهر ليلا لمراقبة كل التحركات المشبوهة، مزوّدين بما تيسر من أسلحة خفيفة اقتنوها خلال الحرب اللبنانية، إضافة إلى بعض أسلحة الصيد، وقد اثبتت هذه الاجراءت صوابيتها وأنقذت القاع من مجزرة كبيرة. كما قام الجيش اللبناني بإستحداث مواقع ومراكز عسكرية حول البلدة وعلى الجبال الشرقية.

لم تشف القاع بعد من جراحاتها. فآثار الجريمة لا تزال ظاهرة على الأرض. عند دخول البلدة تلاحظ أن الحركة طبيعية، الحركة في المحال وأصحابها يستقبلون الزبائن، لكن الساحة ما زالت متشحة بالشرائط البيضاء التي زيّنت بها أثناء تشييع الشهداء الذين لا تزال صورهم مرتفعة على كنيسة مار إلياس.

من بيروت الى القاع حوالى ثلاث ساعات… لذلك كان لا بد من إستراحة في “فرن عازار”، شاب يدير الفرن لوحده، يعجن ويخبز ويحاسب، وقد إزداد عدد زبائنه بعد الحادثة بفعل قدوم عدد من العسكريين لحفظ الأمن في البلدة إضافة إلى العديد من الزوار غالبيتهم من الصحافيين أو مندوبين من مؤسسات عدة. المحطة التالية كانت مواقع التفجير، قطع بشرية عائدة للأنتحاريين ما زالت حتى الآن ملتصقة على بعض الأبنية فتم رشها بمواد لمنع إنتشار رائحة الموت التي لا تزال تنتشر في بعض الأماكن، وفي مكان آخر السيارات التي استهدفها أحد الانتحاريين فقتل سائقها. سيارات تملؤها الثقوب بفعل الكرات المعدنية التي استعملت في الأحزمة الناسفة ما أدى إلى إصابة عدد من المواطنين، لا يزال نحو 15 منهم يرقد في مستشفيات بيروت، إذ لا يوجد في المنطقة المحيطة بالقاع سوى مستشفى حكومي في الهرمل وخدماته الطبية محدودة جداً.

إن سقوط خمسة شهداء من الرجال في عز شبابهم جعل عائلاتهم في أوضاع إقتصادية سيئة. هذا المشهد اختصرته زوجة شهيد فقدته في لحظة جنون، كما بترت ساق والدها وأصيبت والدتها، مما اضطرها للانتقال إلى بيروت للوقوف إلى جانب أهلها الراقدين على أسرّة المستشفيات، كل ذلك من دون أي مصدر تمويل. مع ذلك تجد أهل القاع أقوى من الأحزان التي ألمت بهم، يعملون على ترميم أماكن التفجير، ويحضّرون بلدتهم لإستقبال فصل الصيف وعودة أولادهم من بيروت أو المهجر لتمضية العطلة الصيفية ولإحياء سهرة تضامن مع البلدة في 19 تموز الحالي يشارك فيها عدد من الفنانين.

يروي أهل القاع ما حصل مع الكثير من الأسى، فقد حذروا أجهزة الدولة مرارا وتكرارا من أن الوجود السوري المتفلت في مشاريع القاع  قد يؤدي إلى الكثير من المشاكل، لكن أحدا لم يصغِ. أحد عناصر شرطة البلدية قال إن الأماكن التي هاجمها الانتحاريون في البلدة هي نفس الأماكن التي كان يتجمع فيها العمال السوريون للحصول على فرصة عمل في المصالح المختلفة خاصةً الزراعة، مما يرجح أنه كان بينهم مندسون يقومون برصد القاع لمهاجمتها.

رئيس البلدية بشير مطر يستعيد واقع البلدة والأحداث السابقة التي أدت إلى تفاقم المشاكل. مع بداية الحرب اللبنانية تعرضت القاع لهجوم من قبل المسلحين الفلسطينيين مع مؤازرة من بعض الأحزاب والقوى المحلية، لكنهم عجزوا عن إخضاع البلدة  بفضل صمود أهلها واستبسالهم في الدفاع عنها، فلجأ المهاجمون إلى قطع المياه عن القاع، وقطع الطرقات وتلف المحاصيل الزراعية وترهيب السكان. كل ذلك لم يؤدِ إلى أي نتيجة، إلى أن دخل الجيش السوري عام 1976 ضمن قوات الردع العربية كقوة شرعية لحفظ السلام لتعود هذه القوات وتخلع قناعها عام 1978 وتصبح قوة إحتلال وتنفذ أبشع المجازر من ضمنها مجزرة القاع التي أدت الى استشهاد 26 مواطناً من أبنائها ونزوح عدد كبير من شباب القاع الذين التحقوا في بيروت بصفوف الأحزاب المسيحية أو الجيش اللبناني للدفاع عما تبقى من لبنان الحر غير الخاضع للإحتلال.

بعد إنتهاء الحرب اللبنانية، عاد أهل القاع وشبابها إلى بلدتهم، في ظل أوضاع أمنية فرضها جيش الاحتلال السوري الذي كان يفرض سلطته الأمنية والاستخباراتية على أبناء البلدة ويمنع أي نشاط حزبي في المنطقة. وليس هذا وحسب، فالقاع  كانت ضحية لمن إستغل غياب أهلها، إذ تمت مصادرة عدد كبير من أراضيها خصوصًا في مشاريع القاع حيث تم بناء منازل على أراض خاصة من دون أي إذن أو ترخيص من الدولة، إضافة إلى إستغلال الأراضي الزراعية، وبناء مدارس ودور عبادة، بمعنى آخر إقامة “مستوطنات” بغية خلق أمر واقع غير قابل للتغيير، كل ذلك حصل على مرأى ومسمع الدولة اللبنانية وأجهزتها التي لم تحرك ساكناً حتى الآن. كما تم قطع مياه اللبوة عن القاع بحيث يتم تزويدها بكمية قليلة من المياه لا تكفي حاجتها.

هذا الواقع المرير أدى إلى تراجع القطاع الزراعي الذي كان يؤمن المردود الأكبر للبلدة، والذي أضيف إلى مشاكله قلة التصريف الناتجة عن دخول المنتجات الزراعية السورية الأرخص ثمناً إلى الأسواق اللبنانية، ما أدى إلى تزايد إقبال سكان القاع على الوظيفة العامة من خلال القطاعين العسكري والتربوي.

سعى رئيس البلدية منذ إنتخابه في 8 أيار الماضي إلى إنشاء شرطة بلدية وتزويدها بكل ما يلزم لتمكينها من القيام بحماية القاع، لكن الأحداث الأخيرة فاجأتهم قبل إنجاز المشروع الذي يشكل أولوية قصوى. انطلاقا من ذلك تمنى مطر على ذوي الأيادي البيضاء التي قررت مساعدة أبناء القاع بمبالغ مالية، أن يتم شراء تجهيزات للبلدية وجهاز الشرطة، كمثل سيارات دفع رباعي وأجهزة إتصال وكاميرات مراقبة وغيرها… لأن الأمن يبقى المطلب الأول. يضاف إلى ذلك التنسيق الدائم مع الجيش اللبناني المتواجد في المنطقة لمواجهة أي خطر داهم.

“صوامات بيت مطر” كانت المحطة التالية. ويقع هذا الحي في شرق البلدة وتعيش فيه غالبية عائلات آل مطر، وهو مواجه للسلسلة الشرقية حيث يمكن للمسلحين الغرباء أن يتسللوا إلى الداخل اللبناني. هناك التقينا عدد من شباب الحي الذين يقومون بحراسة ومراقبة أطراف البلدة ليلا ونهارا. أعمار مختلفة وكذلك مستواهم العلمي والمهني، لكن روح الجهوزية واحدة، الدفاع عن البلدة. وحدها المعنويات عالية. فصحيح أن الأحداث الأخيرة كانت مؤلمة لكنها عززت ثقتهم خصوصا بعدما تمكنوا من إصابة بعض الانتحارين وتفجيرهم قبل وصولهم إلى أهل البلدة. هم مقتنعون أن دورهم أساسي في حماية القاع بغض النظر عن الكلام  والإنتقادات الكثيرة التي تناولت عدم شرعية حمل السلاح. كلام لا يعنيهم، فهم مقتنعون أنهم على حق طالما أنهم يسيرون على خطى آبائهم وأجدادهم في الدفاع عن القاع ليس كبلدة بل كمدخل شرقي للبنان ككل، وهم يعملون بالتنسيق مع الجيش وبعلمه لأنه يبقى صاحب لدور الأول في حفظ الأمن. وهم يدافعون ليس عن أنفسهم كمسيحيين بل عن مسيحيي الشرق وعن اللبنانيين ككل. “لن نترك أرضنا أو نهاجر، أو نسمح لأحد بإذلالنا، سندافع عن أنفسنا مهما كان الثمن”.

صحيح أن المعنويات عالية، لكن العتب أكبر. عتب يلقيه أبناء القاع على الدولة التي تلاحق “القاعيين” على أصغر مخالفة بناء وتجبي منهم الرسوم كاملة، في حين أن محتلي مشاريع القاع يبنون على أرض الغير من دون رخصة ولا يدفعون فواتير المياه ولا الكهرباء ولا أي ضريبة.

عتبهم أيضا كبير على رجال الدين الذين قصروا في واجب الحضور الى البلدة ليكونوا الى جانب أبنائها، والسياسين الذين يأتون إلى القاع بعد كل جريمة تحصل في حق أبنائها لإطلاق الخطابات الرنانة ثم يغادرون وينسون البلدة ومشاكلها.

شباب القاع واعون تماما لدورهم في حماية البلدة، فالذاكرة الجماعية وروايات  الأباء والاجداد عن أحداث تاريخية حدثت سابقاً من حروب ومجازر تجعلهم مقتنعين بضرورة أن يكونوا في القاع.

غادرنا القاع والقلب يخفق عنفواناً من بلدة كتب لها أن تكون عبرة للتاريخ ومقلعاً للأبطال وحارسة للهيكل اللبناني ومدافعة عن أراضيه. وحده مشهد شبابها الأبطال الذين يحرسون حدودها مع الجيش اللبناني من دون خوف أو تردد في مواجهة الأخطار سيبقى راسخا… صدق القول: “ما بينعسو الحراس”؟

 (تصوير سامر القسيس)

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل