#adsense

الأب يوسف مونس: حكاية راهب ثائر

حجم الخط

  

كتبت نجاح بو منصف في المسيرة – عدد 1568:

حاملا مسبحته وكتابه نراه متوجها الى الكنيسة الخالية، يحضر للقداس المسائي وحيدا تحت انظار ذاك “الدايم الدايم” الذي سكنه وصار محرك عقارب مسيرته راهبا ليس حتما كسائر الرهبان، ثائرًا كما سيده، إعلاميً كما بولس الرسول وبابوين رائعين، هو الأب يوسف مونس اراد ان يكون حامل الرسالة والرسالة في آن…

من الشبانية الى رهبان الكسليك فإلى جلجلة “شربل” واختباره الرائع المدمر، بين أسئلة وجودية كبيرة وبحثه عن “الثابت”، من حبه ودعمه  لشباب المقاومة اللبنانية فإلى كاتم لأسرار رئيس “قديس” في قصر بعبدا الموحش، الى بشير حلما كبيرا بناه وصلب بفقدانه، تراه كلاً في واحد. راهب لا يسعك سوى الانحناء أمام وسع ثقافته، مفكر وكاتب، ممثل، أستاذ جامعي، مسرحي، رياضي، نجم تلفزيوني، وأيضا سياسي مستشار وصانع للرؤساء، هو كل ذلك يصب في جسد واحد يصول ويجول وصوت صارخ لا يستكين، لكنه من ذاك المذبح يبدأ وإليه يعود ساجدا مبتهلا… فمنه وله وبه وإليه كل شيء، ولسيده الدايم دايم تراه يعلن بإيمان من ذهب “كلي لك”.

  

كان ذلك في 15 اذار 1938، في الشبانية، ضيعة الفلاحين، كما الرؤساء والفلاسفة/ الهادئة في جبل لبنان، هناك ولد هذا الراهب الماروني وبين أحضان الطبيعة ومنزل يطل على الكنيسة ترعرع متلقيا دروسه الأبتدائية في مدرسة القرية لينتقل بعدها الى الكسليك… الى أحضان الرهبنة المارونية اللبنانية، وهناك بدأت الحكاية.. حكاية راهب ثائر.

ما الذي دفع ابن الشبانية الى اعتناق الرهبنة؟

منذ طفولته كان رأسه الصغير يضج بأسئلة كثيرة كبيرة: “كان عمري 16 عاما… كنت ارى ان كل شيء ينتهي، كل شيء يذهب، الجميع يموتون، كنت ابحث عن الذي لا يموت، ما هو الثابت الى الأبد، ما ومن الذي يبقى” وفجأة هبط عليه الجواب، “هو واحد فقط، هو يسوع المسيح الثابت الوحيد الذي لا يتغير ولا يموت، هو الدايم دايم الأبدي الذي كنت ابحث عنه وهو الذي جذبني لألاقيه”.

بحث الأب مونس عن ذاك ال”دايم دايم” بين وجودية جان بول سارتر وشخصانية إيمانويل مونييه، فأدرك الحقيقة المطلقة “المسيح الذي احبنا مجانا وافتدانا لينقذنا ويهبنا الحياة الأبدية”.

من هنا كان الفكر الانتروبولوجي الوجودي الذي سكن الأب مونس مع تفتح الوعي لديه، فتوجه اولا نحو الفلسفة واللاهوت، لكن ظهر اختصاص جديد “هو الانتربولوجيا الذي اخترق كل حياتي”.

فبعد دخوله دير غوسطا، درس الأب مونس الفلسفة واللاهوت في جامعة الكسليك وذلك قبل ان يتوجه الى فرنسا  وتحديدا الى ستراسبورغ لينال الدكتوراه في الانتروبولوجيا.

عاد الأب مونس الى لبنان حاملا معه اختصاصه الجديد ليروِّجه ويدرٍّسه في جامعة الروح القدس ـ الكسليك ومن ثم في الجامعة اللبنانية ليصبح لاحقا من المواد الرئيسية وقد تبنته الكنيسة والتزمت به الكليات كافة واصبح لزاما على طلاب اللاهوت تحصيل هذه المادة التي يشدد مونس على اهميتها ك”علم يحمل ثقافة متنوعة ما بين الفكر الفلسفي والأدبي وبين الفكر الفني والفولكلوري والحكايات والقصص”.


جلجلة “شربل”

عاد الراهب الماروني من أوروبا، مكتشفا أن المسرح هو احدى ثروات العالم الثقافية: “كنت لا أزال شابا وسيما وأملك موهبة التمثيل والكتابة، ودرست المسرح في جامعة ستراسبورغ”.

ولم يكن التمثيل غريبا عنه آنذاك، ففي جعبة ذاك الراهب الناشئ تجربة سينمائية لا تنتسى وقد أطلقته الى عالم الشهرة باكرا، هي “شربل”.

وكان ذلك عام 1957، حين اختار المخرج نقولا أبو سمح الأب مونس وكان لا يزال فتيا يتلقى دروسه الثانوية في معهد الروح القدس الكسليك، للعب دور القديس شربل في فيلم سينمائي كتبه الأب بولس ضاهر هو على الأرجح الفيلم اللبناني الوحيد في تاريخ السينما اللبنانية الدينية، ويقول: “في الواقع استغربت يومذاك اختياري انا وليس غيري، وتمنيت عليهم ان يلعب راهب اكبر عمرا المرحلة الاخيرة من حياة شربل، “استهولت الفكرة”، شربل كان جبلاً، كان عمارة، كيف لي ان ألعب هذه المرحلة خصوصًا انها أهم مراحل حياته”.

عن تلك التجربة “الصعبة جدا” يروي الأب مونس “كنت في اول حياتي الرهبانية، كان علي كل يوم ان اضع ذقنا جديدة وكانت عملية صعبة، كل يوم كانوا يضعون “المسكة” ويزرعون الشعر فوقها وكل يوم كانت تُنزع مع ما يسببه ذلك من ألم شديد، تعذبت كثيرا في آدائي لهذا الدور، كان هناك التزام تام بتصوير كل المشاهد حيث عاش القديس شربل وملاحقة أحداث حياته بحسب أوقاتها وفصولها وقساوتها كنا نصور في الشتاء والثلج، وننتظر حتى الربيع لنصور البيادر”.

خرج الأب مونس من تجربة شربل “مدمرا” كما يقول، يستعرض حوادث تخللت عمليات التصوير كانت في غاية الصعوبة وخصوصا تلك التي صورت على الثلوج حيث كان الرهبان يخرجون جثة شربل (مونس في الفيلم) من الدير، فزحطوا على الجليد وسقط مونس على الثلج، وكانت النتيجة اصابة بليغة في رئتيه “لا زلت أعاني منها حتى اليوم”.

“كانت تجربة صعبة جدا، حملوني الشوك، وانكوى ظهري، كل المشاهد كانت صعبة وتعكس حقا صعوبة الحياة التي اختارها ذاك القديس، في أحد المشاهد بقينا حتى الظهر نقطع السنديان ونضرب، وأخذ الدم ينفر من يدي، وكانت النتيجة ان المخرج نقولا أبو سمح أراد ان يعيد تصوير المشاهد… ثم كان مشهد صعب جدا حين كان شربل يحتضر في الصومعة وهو ينام على جلد على الأرض وقربه النار، كل مشهد أديته كان بمثابة جلجلة، عانيت كثيرا وطلعت منه بمشاكل صحية في ظهري ويديّ لا زلت أعاني منها حتى اليوم”.

هل ندم لتأديته الدور؟

يختصر مونس تجربته في هذا الفيلم ب”المغامرة” الكبيرة التي كان لها تأثير كبير على حياته لكنه حتما لم يندم على هذا الدور على رغم قساوته “الحمدلله كنت مقتنعا جدا به، دخلت الجو وخرجت منه بصورة شربل الحلوة، كان اختبارا رائعا”..


شربل دفشني أكثر الى الرهبنة

“شربل” هذا الاختبار الرائع، شكل منعطفا كبيرا في حياة الراهب الشاب، “دفعني الى خيار جديد، اخترت بين الدوافع والأساسيات، كان صوتا صارخا داخلي، تأثرت بحياته، بجبروته، بمطلقيته، بجذريته”.

يستطرد “لم يتقبلوا شربل في البداية، تماما كما لم يتقبلوا سيدة لورد، وفجأة رأينا العالم كله زاحفا الى لورد، وها نحن نرى اليوم صعود ظاهرة شربل وقد تخطت لبنان لتصل الى كل العالم… ترى الناس راكضة الى المستشفيات ونرى أطباء وأخصائيين كبار عاجزين عن شفاء مرضى، فيما ذاك الراهب البسيط الذي قضى العمر مصليا في صومعته، صار الطبيب الشافي الذي ذاع صيته في كل العالم، يشفي حالات مستعصية بقوة الحب والصلاة والإيمان”.

“جلجلة” شربل والعذابات التي تكبدها مجسدا دوره، دفعت الراهب الشاب أكثر فأكثر الى خيار الرهبنة، الى التمسك أكثر فأكثر بدعوته، “شربل دفشني أكثر الى هذه الحياة وكان وراء لقائي برهبان مهمين لعبوا دورا مهما في حياتي الرهبانية”.

“أنا مش بلاي بوي أنا راهب”

الشهرة التي عرفها بعد “شربل” كان يمكن حتما ان تغريه ان “تطلع البخار” في رأس الراهب الشاب الوسيم، لكن “يسوع تدخل وحماني، لقد تجذرت أكثر فأكثر بدعوتي، وبأصالة هذه الدعوة”، وبالنتيجة يقول مونس “أنا مش بلاي بوي أنا راهب، وألتزم روح الرهبانية شكلا وروحا، حتى أنني كما كل رهبان الرهبنة المارونية التزمت أصالة دعوتنا ورفضنا كل حداثة شكلية او روحية تتعارض مع روحية الرهبنة ونذورها، نحن ضد ثياب الرهبان المدنية، ضد الطوق والقمصان البيض، نحن كما مار شربل نلتزم ثياب الرهبنة والنذور، هذا هو نذر الراهب”.

 بعد “شربل”… طويت الصفحة

نعم، شهرة “شربل” لم تغير الأب الشاب، استمر مخلصا لحبه الأول والأخير، لـ”مخلصنا الفادي الحبيب”، أمينا لدعوته، يعود الى الثابت “الدايم دايم” معلنا ثباته النهائي في انتمائه اليه.

لكن ماذا بعد جلجلة وشهرة “شربل”؟

“طويت الصفحة”، انصرف مونس الى التعليم في جامعتي الروح القدس ـ الكسليك والجامعة اللبنانية “منذ 46 عاما وأنا أدرس مادة الانتربولوجيا والفلسفة وجمالياتها متأثرا بأفلاطون وأرسطو وسقراط وكثير من الفلاسفة المسيحيين خاصة بول ريكور، بيركسون، كمال الحاج ابن الشبانية، إيمانويل مونييه وغيرهم…”

ويقول: “كانت تعصف بي ميول فكرية وفلسفية أعطيتها كل اهتماماتي وأولوياتي، كل كتاباتي كانت “نازلة” من نبع فلسفي وجودي يخضني، خضتني الفلسفة الوجودية خصوصًا انه في تلك المرحلة كانت تعصف بالعالم الحركة الماركسية والإلحاد وكانت الحركة الجدلية  بين المادية والتروتسكية والماركسية”.

في غمرة هذا الجدل الوجودي، اختار الأب مونس الشخصانية المسيحية متأثرا ب إيمانويل مونييه وكبار الفلاسفة المسيحيين الوجوديين وترافق ذلك مع أنشطة ومؤلفات وكتابة أعمال مسرحية وفنية ومحاضرات ونقاشات رافقت مسيرة الأب مونس حتى الساعة…

فالراهب الماروني المثقف دأب على تأسيس وإعداد برامج دينية عدة بثت على محطات تلفزيونية وإذاعات لا سيما تلفزيون لبنان والمؤسسة اللبنانية للإرسال ليسجل في أرشيفه أكثر من 52 عملا تلفزيونيا مسرحيا ووثائقيا وكتابة أكثر من 34 مسرحية.

أنا مثقف منوَّر بالإيمان

لكن اهتماماته الإعلامية والفنية المكثفة ألا تتعارض مع التزاماته الرهبانية؟

يؤكد مونس: “ثقافتي ونشاطاتي الإعلامية لم تمنعني من الغوص أكثر فأكثر في دعوتي، أنا مثقف منوَّر، منوَّر بالإيمان بتعاليم الكنيسة، بالفلاسفة المسيحيين. أحترم الفن وتاريخه، الفن بكل وجوهه، المسرح، الموسيقى، الرواية، الرسم، احترمت كل هذه الفنون وتعرفت عليها بكل وجوهها وروادها، سيمفونيات بيتهوفن موزار وغيرهم حفظتها كلها”.

ويبدو ان اهتمامات الراهب الإعلامي لم تقتصر على عالم الفن والثقافة، بل انخرط أيضا في عالم الرياضة بدءا من السباحة حيث خاض مباريات في بطولة لبنان على مدى 15 عاما، كما خاض سباقات في الركض وتسلق الجبال والوديان، ويقول “كنت راهبا استثنائيا بنشاطي”، وهل تسمح الرهبنة لراهب بممارسة كل هذه الأنشطة الخارجة عن إطار واهتمامات الرهبنة التقليدية، يجيب “كانوا يفتخرون بي وكنت مميّزا بالنسبة إليهم” ، ويستطرد “كل ما اقوم كان يتم ضمن روحية الايمان والبشارة والرسالة التعليمية والانسانية والاجتماعية التي نؤمن بها”.

ويخبرنا في هذا الإطار كيف أسس كلية الفنون الجميلة في جامعة الكسليك وتسلم عمادتها مرتين، كما كان وراء تأسيس كلية الزراعة في زحلة، مدفوعا بحبه للأرض ولإيمانه بأهمية دور المزارعين، ثم أسس لاحقا كلية الطب ومعهد البيئة والايكولوجيا، و”ها هي رسائل البابا الأخيرة تؤكد هاجسنا وحرصنا على ضرورة حماية البيئة”. مع الإشارة الى ان الأب مونس عين بين 1998 و2001 رئيسا لجامعة الروح القدس الكسليك كما تسلم مسؤليات عمادة العديد من كلياتها. ويعود له الفضل في إنشاء فروع للجامعة في البقاع والشمال والجنوب لتشجيع بقاء الطلاب في مناطقهم.

والى ذلك، يعود للأب مونس تأسيس فرقة المسرح في الكسليك، وكتابة ثروات ليتورجية، “أنا ورفاقي عملنا نهضة ليتورجية حقيقية في الكنيسة، وطبعا الفضل لرفاقي الرهبان الذين عملوا جهدًا كبيرًا ونوروني”.

الأب الثائر المتعدد النشاطات والذي لا يهدأ، أين حطت رحاله اليوم؟

“أنا اليوم في استراحة المحارب” يقول “لاقيت حالي أكتر شي في الكتابة، أضع كتبا ومقالات وأناشيد ليتورجية”.

الرهبنة ليست انزواء

لا يفصل الإعلامي الراهب إطلالاته الإعلامية عن رسالته ودعوته الأساسية، وان كان يأخذ عليه البعض “مغالاة” في الظهور الإعلامي والتلفزيوني، يجيب بهدؤ الواثق بخطواته وخياراته “دخلت الإعلام وكنت لا أزال في بداية حياتي الرهبانية، متأثرا بحملة وشعار مهم جدا:Le Medium est le Message، حامل الرسالة هو الرسالة، بسلوكنا، بحياتنا، بطريقة كلامنا نحن نحمل الرسالة، أعجبت جدا بالمفاتيح التي تطرحها هذه الرسالة”، ويقول: “في كل نشاطاتي ومهامي، لم يجرفني يوما البغض ولا الحقد ولا عزل الآخر، أخذني نهر المحبة والانفتاح على الآخر وقبول الفروقات، وهذا الخط صار الخط الإعلامي العريض الذي ينادي به الجميع، وهو في الواقع رسالة لبنان الحقيقية والجوهرية”.

ولمنتقدي إطلالاته الإعلامية يقول: “يسوع المسيح كان أكبر إعلامي، مار بولس مشى على خطاه وكان أيضا إعلاميًا كبيرًا، وهذا ما أثبته أيضا كل من البابا الراحل يوحنا بولس الثاني والبابا الحالي فرنسيس، وأنا بدوري أفخر بالانتماء لمدرسة يسوع المسيح وبولس والبابوين الكبيرين”. يشدد هو على ان “الحياة الرهبانية ليست انزواء، بل ان نتواصل ونوصل الى العالم الحب مغلفا بالخدمة والعطاء وذلك لا يكون إلا بالانفتاح على العالم، وليس بالانزواء متقوقعا على ذاتك”. بالنسبة الى الراهب الاعلامي، “الايمان الذي نحمله لا يجب ان ندفنه في ذواتنا بل ان ننقله الى الآخرين ويكون ذلك عبر البشارة، وأبواب إعلان البشارة كثيرة ومتعددة عبر الإعلام والفن والثقافة وصولا الى التكنولوجيا وغيرها…

“أحببت بشير الجميل وشباب المقاومة وكتبت لهم قصيدة”

الأب يوسف مونس الممثل، الكاتب الذي يجيد أربع لغات، الإعلامي، الموسيقي، المسرحي، الرياضي، الفخور بانتمائه الى الرهبانية المارونية اللبنانية كما بالموارنة وتاريخهم وحضارتهم، كان له أيضا ان يخوض عالم السياسة، وان يكون في قلب الحدث اللبناني السياسي صديقا ومستشارا لرئيس جمهورية، داعما لـ”المقاومة اللبنانية” وأيضا معدا لطريق وسياسة رئيس للجمهورية سرعان ما خطفته يد الغدر فكانت الكارثة التي قضت على آمال اللبنانيين بلبنان حقيقي وأيضا على آمال رهبان الكسليك وفي مقدمهم راهبنا الثائر.

مشواره في عالم السياسة بدأ منذ أيام الحرب اللبنانية وكان منسجما مع موقف الرهبانية اللبنانية التي دعمت “المقاومة اللبنانية” على نطاق واسع، ويقول مونس “أحببت بشير الجميل وشباب المقاومة وكتبت لهم قصيدة”، تأثر كثيرا يوم استشهدت مايا ابنة بشير في محاولة لاغتياله عند طلعة العكاوي فكتب لها قصيدة مؤثرة، لكن بابه العريض الى عالم السياسة كان بدأ مع انتخاب ابن بلدته الشبانية، الياس سركيس رئيسا للجمهورية اللبنانية.

قال لي الرئيس سركيس…

اتخذ الرئيس الياس سركيس من الراهب اللبناني مستشارا له كاتما لأسراره الى جانب آخرين متمرسين في عالم السياسة في مقدمهم فؤاد بطرس، جوني عبدو وكريم بقرادوني.

عن ابن بلدته الرئيس الذي كان يلقب براهب السياسة اللبنانية، يقول الأب مونس “كان إنساناً وطنيًا كبيرًا قبل ان يكون سياسي في مرحلة كان فيها لبنان باقتصاده وليرته مهدد فعلا بأن يطير، ويسجل له أنه فعل كل شيء لأجل إنقاذ لبنان في أصعب وأقسى الظروف وترك القصر الرئاسي والليرة اللبنانية لا زالت بقوتها”.

عن تلك المرحلة يتذكر الراهب المستشار الرئاسي: “كان لي حضور قوي الى جانبه، وكنت أداوم يوميا بالصعود الى القصر على رغم خطورة الأوضاع الأمنية والقذائف التي كانت تتساقط يوميا، وعندما تعذر علي التوجه الى القصر من الكسليك مباشرة بعد ان قطعت الطرقات كنت أذهب إليه عن طريق الـ مونتي فيردي، وغالبا ما كنت أجده وحيدا في القصر لا يجد من يحادثه، كان وحيدا فعلا والأحداث الأمنية أغرقته أكثر فأكثر في وحدته، وكان صامدا. يصارع كي لا يقع لبنان بأيدي الغرباء”.

ويروي: “الياس سركيس كان بطلا، إحدى المرات ذهبت إليه سألني هو المعزول في القصر الرئاسي عن البلد وأحوال الناس، أجبته “يهاجمونك، صورك على الجدران يطالبونك فيها بالرحيل”، وكان الشيخ بشير يومذاك ضده ويوعز للشباب بكتابة هذه العبارة، ويطالبه بأن يكون “رجولي” أكثر في مواقفه، لما أخبرته عن مواقف الناس سألني عن سعر السكر واللحمة والخبز وغيرها، أجبته، فقال لي يعني الناس عم تاكل، أجبت نعم، فقال لي “لكان قوم فلّ… طالما الناس مش عم تجوع والليرة قوية ومتل الدولار أنا مش فالل”. هذا هو البطل ابن الشبانية” يقولها الراهب اللبناني بفخر.

 

“كنا 82 راهبا الدماغ الذي يفكر لبشير

وماذا عن بشير الذي “أحبه كثيرا وحزن عليه كثيرا”؟

يقول: بشير نحنا (ويقصد الرهبنة اللبنانية المارونية) ربيناه سياسيا، وليس حزبه، هم ما كانوا يريدونه، نحن حركة الكسليك 82 راهبا أسسنا ما سمي “الماغما” كنا الدماغ الذي يحضر لعهد بشير، كنا نفكر لبشير ونهندس لسياسته ومبادئ وخطوط جمهوريته”.

وكان بشير كما يصفه مونس “شابًا مثل النار، كنا نسميه الملاك الغضبان، مؤمن محترم ابن جذور وقبضاي، لو استمر رئيسا، لكان لبنان، كل لبنان، تغير”.

لكأن السنين الطويلة التي مرت واحداثها الكبيرة لم تتمكن بعد من محو تلك الذكرى الأليمة، ذكرى اغتيال بشير، “بشير صلبنا.. موته صلبنا، انتهت كل الآمال المعلقة عليه، برحيله راحت كل أحلامنا وبرامجنا… وضعت “غاما” برنامجا رئاسيا واسعا لكل لبنان، وعندما انتخب رئيسا للجمهورية زارنا في الكسليك وكانت جلسة مطولة لبحث كيف سيدير الدولة اللبنانية،  بأي عقلية، بأي أخلاقية، وكنا خائفين عليه من جرأته، وكنا دائما نطلب منه ان ينتبه الى أمنه ان “ينضب” شوي وأذكر يومذاك بأنني قلت له: “يا شيخ انت هلق رئيس الجمهورية، بس نحنا ما فينا نعيش بالمغامرة، إذا انت استشهدت مين راح يكون خليفتك؟”، فأجابني “اتكلوا على الله”.

يتذكر راهب الكسليك “كانت الجبهة اللبنانية كلها تجتمع هون بهالدير وتأخذ أهم القرارات، كلهم راحوا، الآن أصبحنا في عصر مجلس نواب ليسوا نوابا، هم مهرجون”.

بعد موت بشير طلعنا نهائيا من السياسة

بعد موت بشير”تغيرت اشياء كثيرة”، رهبان الكسليك انكفأوا “طلعنا نهائيا من السياسة” بعد ان انهارت كل آمالهم، أحوال البلاد وموازين القوى السياسية تبدلت، والراهب اللبناني انصرف الى أبحاثه الى كتاباته وأيضا الى الإعلام ليعيّن في مراكز إعلامية كاثوليكية عالمية بارزة، ومستمرا منذ عشر سنوات في إطلاق برامج تلفزيونية دينية ثقافية واجتماعية متعددة عبر شاشة تيلي لوميير تنوّعت أسماء ومحتوى لكنها تصب في اتجاه واحد نشر الإيمان والحب والتعددية وحب الآخر والانفتاح عليه هو المدرك جيدا لقدراته في هذا المجال ويقول “أعرف أنني أملك كلمات مفاتيح ولغة وإلقاء مقبولين، أعرف أنهم يحبون صوتي ويقولون لي “ربينا على صوتك”.

والى إطلالاته التلفزيونية، تراتيل ليتورجية ومقالات تنشر في صحف لبنانية يظللها كلها بحثه الوجودي الأول وما خلص إليه: “لا حياة ولا فرح ولا خلاص إلا مع يسوع المخلص هو الدايم دايم ومعه وبه قمة العالم والحياة”.

بإيمانه الكبير ذاك، تراه غير خائف على لبنان ولا على مسيحييه، وعلى رغم كل ما يعصف به ويهدد وجوده، يطمئننا: “لا تخافوا… وطن الأرز مكرّس لقلب العذراء مريم وهي ستحمينا”.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل