#adsense

رئيس “تأسيسي”

حجم الخط

حين خيّر “حزب الله” الجميع، بمن فيهم وزير خارجيّة فرنسا، بين ميشال عون رئيساً أو “المؤتمر التأسيسي”، كشف، من حيث يدري أو لا يدري، حقيقة العقدة التي يتولّى وضعها نيابةً عن إيران: لا رئيس للبنان في المدى المنظور.

والضحيّة الأُولى لهذه الحقيقة السوداء هي الآمال التي عقدها عون نفسه على انفراج طريقه إلى قصر بعبدا خلال شهر آب المقبل كحدّ أقصى، والبشائر التي زوّد بها كلّ زائر إلى دارته، أو كلّ من قابله، في الآونة الأخيرة.

لكنّ خطورة طرح “حزب الله” لا تكمن في نسف تفاؤل الرابيه فقط، بل في تقديمه المرشّح عون كبديل من “المؤتمر التأسيسي”، أو كمساوٍ له في الجوهر، وكأنّه يقصد عمداً مضاعفة توجّس المتوجّسين من وصوله إلى الرئاسة، وتحفّظ المتحفّظين عليه، ومن لديهم شكوك أصلاً في كلّ سياساته وممارساته القديمة والحديثة.

فحين يقبل “حزب الله” بعون رئيساً كترضية مؤقّتة عن تغيير النظام اللبناني بدستوره وتوازناته وصيغته التي أرساها اتفاق الطائف، يكون قد كشف مرشّحه، وأوحى للجميع بأنّ هذا “الرئيس” بالذات مرتبط بالتزامات تجاهه، وبوعود وعهود لا تقلّ عمّا يريده ويسعى إليه من خلال “المؤتمر التأسيسي”.

ولا يغيب عن بال قيادة “حزب الله” وأمينه العام حسن نصرالله تحديداً، أنّ هذا الطرح يؤدّي حكماً إلى نتيجتين متلازمتين: إحراق ورقة عون نهائيّاً، وتكريس فراغ سدّة الرئاسة فترة إضافيّة طويلة.

ولا يمكن افتراض البراءة أو السذاجة لدى هذه القيادة حين قدّمت طرحها، وهي لها ما لها من باع طويل في السياسة والأمن وخوض المواجهات وتراكم التجارب.

ولا يبدو ميشال عون، أمام هذه المعادلة المكشوفة من حليفه، في موقف يُحسد عليه. فقد بات من الصعب جدّاً أن يستطيع طمأنة الأطراف الأُخرى، مثل “تيّار المستقبل” ووليد جنبلاط مثلاً، وحتّى حلفاءه في الوسط المسيحي، إلى عدم ارتباطه بالتزامات خفيّة من شأنها تغيير الوضع السياسي لمصلحة “حزب الله”. خصوصاً أنّ هناك التزاماً خطّياً معلناً ومستمرّاً منذ أكثر من 10 سنوات تحت مسمّى “ورقة التفاهم” لا تخفى خطورته في بنده العاشر المخصّص لتكريس سلاح “الحزب”، بل تقديسه.

لم تكن المرّة الأُولى التي يُحرِج فيها “حزب الله” حليفه العوني في السياسة الداخليّة والخارجيّة، وذروة الإحراج تكمن في هذا التبنّي الضرير لترشيحه، والإصرار على أحاديّته، ومعانقته حتّى الاختناق.

والسؤال الآن: هل يستطيع عون أن يمون على نصرالله ويتمنّى عليه سحب معادلة: عون أو “التأسيسي”؟

قد تلجا أوساط “حزب الله”، بإيعاز من نصرالله، إلى نفي ما تمّ كشفه عن المعادلة، لكنّ الحقيقة ماثلة لدى الفرنسيّين وسواهم، داخل لبنان وخارجه. ولم يعد هناك أيّ غموض أو التباس حول الغاية الايرانيّة من تطويل أمد الفراغ. وقد كانت الوسيلة الأخيرة لتحقيق هذا الهدف، هي هذا الربط الجهنّمي بين “رئاسة” ميشال عون وتغيير النظام.

ولم ينفع الماكياج الذي وضعه نبيه برّي على وجه هذا المشروع حين أعلن تمسّكه باتفاق الطائف واستبعاده “المؤتمر التأسيسي”، فهو في واد ومشروع إيران و”حزب الله” في واد آخر (إعلاميّاً على الأقلّ).

لم يستطع “حزب الله” بانخراطه في الحرب السوريّة منع المعارضة هناك من تحقيق هدفها السياسي الوحيد حتّى الآن: إلغاء المادّة 8 من الدستور السوري التي تجعل حزب البعث “قائداً للدولة والمجتمع”.

وما فشل فيه هناك يحاول أن يحقّقه هنا، بجعل نفسه “قائداً للدولة والمجتمع” في لبنان. وهو يرى أنّها فرصته الآن، من خلال الامساك والتلاعب بورقة عون.

بوضوح كلّي، إنّه يريد رئيساً يحافظ على “قدسيّة” سلاحه، ويعتبر أنّ حروبه في سوريّا وسائر المنطقة شرعيّة، بل “إلهيّة”، ويفتح له باب التغييرات الدستوريّة لتغيير التوازنات تحت شعار تعديل النظام، بما يكرّسه “حرساً ثوريّاً” حاكماً باسم “ولاية الفقيه”.

المشكلة أنّ “حزب الله” يريد رئيساً “تأسيسيّاً”، إذا لم يكن في الامكان الآن عقد “مؤتمر تأسيسي”.

ومن هنا، انسداد الأفق أمام كلّ مرشّح يقبل بهذا الدور وهذه الوظيفة.

وسيبقى الأفق مقفلاً، إلى أن تحلّ نعمة الحلول السياسيّة في سوريّا والمنطقة، أو تستمرّ لعنة الحروب المفتوحة على المجهول.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل