
تخيَّل أنّك قاعدٌ تحت العريشة بالضيعة على بُعد “فشختين” من مرقد العنزة، تبحث عن نسمة هواء تخفّف لهيبَ تمّوز وأنتَ تقرأ هذا البيان:
“تُحذّر وزارة الخارجية اللبنانية رعاياها من السفر إلى فرنسا، خصوصاً إلى الأماكن السياحية، مِثل باريس ونيس ومارسيليا وكان والريفييرا، وتنصَح أبناءَها اللبنانيين المقيمين في فرنسا والذين يَحملون الجنسية الفرنسية بضرورة أخذِ الحيطة والحذر أثناء تنقّلِهم داخل البلاد.
وتحضّ وزارةُ الخارجية رعاياها على تجنّب التجمّعات والأماكن المكتظّة، مِثل المتاحف والمسابح والمعالم السياحية، لتفادي الهجمات الإرهابية والتخريبية، وتَطلب منهم الاتّصال بالسفارة اللبنانية إذا كانوا يَرغبون بعودةٍ آمنة إلى ربوع الوطن وأحضان الأرز الدافئة… إنتهى.
بَعد قراءة كلِّ هذه الحِنّية الوطنية غير العادية، من الممكن جداً أن يُغمى عليك، أو أن تفقدَ “كمّية حرزانة” من عقلك، أو أن تشتعلَ فيك فجأةً الروح الوطنية وتصبح مستعدّاً لتفجير نفسِك بأيّ شخص يأتي على سيرة لبنان… أو يمكنك أن تواصلَ البحث عن نَسمة الهواء وتوقفَ تخيلاتك وتعود إلى الواقع.
باتت فرنسا اليوم كالأخت التي تحتاج إلى مَن يواسيها ويُربّت على كتفِها ويَدعو لها بالصبر في مِحنتها الأمنية الأليمة التي تزداد ضراوةً، ويقدّم لها يد العون والمشورة.
كم نحن في حاجة ماسّة إلى دولة تعترف بنا مقيمين ومسافرين ومهاجرين، وكم نحن في حاجة إلى دولة تخاف علينا في الداخل والخارج وتُحسّسنا بـ”شوَية» كرامة وعزّة نفس بإصدارها بياناً يذكّرنا بأنّنا ننتمي إلى وطن وليس “فقّاسة بيض»، وأنّ هناك مسؤولاً يخاف على حياتنا
وأمنِنا وراحة بالنا، وسيَقتل نفسَه ليوفّر لنا ملجَأ آمناً في أحلك الأزمات.
وإذا استخدمنا أسهلَ عملية حسابية في العالم “الريغل دو تروا»، واحتسَبنا مستوى الخطر الأمني في أرقى دول العالم وعدد الهجمات والضحايا مقارنةً بوضع لبنان، سيتبيّن لنا أنّ لبنان اليوم هو فعلياً من بين أكثر الأماكن أماناً على الكوكب… فلا تنسوا أنّنا دولة يحدّها الإرهاب من الشمال والشرق والجنوب، وتستقبل أكثرَ مِن مليونَي لاجئ على أرضها… ومع هذا كلّه، 8 إنتحاريين غَدروا بخمسة لبنانيين فقط في هجمات القاع، بينما إرهابيّ واحد قتلَ أكثر من 84 شخصاً في نيس الفرنسية، وانتحاريان قتَلا 44 شخصاً في اسطنبول الشهرَ الماضي، و3 إنتحاريين قتلوا 35 شخصاً في بلجيكا منذ بضعة أشهر… وعِد يا معلّم.
أهلُ دول الخليج وأوروبا وأميركا والصين وزيمبابوي ليسوا أبداً أعزَّ مِن اللبنانيين أو أغلى منهم، ومثلما تلتفتُ إليهم حكوماتهم في المحَن ببيانٍ واتّصال، من واجب دولتنا أن تهتمّ لهلعِنا وآلامِنا وإصاباتنا.
يكفينا انتظار مسؤول غربي وآخر عربي للبحث في شأن رئيس أو وزير أو نائب أو مختار… فكلّها شهر أو شهران وسيبدأ الفرنسيون والأميركيون والأوروبيون يتّصلون بنا لاستشارتنا في الشؤون الأمنية والسياسية والاقتصادية، وسيقفون طوابيرَ لمعرفة تعويذتِنا السحرية التي سَمحت لنا بالصمود 3 سنوات بلا رئيس وبلا حكومة ولا اقتصاد وتجارة ومع هذا الكمّ من التحدّيات العسكرية والأمنية، لعلّهم يَستفيدون من خبراتنا التي أبقَت لبنان كياناً واحداً أثناءَ تقطيع “الغاتو” الإقليمي.
وحتى الشعب اللبناني بشبابِه وشيبه مستعدّ لتنظيم حلقات حوار ونقاش في الجامعات الأوروبية لتوعية الجيل الغربي الصاعد ومنحِه معنويات ونصائحَ لمواجهة تسونامي الإرهاب.
“بَلا جْميلكن وجْميل البيانات”، فالذي شاهدَ الألعاب النارية من خليج جونية إلى الجنوب الفرنسي لاحظ أين تنبض إرادة الحياة والصمود، ولا شكّ في أنّنا سنسمع قريباً ببيانات غربية تشجّع رعاياها على الذهاب إلى لبنان… ومعهم سيأتي رعايانا.