#adsense

هل لدى تركيا “قناة خلفية سرية” مع الأسد؟!

حجم الخط

عملت تركيا خلال الشهر المنصرم على تحويل اثنين من الخصوم القدامى الى اصدقاء جدد. ففي 27 حزيران اعلن مسؤولون اتراك عن اتفاق تطبيع للعلاقات مع اسرائيل بعد قطيعة دامت 6 سنوات في اعقاب حادثة سفينة مرمرة. كما اعتذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لموسكو بشأن اسقاط الطائرة الحربية الروسية عام 2015، الاعتذار الذي رأب الصدع بين البلدين.

ويخيم المصير السوري بدرجة كبيرة على “إعادة الإنضباط” للسياسة الخارجية التركية. هل بامكان انقرة ايضا بسط غصن من الزيتون لألد اعدائها: نظام الرئيس بشار الأسد؟

وقد قطعت تركيا جميع علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا في أيلول 2011، وبدأت بدعم المعارضة السورية المسلحة لاسقاط الأسد ، كما تقوم باستضافة ما يزيد عن 2.5 مليون لاجئ سوري على اراضيها. ويزعم احد الأحزاب القومية اليسارية الصغيرة الآن بأن ازمة اللاجئين المتنامية والحملة العسكرية الروسية في سورية واستيلاء الميليشيات الكردية السورية القوية على الجزء الشمالي من البلاد لم يترك امام تركيا اي خيار سوى الانخراط مع نظام الأسد. ويدعي قادة هذا الحزب بالفعل بتمريرهم الرسائل بين المسؤولين في الحكومتين التركية والسورية.

ويرأس حزب “الوطن”، وهي حركة قومية ذات برنامج معادي للغرب وللولايات المتحدة، دوجو بيرينجيك ، وهو سياسي اشتراكي معروف في تركيا؛ ونائب رئيس الحركة وهو الجنرال اسماعيل حقي بكين ، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية التركية.

وقد كشف كل من بيرينجيك وبكين لصحيفة “فورين بوليسي” عن اجتماعهما مع مسؤولين من روسيا، الصين، ايران، وسوريا العام الماضي وأنهما قاما بنقل رسائل من مسؤولين رفيعي المستوى في الدول المذكورة الى قادة الجيش التركي ومسؤولي وزارة الخارجية التركية.

يبدو بيرينجيك وبكين بالزوج الشاذ بعض الشيء. فقد بدأ تعاونهما السياسي من السجن، فقد تم اعتقال الرجلين في العام 2011 على خلفية قضية ارجينيكون، وهي الشبكة التي يزعم في انتمائها الى “الدولة العميقة” والتي كانت تخطط لانقلاب عسكري ضد الحكومة. ويتقاسم الرجلان نظرة سياسية كمالية (نسبة الى كمال اتاتورك) راسخة تستند الى التزام صارم للغاية بالعلمانية والقومية التركية، فضلا عن نظرة “مناهضة للإمبريالية: تجعلهما حذرين من النفوذ الأميركي والغربي على السياسة التركية. وفي عام 2016، الغت محكمة الاستئناف العليا احكام الادانة في محاكمات ارجينيكون لأنها لم ترى وجودا لـ”منظمة ارجينيكون الإرهابية” على الاطلاق، كما تم جمع الأدلة بطريقة غير قانونية.

وقد اجتمع بيرينجيك وبكين للمرة الأولى مع الأسد في دمشق في شباط 2015. وخلال هذا الاجتماع، اتفق الطرفان، وفقا لما قاله بيرينجيك، على “ضرورة محاربة تركيا وسوريا للانفصاليين والجماعات الإرهابية الأصولية معا”.

بعد ذلك قام بكين وغيره من كبار الضباط الأتراك المتقاعدين والذين هم ايضا اعضاء في حزب “الوطن”، الأميرال سونر بولات، واللواء بايزيد كاراتاس، بزيارة دمشق ثلاث مرات. وقال بكين انه خلال تلك الزيارات التي جرت في كانون الثاني ونيسان وأيار – التقى الوفد مع عدد من قادة الأجهزة الأمنية والدبلوماسيين والسياسيين الأكثر نفوذا في الحكومة السورية. وكان من بينهم رئيس المخابرات العامة محمد ديب زيتون؛ وعلي مملوك، رئيس مكتب الأمن القومي، وزير الخارجية وليد المعلم.

وكان الموضوع الرئيس لتلك الاجتماعات، وفقا لبكين، هو “كيفية تمهيد الطريق امام تركيا وسورية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية والتعاون السياسي”. ووفقا للجنرال المتقاعد فقد وصل لقائه مع مملوك مباشرة الى رأس الدولة. وقال بكين ان “مملوك غالبا ما كان يستأذن للذهاب الى الغرفة المجاورة للتحدث الى الأسد مباشرة على الهاتف”.

وأكد بكين انه اطلع كبار مسؤولي وزارة الخارجية وقادة الجيش على نتائج زياراته ولقاءاته، وأنه لمس تغييرا تدريجيا في مواقف المسؤولين الأتراك على مدى الأشهر الـ 18 الماضية. وأضاف: “في كانون الثاني 2015، لم تكن تركيا مستعدة لتغيير سياستها، غير اني لاحظت خلال زيارتي الأخيرة انهم (المسؤولين الأتراك) اكثر انفتاحا ومرونة بشأن هذه المسألة”.

وأكد مسؤول كبير في وزارة الخارجية التركية انه التقى بكين، غير انه نفى بشدة ان تركيا تتفاوض مع نظام الأسد.
وأضاف: “نعم، استمعنا الى بكين، فنحن نستمع الى الملايين من الناس، حتى سائقي الشاحنات، الذين يقولون انهم يملكون معلومات حساسة حول مناطق النزاع، ولكن لم يكن هناك تبادل في هذه الاجتماعات على الاطلاق”.

ويعتقد بكين وبيرينجيك ان القوة المتزايدة لحزب الاتحاد الديموقراطي لأكراد سوريا (بي. واي. دي)، الذي قام باقتطاع منطقة كبيرة تتمتع بالحكم الذاتي في شمال سوريا على طول الحدود التركية، يمكنه اقناع المسؤولين الأتراك اخيرا بالموافقة على وجهة نظرهم. ويرتبط حزب الاتحاد الديموقراطي ارتباطا وثيقا بحزب العمال الكردستاني في تركيا، الذي شن تمردا دام عقودا طويلة ضد الدولة التركية.
ويرى ثنائي القادة في حزب “الوطن” ان تركيا ونظام الأسد مقيدان بهذا العدو المشترك، وقال برينجيك «أخبرنا بشار الأسد ان حزب الاتحاد الديموقراطي منظمة خائنة، وجماعة انفصالية. وقال انه لن يتسامح مع مثل هذه الجماعة الانفصالية في سوريا، وأنه ليس لديه شك في ان حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديموقراطي هما لعبة في يد الولايات المتحدة” واضاف مؤكداً: “سمعت الأسد يقول هذا بأذني”.

وكان مسؤول رفيع المستوى في حزب “العدالة والتنمية” الحاكم صرح لوكالة رويترز في 17 حزيران الماضي “في النهاية الأسد قاتل. فهو يعذب شعبه. لكنه لا يدعم الحكم الذاتي للأكراد. قد نكون لا نحب بعضنا البعض، لكننا ننتهج سياسة مماثلة في هذا الصدد”.

ومع ذلك، رفض عدد من كبار المسؤولين الأتراك الزعم بأن تركيا بصدد تغيير موقفها من نظام الأسد. فقد صرح احد المسؤولين لـ “الفورين بوليسي” ان فكرة تعاون تركيا مع نظام الأسد ضد حزب الاتحاد الديموقراطي “مثيرة للسخرية”. وتساءل بانفعال: “الأسد لا يستطيع حماية منطقته كيف يمكنه مساعدتنا ؟”.

وليست المرة الأولى التي يدعي فيها بكين وبيريجنيك بتعمقهما في الدبلوماسية، فهما يقولان بأنهما لعبا دورا ايضا في اعادة العلاقات بين روسيا وتركيا.

وقال بكين، الذي زار روسيا في ديسمبر بعد اسقاط الطائرة الحربية الروسية مباشرة، «طلبت منا مجموعة من رجال الأعمال وثيقي الصلة باردوغان بتحسين العلاقات مع روسيا”. وقامت مجموعة بكين بتقديم رجال الأعمال الى الكسندر دوغين، الفيلسوف الروسي القومي القريب من الكرملين، الذي اوضح ان الروس كانوا يتوقعون اية اشارة من شأنها ان تكون بمثابة الاعتذار. كما زعم بيرينجيك ان بارسلان سيليك، المواطن التركي الذي ادعت روسيا قتله للطيار الروسي، اعتقل مباشرة بعد هذا الاجتماع، واضاف: « قدمنا مساهمة كبيرة في عملية المصالحة كما اراد الطرفان ان نكون جزءا منها”.

ونفت مصادر مقربة من الرئاسة ان يكون لديها اي معلومات بشأن هذا الاجتماع.

وردا على سؤال حول ما اذا كان حزب “الوطن” بمثابة الوسيط بين تركيا وسورية، قال بيرينجيك: “نحن لا نتلقى توجيهات من احد.. نحن نمهد الطريق”. واضاف “هناك الكثير داخل حزب العدالة والتنمية، وخصوصا حول اردوغان، لا يؤيدون استمرار العداء مع روسيا وسورية. وهذا في الواقع، السبب في تشكيل حكومة بن علي يلدريم”.

وقد توازت التحولات في السياسة الخارجية التركية تجاه روسيا واسرائيل مع التحول السياسي في انقرة. فبعد خلافات طويلة مع اردوغان، استقال رئيس الوزراء احمد داود اوغلو في الرابع من مايو. وقد حل محله بن علي يلدريم، الذي اشار بأنه لن يمضي قدما في سياسات سلفه.
وقد اخبر يلدريم “بوليتيكس اكاديم” في 11 تموز “سنستمر في تحسين العلاقات مع جيراننا، ليس هناك من سبب بالنسبة لنا ان نقاتل العراق، او سوريا، او مصر، ولكننا في حاجة الى دفع التعاون معهم نحو الأمام”.

كما يتغير ميزان القوى بين الجهات الفاعلة المختلفة في تركيا. فقد ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” ان الجيش التركي يستعيد تأثيره على السياسة، مع تصاعد القضية الكردية والتهديدات الأمنية الاقليمية.

ومن المعروف ان الجيش التركي حذر من سياسة البلاد ضد الأسد. وقال مسؤول حكومي رفيع المستوى، ان الحكومة ارادت اقامة منطقة عازلة في شمال سوريا، الا ان الجيش التركي رفض هذا القرار في وقت مبكر من العام 2011. وقال بيرينجيك “كان الجيش التركي منذ البداية في صالح الحفاظ على الصداقات والعلاقات الجيدة والتعاون مع سورية والعراق وايران، وروسيا”.

وتنفي مصادر رئاسية وأخرى في وزارة الخارجية بشدة الشائعات بأن تركيا تغير من سياستها تجاه سوريا، قائلة بأن ازاحة نظام الأسد لا يزال يشكل اولوية بالنسبة لتركيا. لكن مراقبون يلاحظون وجود تغيير في موقف انقرة تجاه سورية، ويؤكد عبدالقادر سيلفي، وهو صحافي مخضرم لدى صحيفة حريت التركية، على انتقال تركيا من «عصر المثالية»، التي جسدتها ولاية داود اوغلو، الى ما يؤيده انصار الحكومة بأنه “عصر الواقعية”.

وفي هذا العصر الجديد، يقول سيلفي، ستواصل الحكومة التركية انتقاد النظام السوري ولكنها لن تبذل الجهود للاطاحة بالأسد وستتعاون مع الجهات الفاعلة التي تريد منع اقامة اقليم كردي في شمال سوريا. وكما يقول سيلفي “ان سلامة اراضي سوريا هي اكثر اهمية الآن من مصير نظام الأسد”.

المصدر:
النهار الكويتية

خبر عاجل