بداية٬ أعتقد أن حتى أولئك الذين لا يشاطرون الرئيس التركي رجب طيب إردوغان فكره السياسي٬ ولا يعجبون بأسلوبه في ممارسة السلطة٬ كان لهم مثلي موقف سلبي من التحّرك العسكري الساعي لإسقاط حكم منتخب بصورة ديمقراطية.
إردوغان أصلاً لم يحَظ في الماضي٬ ولا يحظى اليوم٬ بمايعة غير مشروطة لشخصه بدليل خلافاته السياسية العلنية مع عدد من رفاقه وعلى رأسهم الرئيس السابق عبد الله غل ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو.
ثم إنه٬ لدى النظر إلى عدائه الُمستحكم مع الداعية ورجل المشاريع فتح الله غولن المقيم راهًنا في منفاه الأميركي يجوز القول إنه لا يحتكر حق التحدث باسم “الإسلام السياسي” التركي بالمطلق.
وأخيًرا٬ إذا اعتبرنا الأرقام التي أفرزتها آخر انتخابات عامة أجريت في تركيا وفاز بها حزبه “العدالة والتنمية”، نلاحظ أنه حاز نسبة 50.49 في المائة من الأصوات٬ كانت كافية لإعطائه غالبية مطلقة في عدد المقاعد (317 مقعًدا من أصل 550(٬ لكن نسبة من صّوتوا لأحزاب منافسة بلغت 50.50 في المائة من الناخبين.
من المفيد تذّكر هذه الحقائق خلال الأيام والأسابيع المقبلة عندما تستفيق تركيا من الصدمة٬ وتباشر السلطة السياسية لملمة الوضع ومحاسبة المغامرين والمدفوعين للانقلاب على التجربة الديمقراطية. ولئن كان من حق الرئيس إردوغان أن يطّهر الأجهزة الأمنية من العناصر التي تتأكد ارتباطاتها بقوى متآمرة على سلامة البلاد وحكومتها المنتَخبة بحرية من الشعب٬ فليس من حقه التذّرع بهذا الحق واستغلال ما حصل لتشديد القبضة الحزبية والأمنية على البلاد٬ والسير بسياسة تشٍّف انتقامية ضد الخصوم السياسيين.
وحسنا فعل رئيس الوزراء بينالي يلدريم٬ بالأمس٬ عندما حّيا وقفة بعض أحزاب المعارضة الرئيسية ضد المحاولة الانقلابية. وهذه الرسالة٬ إذا ما تبّناها إردوغان٬ تصلح لبناء علاقة سليمة بين الحكم والمعارضة في مناخ ديمقراطي صحيح٬ ذلك أن أحد أخطر التحّديات التي تواجهها تركيا اليوم هو خطر الانزلاق إلى حرب أهلية تبّرر تمزيق وحدة البلاد الوطنية. وعليه٬ لا بديل عن التفاهم على آليات اللعبة الديمقراطية… وفي صميمها التوافق على مبادئ المحاسبة السياسية وتداول السلطة واحترام الحّريات العامة.
قد يرى كارهو إردوغان أن الشعب التركي أخطأ في الوثوق ببرامج “العدالة والتنمية”، ولكن هذا ينطبق أيًضا على الشعب البريطاني الذي ربما أخطأ عندما صّوتت غالبيته أخيًرا لصالح الخروج من أوروبا٬ والشعب الأميركي عندما انتخب رونالد ريغان مرتين رئيًسا لأقوى دولة في العالم. قد يكون هذا وارًدا٬ لأن الديمقراطية لا تعني تلقائًيا اعتماد الخيار المثالي٬ لكنها توفر الفرصة ضمن آلياتها لتصويب الخطأ إذا ما مورست بصورة صحيحة.
والقصد أن نتيجة انتخابات قد تٌقلب رأًسا على عقب في انتخابات لاحقة بعد أربع سنوات أو أكثر٬ وحصيلة استفتاء تلغيه حصيلة استفتاء آخر تقترحه حكومة منتخبة٬ من مفهوم “التجربة والخطأ” الذي هو أصلاً في صميم المنهجية العلمية وليس فقط التعامل الإنساني العادي.
أكثر من هذا٬ لا ضمانات من ألا يتعّرض المواطن أو الشعب كله لضرر من خيار ديمقراطي لم يكن في محله٬ لكن ضرر الخيار الخطأ الُمّتخذ بلا إكراه يظل أخف وطأة وأقصر أمًدا وأقل ثمًنا بكثير من المعاناة في ظل أنظمة أمنية تسلّطية لا تحترم فيها السلطة حقوقا أو خصوصيات ولا تقيم وزًنا لفكر ولا يتوقف جشعها لمزيد من التسلّط عند حد. ولقد جّربت منطقة الشرق الأوسط نماذج كثيرة من هذه الأنظمة الأمنية التسلطية ولا يزال٬ ويكفي إجالة النظر حولنا لتبّين ما خلفته من كوارث وتخلّف وتعّصب وإحباط… وإرهاب.
في بعض الأقطار الشرق أوسطية٬ والعربية تحديًدا٬ انهارت الدولة ومؤسساتها بالكامل٬ وتحّولت الشعارات التقدمية والليبرالية والقومية البّراقة المستوردة من الخارج إلى أوهام٬ بل إلى أقنعة تستر أضيق الولاءات العشائرية والمذهبية والمحلية. وتغّير دور الجيوش في بعض أقطار من “حماة الديار” إلى ميليشيات قتل طائفية لا تتوّرع عن استخدام أفتك الأسلحة المحظورة ضد المدنيين العّزل وتهجير الألوف بل الملايين.
وفي دول أخرى اختارت سبيل “الثورة” باسم المستضعفين ضد قوى الفساد الداخلي والاستكبار الخارجي غدت الشعارات الدينية ستاًرا لحكم مافيات عسكرية ومالية يتمّدد في كل اتجاه٬ ويصطنع ميليشيات إقليمية ويفّجر حروًبا أهلية تزرع الأحقاد وتحصد الفتن.
أمام تركيا اليوم نماذج مخيفة على امتداد الشرق الأوسط. وهي تدرك حرج موقفها الجيو سياسي٬ بدًءا من رهان واشنطن إقليمًيا على ورقة “القومية الكردية” إلى الضغط الروسي المباشر سياسًيا وعسكرًيا٬ مروًرا بالتباس موقف إيراَن عدوانَّيٍة وتوّسعَّيٍة تتحّكم اليوم – كما تتباهى – في أربع عواصم عربية٬ ثلاث منها لدول قريبة من تركيا٬ هي بغداد ودمشق وبيروت٬ بجانب العلاقات غير المريحة مع مصر وإسرائيل.
ومع أن أنقرة تلّقت بالأمس سيلاً من رسائل التأييد اللفظي لـ”الشرعية” و”الديمقراطية” التركية٬ سيكون من السذاجة تصّور أن هذه الرسائل تعبر حًقا عن مواقف استراتيجية لُمرسليها. وأزعم أن إردوغان مقتنع في قرارة نفسه بأن بعض الذين عّبروا عن التضامن والتأييد كانوا سيقفون إلى جانب التمرد فيما لو جاء رد فعل الشارع فاتًرا وغلبت الحزازات الحزبية عند أحزاب المعارضة على التزامها بالتجربة الديمقراطية وحرصها على تجنب العودة إلى الحكم العسكري.
والمؤكد أن “تبريرات” الإنقلاب فيما لو كتب له النجاح كانت جاهزة للتسويق في عدة عواصم٬ خصوًصا أن عواصم إقليمية ودولية كثيرة تفّضل٬ من جهة٬ رؤية قيادة مختلفة في تركيا٬ ومن جهة ثانية٬ لا تؤمن كثيًرا بجدارة بعض الشعوب بالحرية والديمقراطية.
لذا أقول٬ إن الحكم التركي انتصر بالأمس بفضل شعب تضامن بمختلف فئاته رافًضا العودة به إلى الخلف. غير أن التجربة المريرة لا بد أن تحمل معها دروًسا… وهذه فرصة للقيادة التركية لاستخلاص العبر والتحّصن أكثر بثقة الشعب٬ وبلورة استراتيجية واعية لدولة متماسكة وقوة إقليمية ودولية فاعلة.