#adsense

صوت الأرز عم يدبك ع نغمة بلادنا…

حجم الخط

 

مهيب هذا الجبل المنتصب أمامك مباشرة، ما هو؟ جبل المكمل. تظنه قريبًا جدا على ملمس اليد ربما، لكن لا، بيننا وتلك المساحة الربانية من حياكة إبرة السماء تلك، غابة أرز رابضة كما النسر تماما فوق مساحات الحلا، قل نحو 102566 مترا مربعًا هي الأرض الصلبة الخصبة الخضراء الممتنعة غير السهلة لشجرة الربّ تلك، يا الله ما هذه الرائحة، ثمة بخور، ثمة الكثير من ذاك العنفوان، العناد، القداسة… لا أعرف ما يقال، فلنتوقف ولنرَ ما يجري هنا، آه بالتأكيد هنا المساحة الواحة التي ستضاء في ليل من ليالي لبنان النادرة بالفرح، ليالي الأرز، هنا ستقام مهرجانات الأرز الدولية فلنرَ ما يجري…

إنسوا إنسوا تلك المقولات الباهتة السخيفة المحبطة، ما في أمان بالبلد، لا، في أمان بالبلد لأن العناد على الحياة يفوق مساحة الخوف والحذر تلك، نخاف؟ ربما، قل نعم، لكن ولا مرّة ولا مرّة توقفت عندنا دورة الحياة عن الحب والفرح والنضال والكفاح لنبقى في الفرح والحياة، هذا جهادنا المقدس، هنا يعيش لبنان في تلك البقعة، الحياة، ومنها نذهب الى بقع الجغرافيا الصغيرة الكبيرة بحجم الدني، لنكون نحن كما نحب أن نكون: لبنانيون في فرح الحياة.

 

حملنا القبعات وشوق الرحلة الصغيرة وصعدنا الى فوق، يا لطيف شو عالي هالمطرح “أكيد هون الأرز جار ربنا” تقول دنيز طوق، السكون مخيف، هو ضجيج الغابة حين تفرض هيبتها على المكان وزواره، أين موقع المرسح؟ ” قصدك المسرح، مطرح ما كان السنة الماضية” تقول دنيز، السيدة من ضمن لجنة مهرجانات الأرز التي ترأسها النائب ستريدا جعجع، اللجنة أنجزت أعمالها لناحية التحضيرات المالية والإعلانات ورعاة المهرجان وحجز الفنانين وما شابه، لكن الآن بدأ العمل التقني واللوجستي على الأرض.

لم يتغيّر مكان المرسح “هيك إسمو بالأصل دنيز”، هو في الوسط قريب من الغابة وبعيد عنها في آن، وبحسب ما أوصت به اللجنة الدولية التي أدرجت الغابة على لائحة التراث العالمي، كي لا تتأذى الغابة من الأصوات العالية والإنارة الحادة، الشكل كما هو، أرزة ضخمة من حديد تتوسط المكان ومن أمامها تنفلش المدرجات. وما الجديد إذن؟ “رح نزيد تقنيات جديدة رائعة على المهرجان لأول مرة بلبنان وخصوصا بحفلة ماجدة الرومي وفي خلال اللفتة الخاصة التي ستوجه الى جبران خليل جبران وبالليلة الثانية كمان مع نانسي عجرم وعاصي الحلاني وما رح خبرك  التفاصيل لأنها مفاجأة” تقول دنيز بحماسة بالغة.

 

وما لم تقله السيدة وفريق العمل الذي يكابد الزمن لينجز كل شيء بأبهى حلّة وكما يليق بالمكان وبجمهور لبنان، علمناه نحن، إذ إن الشركة اللبنانية التي تتولى التجهيزات التقنية من صوت وإنارة وما شابه، استقدمت خصيصا من إيطاليا مهندسة شابة  تعمل على حفلي اليومين الأول والثاني، بتقنيات متطورة جدا تستعمل للمرة الأولى في لبنان، أين المهندسة؟ ما كانت موجودة، ننظر الى المساحة المرسومة بدقة، لا شيء ظاهرا بعد، هو الليل وحده سيعرف أسرار تلك التقنيات ويفضحها لنا عندما تنفجر لحظات الفرح بإنطلاقة شعاع المهرجان ليل 5 آب المقبل.

كما العام الماضي النقليات الى الأرز مؤمّنة عبر ثماني محطات موزعة في كل لبنان، وهذه السنة استحدثت محطة إضافية في زحلة. لن تكون الرحلات من المناطق اللبنانية كافة الى الأرز عادية، إذ خصصت بلدية بشري للزوار وبالمجان، زيارة أربعة معالم سياحية، بيت مار شربل في بقاع كفرا، متحف جبران، حديقة مار جريس ومغارة قاديشا، وذلك يومي السبت والأحد، وستتولى صبايا الهيئة الطلابية في “القوات اللبنانية” دور المرشد السياحي في تلك الرحلة الى ربوع بشري ومحيطها.

 

نسأل عن تفاصيل كثيرة بعد، لا تعرف دنيز عن أي منها تتحدث أولا، إذ ما بين متابعة  تفاصيل العمل وإنهاء الحديث الصحافي، والتلعثم في سرد جديد المهرجان لفرط الحماسة، تصير الأفكار مشتتة، “بعرف إنو هالجبل بيحمينا بس في حدن كمان يحمي الناس غيرو؟” تضحك دنيز “أكيد القوى الأمنية والجيش في حال جهوزية تامة وما حدن يقول ما في أمن بالبلد، جيشنا بخير نحنا بخير وما منخاف من شي”. واضح أن اللبنانيين ما عادوا يخافون من شيء بعدما أدمنوا حال الخطر المشوب دائما بالشائعة، يتخطى اللبنانيون كل تلك المشاعر ويهرعون الى حيث ينده بهم اللحن والدبكة والأغنية والفرح، الى حيث الثقافة هي أولا وآخرا وجه لبنان الحقيقي “الحجوزات رائعة ومن كل لبنان وخصوصا بيروت” تؤكد دنيز، وبحسب مكتبات الحجز  تجاوزت نسبة الحجوزات حتى الآن الـ 60 في المئة من البطاقات وخصوصا لحفل ماجدة الرومي، في حين أن فنادق  المنطقة اكتملت حجوزاتها وبالكاد يجد زائر أو زبون غرفة شاغرة هناك.

هنا فوق تلك الخشبة حيث خبطة أقدام الناس ستهزها فرحا وعزا وكرما، ستصعد سيدة الإنسانية تلك، بصوتها المكلل بالحب والروعة، ماجدة الرومي، لتشعّ معها أولى ليالي المهرجان، مع الماجدة سيمتلئ المرسح المسرح كما تشاؤون، بمئة شخص بين الكورال والفرقة الموسيقية، لا تقبل تلك السيدة بأقل من الكمال الذي يليق بتاريخها وفنّها وعنفوانها وعنفوان أهل الأرض أهل لبنان، في الليلة الأولى الكثير من المفاجآت التي إن قيلت خسرت ألقها وبريقها فلتبقَ المفاجأة لتعلن عن نفسها لاحقا.

في الليلة الثانية ستكون نانسي عجرم تلك الفنانة الرقيقة التي يعشقها اللبنانيون إضافة الى عاصي الحلاني مع فرقته للدبكة اللبنانية العريقة، الليلتان ستنقلان مباشرة عبر شاشة الـ MTV.

الليلتان الأخيرتان ستكونان لاستعراض فرقة كركلا العالمية، “كان يا ما كان” اسم الاستعراض الراقص، كركلا ابن بعلبك ابن البلد الذي صار معلما ثقافيا عابرا للقارات والمساحات، سيجعل من الأجساد المتطايرة في الرقص، أنشودة حياة وألحان وحكايا من زوايا لبنان، من أسطورة الضيعة والمدينة حكاية غزل بين الإنسان وأرضه وناسه لتكون الأسطورة هي الأرز وهي الغابة وهي لبنان.

 

 

“وشو بعد في دنيز؟” وتتصفح دنيز أوراقها ورسوماتها الهندسية وما شابه “إسألي منى سكر فيرا بلكي نسيت إشيا مهمة نحكي عنها”، لم تنس الكثير ولم ننس أن نذكر الكثير، إن لناحية الاستقبال بالورود الحمراء أو الهدايا التي ستوزع من خشب الأرز، وغيرها من التفاصيل الصغيرة الحلوة التي تغنّج ليالي المهرجان وتضيف إليه تلك اللحظات السعيدة بفرح المكان قبل السهر فيه، وأسقطناها عمدا من الكتابة لتبقى لكم متعة الدهشة”. يي فيرا بدي إشكر كل رعاة المهرجان وكل الشركات التي ساهمت معنا شكر كبير كبير وبشكر وزارة السياحة لتعاونها معنا كمان رجاء ما تنسي”، وفوق الشكر حبّة مسك لهؤلاء الذين ما زالوا يؤمنون بالفرح والثقافة في لبنان، ويغامرون من دون خوف، سلاحهم الإيمان ببلاد الضوء ذاك المتمرّد على جنود الظلام وسيوفه وإرهابييه ومعتنقي الحروب العبثية والدماء المتنقلة كالسواقي في خوابيهم.

إضافة أخيرة لا بد منها، بأن النائب ستريدا جعجع ستفتتح ليالي الأرز بكلمة تعلن من بعدها انطلاق مهرجانات الأرز الدولية، ولا تسألوا عن أناقة السيدة واندفاعها وحضورها الذي يشكّل حالا بحالها في ليالي الضوء المقبلة تلك.

طيب أنا راحلة هل من جديد أخبر عنه قراء “المسيرة”؟ يضحك المكان ليس لفراقي بالطبع، هو مكان يحب الناس خصوصا أولئك الذين يحبونه ويخافون عليه ويقولون فيه إنه روح من روح لبنان، ولعله هو لبنان خصوصا عندما تتناهى أنفاسه فوق ذلك الوادي المقدس، قنوبين، حيث يسرح الله بوضوح تام. نعود الى المدينة وننتظر ليلة الأرز، سأكون فوق مع ماجدة الرومي، أو… لنقل سنكون فوق لنسمع الى صوت الأرز حين يدبك على نغمة بلادنا…

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل