
تواصلت تداعيات محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا التي وقعت٬ مساء الجمعة٬ وانطلقت بعدها عملية تطهير واسع في صفوف الجيش والقضاء تعهد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمؤيديه باستكمالها واجتثات الورم السرطاني المتمثل في جماعة فتح الله غولن حليفه السابق وخصمه اللدود حاليا.
ووسط حشد من أنصاره في أحد مساجد إسطنبول كان المطلب الأول لإردوغان هو بقاء مؤيديه ورافضي محاولة الانقلاب ومؤيدي الشرعية في الشوارع لمدة أسبوع مع تعهد بأن تستمر عملية «التطهير» في مؤسسات الدولة.
وصَّعد إردوغان لهجته في خطاب حماسي على هامش تشييع جنازات عدد من قتلى محاولة الانقلاب الفاشلة٬ قائلا إن هناك «ورما سرطانيا» يتعين استئصاله٬ في إشارة إلى حركة الخدمة٬ الجماعة التي يتزعمها خصمه فتح الله غولن الموجود في الولايات المتحدة٬ الذي نفى تورطه في محاولة الانقلاب٬ متهما إردوغان نفسه بالوقوف وراءها٬ ومطالبا بلجنة دولية للتحقيق في محاولة الانقلاب.
وقال إردوغان: «ليس أمامهم مفر»٬ داعيا أنصاره إلى مواصلة البقاء في الأماكن العامة والشوارع لمدة أسبوع. وردد المحتشدون الذين حمسهم خطاب إردوغان ونبرته القوية: «الله أكبر»٬ وطالبوا بعقوبة الإعدام للمخططين للانقلاب.
ولمح إردوغان إلى أن عقوبة الإعدام قد تعود إلى تركيا من جديد بعد إلغائها في التسعينيات في إطار تحقيق معايير الاتحاد الأوروبي٬ قائلا: «لا يمكن تجاهل مطالب الشعب٬ وأن مشاورات ستجري في هذا الشأن».
وطالب إردوغان واشنطن بتسليم فتح الله غولن المقيم هناك من وقوع انقلاب 1997 في تركيا٬ حيث كانت تطارده سلطات الانقلاب العسكري وتطالب بمحاكمته٬ وذلك لاتهامه بتدبير محاولة الانقلاب العسكري التي شهدتها البلاد.
واتهم إردوغان الداعية فتح الله غولن (75 عاما) المقيم في المنفى في الولايات المتحدة منذ 1999 بالوقوف خلف محاولة الانقلاب التي أوقعت ما لا يقل عن 265 قتيلا ومئات الجرحى.
وقال إردوغان في كلمته التي ألقاها٬ مساء السبت: «أتوجه إلى أميركا٬ أتوجه إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما.. سلمونا هذا الشخص» من دون ذكر غولن بالاسم.
ونفى غولن في حديث مع صحيفة «نيويورك تايمز» أي ضلوع له في أحداث مساء الجمعة في تركيا٬ مرجحا أن يكون إردوغان نفسه هو مدبر محاولة الانقلاب.
وقبل أن يطالب إردوغان الولايات المتحدة بتسليم غولن أكد وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن واشنطن ستساعد أنقرة في التحقيق في محاولة الانقلاب٬ داعيا الحكومة التركية إلى تقديم أدلة إدانة غولن قبل بحث أي تسليم.
وحذرت الولايات المتحدة من أن «تلميحات علنية» تركية بخصوص تورط أميركي في محاولة الانقلاب «ستلحق ضررا» بالعلاقات بين البلدين. وأكد كيري أن هذه المزاعم «زائفة بشكل قاطع».
من جانبها٬ أكدت مصادر في حركة الخدمة التي يتزعمها غولن لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة التركية لا تملك أي أدلة إدانة ضد غولن سواء في محاولة الانقلاب العسكري الأخيرة أو في الاتهامات التي وجهتها إليه بالضلوع في الإرهاب في تركيا في الفترة الماضية.
وقالت المصادر إن المحاكم التركية لم تقبل الدعاوى المقامة ضد غولن وأنصاره عقب قضية الفساد والرشوة في تركيا في كانون الأول ٬2013 التي قال إردوغان إنها كانت محاولة من غولن للانقلاب على حكومته٬ بسبب عجز الحكومة عن تقديم أدلة تثبت صحة ادعاءاتها.
وكان غولن رد على سؤال في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» نشرت٬ أول من أمس السبت٬ بشأن ما إذا كان بعض من مناصريه في تركيا شاركوا في المحاولة الانقلابية: «أنا لا أعرف من هم مناصري».
وأضاف: «بما أنني لا أعرفهم لا يمكنني أن أتحدث عن أي تورط»٬ مشيرا إلى أن المحاولة الانقلابية «يمكن أن تكون دبرتها المعارضة أو دبرها القوميون. أنا أعيش بعيدا عن تركيا منذ 30 عاما٬ وأنا لست من هذا النوع».
ولفت غولن إلى أنه لا يستبعد أن يكون إردوغان نفسه هو من دبر المحاولة الانقلابية بقصد تثبيت دعائم حكمه٬ معتبرا هذا «أمرا ممكنا».
وقد احتشد الآلاف من أنصار إردوغان وملأوا الشارع في إسطنبول٬ مساء السبت٬ للتعبير عن دعمهم لرئيسهم.
وداهمت السلطات التركية قواعد عسكرية في مختلف أنحاء البلاد٬ بحثا عن أنصار محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة.
ونقلت وكالة الأناضول الحكومية عن وزير العدل بكير بوزداغ قوله إنه تم توقيف 6 آلاف شخص٬ مشيرا إلى أن العدد مرشح للارتفاع.
واعتقل قائد قاعدة عسكرية في ولاية دنيزلي٬ شمال غربي تركيا٬ وأكثر من 50 جنديا في الساعات الأولى من صباح أمس الأحد.
وكانت السلطات التركية اعتقلت قرابة 3000 عسكري٬ بينهم ضباط بارزون٬ وفصل نحو 2745 قاضيا منذ فشل محاولة انقلاب قامت بها مجموعة من الجيش مساء الجمعة.
من جانبه دعا وزير الشؤون الأوروبية عمر تشيليك٬ أمس الأحد٬ المواطنين الأتراك إلى البقاء في الشارع للاحتفال بـ«انتصار الديمقراطية».
وقال في تغريدة عبر «تويتر» إن «الرسائل المرسلة إلى هواتفكم التي تقول: (يمكنكم العودة إلى منازلكم) أرسلها داعمو النظام العسكري. نحن في الساحات٬ والسهر على الديمقراطية مستمر».
وأثارت حملة التطهير التي بدأت بعيد فشل محاولة الانقلاب في تركيا مخاوف في الخارج٬ وذكر الرئيس الأميركي باراك أوباما تركيا «بالحاجة الحيوية» إلى أن تتصرف جميع الأطراف المعنية «في إطار دولة القانون» بعد محاولة الانقلاب٬ وحذرت وزارة الخارجية الأميركية رعاياها من زيارة تركيا٬ فيما يشي إلى عدم استقرار الحالة الأمنية بعد.
وقالت قناة «إن تي في» الإخبارية التركية إنه تم توقيف 34 جنرالا برتب مختلفة٬ أغلبهم من الشخصيات شديدة الرمزية في الجيش على غرار قائدي الفيلق الثالث أردال أوزتورك والفيلق الثاني المتمركز في ملاطيا آدم حدودي.
كما أعلنت وكالة أنباء الأناضول توقيف قائد حامية دنيزلي (غرب) إلى جانب 51 جنديا في وقت مبكر من صباح الأحد.
وأوقف الجنرال بكير أرجان فان من سلاح الجو إلى جانب نحو 12 ضابطا من رتب أدنى السبت في قاعدة أنجرليك (جنوب)٬ التي يستخدمها التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش في سوريا.
وأفاد مسؤول تركي لوكالة الصحافة الفرنسية أن أنقرة تشتبه باستخدام قاعدة أنجرليك التي ما زالت مغلقة منذ السبت لإمداد الطائرات المقاتلة التي استخدمها الانقلابيون مساء الجمعة.
ولم تقتصر الحملة على الجيش٬ حيث صدرت مذكرات اعتقال بحق 2745 قاضيا ونائبا عاما في جميع أنحاء تركيا٬ تم القبض على أكثر من 500 منهم حتى الآن.
ووسط صعوبة تحديد عدد الموقوفين الإجمالي تحدثت وكالة «دوغان» التركية عن توقيف 44 قاضيا ومدعيا عاما ليل السبت الأحد في مدينة كونيا (وسط تركيا) و92 في غازي عنتاب (جنوب شرقي تركيا). وكلفت السلطات مدعين عموما في أنقرة بالتحقيق في محاولة الانقلاب.
وعبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مكالمة هاتفية مع إردوغان عن أمله في عودة الاستقرار سريعا بعد محاولة الانقلاب٬ طالبا منه ضمان أمن السياح الروس.
أما وزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرولت٬ فقال الأحد إن محاولة الانقلاب في تركيا لا تعني إعطاء الرئيس التركي «شيكا على بياض»٬ داعيا أنقرة إلى احترام دولة القانون. وقال آيرولت لشبكة «فرنسا 3 «التلفزيونية: «نريد أن تعمل دولة القانون بصورة تامة في تركيا»٬ مشيرا إلى أن محاولة الانقلاب لا تعطي إردوغان «شيكا على بياض» لتنفيذ عمليات «تطهير».