#adsense

قراءة في تداعيات فشل الانقلاب العسكري في تركيا

حجم الخط

بحسب بعض المصادر الديبلوماسية الغربية المطلعة، اذا كان الانقلاب العسكري فشل ميدانياً الا انه نجح سياسياً في احداث انقلاب سياسي واستراتيجي في وضعية الرئيس رجب طيب اردوغان وحكومته، ذلك ان فشل الانقلاب ظهر وكأنه الثلج الذي ذاب على مرج محمل بتحديات داخلية وخارجية بات اردوغان وحكمه في مواجهة معها مباشرة اعتباراً من اليوم التالي على اعلان فشل الانقلاب .

وان كان من امثولة ايجابية نتعلمها في لبنان مما حدث يوم 15 تموز الفائت في تركيا، فهي ان الشعب الحر والحي والديمقراطي والموحد على مصلحة وطنه هو الذي يشكل الدرع الاساس لحماية النظام وحماية صوته وديمقراطيته وقد يصبح انجع من القوى المسلحة الشرعية عندما يقول كلمته لانقاذ الجمهورية والحرية والديمقراطية في بلاده وفي افشال اعتى الانقلابات والمؤامرات على وطنه.

اما وبالعودة الى تداعيات فشل الانقلاب في تركيا، فلا بد من تسجيل الآتي:

اولاً: اذا كانت المعارضة التركية للرئيس رجب طيب اردوغان والجيش التركي قد توحدا مع الحكم والحكومة في رفض الانقلاب وافشاله، الا ان هذه الوحدة لن تتحول الى شيك على بياض للرئيس التركي الذي حاول وسيحاول اعتبار وحدة الاتراك والتفاف الجيش حول حكمه وحكومته بمثابة توكيل مطلق بادارة البلاد في المرحلة المقبلة بل تمريراً لموقف سوف يكون له اثمان على الرئيس اردوغان تسديدها مستقبلاً. ولكن بالمقابل هذا لا يعني ان الرئيس اردوغان لم ينجح في الدمج بين حكمه وبين النظام الديمقراطي حيث جعل اي تهديد لحكمه ولحكومته  يبدو وكأنه تهديدا للديمقراطية وللنظام السياسي في تركيا.

ثانياً: ان استدارة الرئيس اردوغان الاخيرة في سياسته الخارجية باتجاه الروس واسرائيل، ازعجت كثيراً حلفاء تركيا الغربيين وفي طليعتهم  الولايات المتحدة الاميركية. وقد ظهرت هذه الاستدارة وكأنها رد مباشر على دعم واشنطن للاكراد في الاونة الاخيرة على حساب مصالح تركيا القومية ولان واشنطن انتهجت في الملف السوري نهج التوافق والصفقات مع الروس دون مراعاة مصالح تركيا الامنية والقومية في وقت  لطالما توجس الاوروبيون  من اي تقارب تركي – روسي  واخر تركي – اسرائيلي على خلفية.

وهذا ما قد يفسر في قسم منه التوتر المبطن غداة فشل الانقلاب بين انقرة وواشنطن على خلفية طلب تسليم فتح الله غولن لانقرة وهبة الاوروبيين المحذرة اردوغان من الانتقام من خصومه الانقلابيين بدون مراعاة حقوق الانسان.

ثالثاً: ان محاولة الانقلاب في تركيا اظهرت تناقضات وصراعات داخل تركيا لا يمكن غض الطرف عنها. فالصراع بين اردوغان وغولن ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، والصراعات في تركيا متشعبة وواسعة النطاق بين نهجين ورؤيتين ومشروعين: واحد اسلاموي واخر علماني – وواحد تركي واخر كردي – وواحد سني واخر علوي … فعلى الرغم من فشل الانقلاب الا ان ما حصل لا يمكن الا اعتباره ناقوس خطر داخلي داهم على الاتراك يعبر اقله عن وجود تذمر وتململ داخليين وحالة اعتراضية انتقلت الى مرحلة متقدمة من المواجهة على نهج الرئيس اردوغان وسياساته سواء الداخلية ( كالاعتراض على اسلوبه في الاستئثار بالحكم بعد ابعاد اقرب معاونيه الرئيسين غول واوغلو وتغييره الطبيعة العلمانية للدولة وحالات عدم الاستقرار الامني في الداخل مع تكاثر التفجيرات ارهابية …) او الخارجية المتقلبة للرئيس اردوغان والتي وصلت الى حد التفكير بالتطبيع مع سوريا بعد عودة العلاقات مع الروس واسرائيل بعد طول توتر وتحدي.

ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار ان الانقلاب الفاشل خدم الرئيس اردوغان وحكمه في انه اعاد اليه شيئاً من بريق القوة والالتفاف الوطني ولو الموقت عليه وعلى حكمه – في لحظة اضعف ما كان فيها بعد الصدمات واللكمات الداخلية والخارجية الممتالية والانعطافات الدراماتيكية في سياسته الخارجية.

رابعاً: ما حصل في تركيا اثبت بالدليل القاطع انهيارا في صورة الجيش التركي وهو من اقوى جيوش الناتو ومن اقوى جيوش المنطقة. فالمؤسسة العسكرية تعرضت لهزة كبيرة وخطيرة ستترك تداعيات كبيرة على المستقبل التركي كما على مستقبل الموقع الجيو – سياسي لتركيا – خاصة متى عرفنا مدى الترابط الكبير بين الجيش والنظام ومدى الدور الاساسي للجيش في الحفاظ على علمانية الدولة وقوة تركيا الاقليمية والدولية.

من هنا تخوف الغرب حالياً من ان يعمد الرئيس اردوغان تحت وطأة الملاحقات القضائية والقانونية للانقلابيين من العسكر والضباط الى تطهير الجيش من اي عنصر يعتبره الرئيس اردوغان معادياً لتوجهاته الدينية والسياسية.

خامساً: بات على اجندة الرئيس اردوغان تحديات اضافية الى التحدي الكردي والسوري والارهاب وداعش، فالتحدي الجديد سيكون علاقة اردوغان بجزء من الجيش التركي بعد الذي حصل. فالاستقرار التركي اهتز رغم فشل الانقلاب وتبين انه يبدأ من الداخل وليس من الخارج. وما التفاف المعارضة “الشرسة” ضد اردوغان رفضاً للانقلاب الا السلفة على الحساب… فالنزعة الانقلابية لم تدفن بعد رغم التطور الكبير في الدولة وفي عقلية الشعب التركي…

انقلاب فشل… نعم… لكن مرحلة الصعوبات والتحديات بدات من الآن في تركيا .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل