
تركيا دولة ناشئة تعد مثال الـطريق الى الـتنمية: صناعة، زراعة وسياحة: ثلاث قطاعات متكاملة تحقق الـتوازن في الاقتصاد ككل. لكن التغلب على الآثار الـسلبية لمحاولة الانقلاب التي حصلت ليل الـجمعة الماضي ليس بالـسهل ويتطلب جهداً كبيراً من الدولة التي بات جلّ همّها “استئصال الفيروس” بحسب تعبير رئيس البلاد رجب الطيب اردوغان.
الانقلاب لم ينجح عسكرياً، والخسائر لن تقتصر على الأرواح، فالتداعيات الاقتصاديّة أكبر من أن تتبلور وتنتهي مع عودة اردوغان إلى إسطنبول وإنضمامه إلى مناصريه في الساحات.
الليرة التركيّة التي خسرت من قوتها أمام الـدولار الأميركي مع تراجع أسعار النفط وتراجع أسعار الأسهم الـعالمية خوفاً من آثار الـ Brexit عادت وسجّلت أكبر تدنّ بقيمتها منذ الـ 2008 جرّاء توالي الـدبابات في شوارع أنقرة وإسطنبول، كما انخفض ليل الجمعة – السبت مؤشر بورصة اسطنبول بنسبة 2.6 في المئة.
من جهته، البنك المركزي التركي لم يدع السوق يتخبّط مع أجواء الهلع التي اصابت البلاد، فحاول الأحد ان يحافظ على الاستقرار المالي مخفّضاً الرسوم اليوميّة للبنوك لضخ السيولة إلى الصفر.
كما انه خفض الثلثاء سعر الفائدة الرئيسي في ظل توقعات اقتصادية سلبية للبلاد. فخفض معدل فائدة التمويل الهامشي من 9 في المئة إلى 8.75 في المئة. وتم الإبقاء على جميع أسعار الفائدة الأخرى من دون تغيير.
لكن الضغوط التضخمية بدأت تتراكم في الاقتصاد قبل الإنقلاب وزيادة الـ30 في المئة للحد الأدنى للأجور سوف تنعكس على الأسعار وتزيد من مفاعيل التضخم.
كما أنّ ضعف العملة سيؤدي إلى ارتفاع مستويات الأسعار إضافة الى المزيد من الضغوط على الحساب الجاري في تركيا.
وكانت السلطات النقديّة التركيّة قد حاولت تفادي الأزمة الإقتصادية من خلال تطبيع العلاقات مع كل من إسرائيل وروسيا كونهم شركاء منتجين رئيسيّين في الاقتصاد الـتركي.
أما في السياسة وبسبب حملة التطهير التي اعقبت محاولة الانقلاب، تم توقيف قسم كبير من موظفي الدولة عن العمل. فعطلت إنتاجية ما يعادل 50000 موظف أي أكثر من 1.5% من مجموع الموظفين في القطاع العام، ما يؤثر على أكثر من 50000 عائلة، ويخفض بالـتالي قيمة الانفاقات العائلية والطلب المحلي، ناهيك عن التأثيرات غير المباشرة الطويلة الأمد.
هذا ويهدد الوضع الأمني المتقلب من الانفجارات في اسطنبول والانتحاريين في مطار أتاتورك حتى محاولة الانقلاب، الاستثمارات الـخارجية والـسياحة، التي يعتمد عليها الاقتصاد بشكل كبير. فقطاع الـسياحة يتأثر مباشرة بالـخضات الـسياسية وهو يمثل أكثر من 6.2% من الناتج المحلي. أي ان التراجع في الـسياحة يؤدي الى تباطؤ في النمو. تركيا بحاجة الى المستثمرين الدوليين والسياح بشدة للوفاء بالتزاماتها الماليّة الخارجية.
في مقارنةٍ مع العام الفائت، ورغم التدنّي في أسعار النفط والطلب على المنتجات التركية، سجلت سنة 2015 نمو 4% من الناتج المحلي. لكن نتائج النصف الأول من العام 2016 لم تكن بنفس مقدار الإيجابيّة اذ تراجع النمو بنسبة 0.8٪ في الربع الأول من العام الحالي.
اما المصارف العالمية فبدأت تأخذ تركيا مركزاً لها كون صحتها الاقتصادية باتت من الأفضل في الشرق الأوسط وفي أوروبا. وبحسب رويترز، فرنسا وبريطانيا لديهما أكبر الائتمانات في تركيا والبنوك بما في ذلك Unicredit، BBVA وHSBC هي من بين تلك التي لها عمليات كبيرة أو استثمارات. بالتالي، يمكن ان توقف هذه البنوك خططها التوسّعيّة وتسحب استثماراتها في البلاد.
تقول صحيفة البريطانبة The Economistإن القروض المشكوك بتحصيلها ستزداد في السنة المقبلة، ما يضيف ضغطاً على القطاع المصرفي. كما ان وكالة التصنيف الدولية “موديز” وضعت التصنيف الائتماني لتركيا على المدى الطويل على قائمة المراجعة لتخفيضه عن المستوى الحاليBaa3 . وذكرت الوكالة أن سبب مراجعة تصنيف تركيا، يعود إلى الحاجة لتقييم الآثار المتوسطة المدى لمحاولة الانقلاب العسكري على النمو الاقتصادي للبلاد، والعوامل الخارجية، مع الأخذ بالاعتبار المشاكل الفعلية التي تتعرض لها تلك المنطقة”. وأوضحت “موديز” أنه على الرغم من حقيقة فشل الانقلاب، إلا أن حقيقة حدوثه تشير إلى وجود مجموعة واسعة من المشاكل والخلافات السياسية التي من شأنها أن تؤثّر سلباً على الإقتصاد.
الآثار السلبية لمحاولة الانقلاب لن تقتصر على المعارضة التركية واعتقال منفذي الانقلاب بل سينتشر فيروس عدم الاستقرار الاقتصادي على البلاد ان لم تستطع الدولة احتواءه من خلال خطط بعيدة المدى.