#adsense

إفتتاحية “المسيرة” ــ ماذا عن الإنقلاب في لبنان؟

حجم الخط

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1569

في الإنقلابات العسكرية في دول العالم الثالث يتوجه الإنقلابيون أولاً إلى قصر رئاسة الجمهورية أو إلى المكان الذي يكون فيه الرئيس فيحتجزونه ويحولونه إلى المحاكمة أو يقتلونه على الفور لأن تصفية رأس السلطة يكون المعبر الرئيسي نحو نجاح العملية الإنقلابية وتأسيس السلطة البديلة ولا يهمل الإنقلابيون المؤسسات الرسمية الأخرى من الحكومة إلى البرلمان. في لبنان ثمة محاولة انقلابية مستمرة منذ أعوام وليس الحصار المفروض على قصر بعبدا لمنع انتخاب رئيس للجمهورية إلا أحد وجوهها الكثيرة.

لم يحتج الإنقلابيون إلى قوات عسكرية لاحتلال القصر وقتل الرئيس أو عزله. انتظروا حتى انتهاء ولايته ومغادرته القصر ليبدأوا فرض الحصار عليه والإستمرار في تنفيذ انقلابهم. منذ العام 1990 يوم دخلت القوات السورية إلى قصر بعبدا ووزارة الدفاع كان الإنقلاب الذي حاول النظام السوري فرضه على لبنان بالتعاون الكامل مع “حزب الله”.

لم يكن ما حصل وقتها مجرد عملية عسكرية بل بداية الإنقلاب على اتفاق الطائف الذي كان من المفترض أن يشكل نقطة البداية للخروج من الحرب والدخول في عملية إعادة بناء الدولة تمهيدا لبدء انسحاب الجيش السوري من لبنان في أيلول 1992.

الخطوة الأولى في هذا الإنقلاب وقبل احتلال القصر الرئاسي كانت في فرض تعيين النائب الياس الهراوي رئيسا للجمهورية بمثابة وكيل عن سلطة الوصاية السورية من أجل الإمساك لاحقا بكل مؤسسات الدولة.

الخطوة الثانية كانت في استثناء “حزب الله” من قرار حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ليشكل الذراع الأمنية والسياسية للسلطة الإنقلابية وبديلا عن مؤسسات الدولة الرسمية، بالإضافة إلى إعادة بناء أجهزة الدولة العسكرية والأمنية بحيث تكون تابعة لسلطة الوصاية ومكملة للأجهزة المخابراتية السورية التي حكمت لبنان من عنجر ومن دمشق.

الخطوة الثالثة كانت في  فرض الإنتخابات النيابية في ربيع العام 1992 بنسبة 13 في المئة من الناخبين لاستكمال الإنقلاب الأمني بانقلاب سياسي والتأسيس لطبقة سياسية جديدة تمثل سلطة الوصاية وتكون بديلة عن القوى السياسية الممثلة الحقيقية لطوائفها.

الخطوة الرابعة في هذا الإنقلاب المتدحرج كانت في ملاحقة “القوات اللبنانية” وصولا إلى قرار حلها واعتقال قائدها سمير جعجع بعد تدبير عملية تفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل في 27 شباط 1994.

اعتقد النظام السوري و”حزب الله” أنهما بهذه العمليات المتواصلة قد نجحا في فرض الإنقلاب الكامل وأن أي معارضة لهما لن تقوم وأن ما حصل مع “القوات اللبنانية” سيكون درسا لبقية الأطراف بحيث يصبح لزاما عليها الطاعة التامة أو العمالة الكاملة.

هذا المسار لم يكن ليكتمل إلا من خلال إيصال قائد الجيش العماد إميل لحود إلى قصر بعبدا ليكون واجهة مناسبة لعهد الوصاية. ولذلك كان لا بد من التمديد له في العام 2004 على رغم إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 1559 الذي طلب سحب الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح “حزب الله” وانتخاب رئيس جديد للجمهورية في محاولة لتخلص لبنان من عهد الوصاية وإعادته إلى عهدة الطائف الأساسي.

لم تخضع السلطات الإنقلابية للقرار الدولي وردت بعملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري بعدما اعتبرت أنه وراء القرار 1559 وأنه يحضر لانقلاب معاكس مع النائب وليد جنبلاط والبطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير ولقاء قرنة شهوان من خلال انتخابات نيابية تكون ردا على انتخابات العام 1992 ومحاولة مصادرة الحياة السياسية بشكل كامل. ولكن نتيجة الإغتيال أتت معاكسة بحيث اضطر رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى الإنصياع للقرار الدولي وسحب جيشه من لبنان.

على رغم ذلك لم يستسلم “حزب الله” لعملية استعادة الدولة من عهد الوصاية بعدما تكرست هذه الإرادة في 14 آذار 2005. حاول جاهدا أن يلغي مفاعيل هذا التغيير بالترهيب والتخويف. ولكنه فشل في منع وصول أكثرية نيابية جديدة معارضة له إلى مجلس النواب ولذلك تمسك مع النظام السوري ببقاء رئيس عهد الوصاية إميل لحود في قصر بعبدا تأكيدا على أن انقلاب 1990 لم ينته فصولا وعلى أنه سيقود إنقلابا ثانيا وإن على مراحل لمنع قوى 14 آذار من إعادة بناء الدولة الفعلية والقوية.

حرب تموز 2006 كانت بداية الطريق في تأكيد “حزب الله” على أنه لن يتخلى عن سلاحه وأنه سيبقى حجر عثرة في طريق تطبيق القرار 1559 ومنع الدولة من استعادة سيادتها على كامل أراضيها التي أكد عليها القرار 1701 الذي أوقف الحرب. لم تعد المواجهة مع العدو الإسرائيلي هي الأساس في استراتيجية “حزب الله” الذي اعتبر أن العدو الأخطر بات في الداخل ولذلك احترم منذ ذلك التاريخ وقف الأعمال الحربية في الجنوب ولم يتخط الخط الأزرق إلا في عمليات محدودة وارتد إلى حروبه الداخلية التي استخدم فيها السلاح تحت العنوان الذي أعلنه أمينه العام السيد حسن نصرالله “السلاح يحمي السلاح” ولذلك كانت عملية 7 أيار 2008 في بيروت وعاليه بمثابة محاولة انقلاب كاملة أراد أن يتوجها بانقلاب سياسي من خلال تفاهم الدوحة الذي حصل تحت التهديد العسكري. تم انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية ولكن الحزب كان يريد أن تكون الإنتخابات النيابية في ربيع 2009 هي الخطوة التالية في هذا الإنقلاب بحيث يتمكن من فرض وصول أكثرية نيابية موالية له يستطيع من خلالها فرض تعيين رئيس الحكومة الذي يريده وتحويل رئيس الجمهورية في بعبدا إلى مجرد شاهد زور أو إلى إميل لحود آخر. نتائج هذه الإنتخابات كانت مخالفة لتوقعاته واضطرته إلى القبول بترؤس النائب سعد الحريري للحكومة ولكنه مع بداية العام 2011 كان ينفذ انقلابا جديدا عليه ويفرض عودة الرئيس نجيب ميقاتي إلى السراي الحكومي.

في خلال مرحلة تشكيل حكومة الإنقلاب فاجأت الحرب في سوريا “حزب الله” الذي وجد نفسه أمام مهمة صعبة: نجدة النظام السوري ومنع بناء الدولة في لبنان. في ظل هذا الوضع ومع اضطراره إلى إرسال قواته الحزبية إلى سوريا منع اكتمال النصاب لانتخاب رئيس للجمهورية في لبنان خلفا للرئيس سليمان الذي أنهى عهده بخلاف كبير مع الحزب تحت سقف إعلان بعبدا الذي يؤكد على استراتيجية بناء الدولة وعلى دور الجيش اللبناني. ولذلك باتت السيطرة على مقر القصر الجمهوري من خلال الفراغ هي استراتيجية الحزب الجديدة في انقلابه المتواصل على الدولة.

يدرك الحزب أن نجاح أي محاولة لانتخاب رئيس للجمهورية قد تشكل خطرا عليه طالما لم تنته الحرب في سوريا وطالما هو يخوض حرب استنزاف على أكثر من جبهة هناك أدت في النتيجة إلى خسارته عددا كبيرا من عناصره وقيادييه وشوهت صورته في العالم العربي الذي اتهمه بأنه تنظيم إرهابي. وهو لذلك متمسك حتى إشعار آخر باستكمال الإنقلاب الذي بدأه مع النظام السوري في لبنان في العام 1990 ولن يتراجع. فهو لا يريد الرئاسة لوحدها حتى لو كان الرئيس اسمه ميشال عون أو سليمان فرنجية إنما هدفه أن يسقط كامل مؤسسات الدولة: يريد حكومة تابعة له ومجلس نواب له فيه الأكثرية وجيشا ضعيفا لا دور له ومؤسسات أمنية خاضعة لإرادته وتنفذ ما يطلبه منها كما كانت في عهد الوصاية. هذا الإنقلاب مستمر ومحاولات “حزب الله” لاستكماله لن تنتهي ولكنها لن تكون أفضل من سابقاتها لأن لبنان يبقى أكبر من أي محاولة انقلاب عليه ولأن صورته لا يمكن أن تتغير: صورة الحياة في الوطن الذي يحب الحياة ولا يريد إلا أن تكون حربه من أجل الحياة ويرفض أن تلفه عباءات الموت السوداء.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل