خاص “المسيرة” – واشنطن: من هي السفيرة الأميركية الجديدة في لبنان؟

رسمت الدبلوماسية الأميركية منذ معركة الإستقلال الثاني وانسحاب جيش الاحتلال السوري من لبنان خطاً سياسياً واضحاً في التعامل مع لبنان كدولة مستقلة سيدة بذاتها، على عكس الأعوام التي سبقت تحرير لبنان من المحتل السوري حيث ساوم نظام البعث في سوريا، المجتمع الدولي وقدّم له أثماناً مجانية على ملفات وقضايا عدة مقابل الحصول تأييد علني أو ضمني على سيطرته العسكرية والسياسية على لبنان.

منذ ذلك الوقت تلاحظ المصادر المطلعة ثوابت السياسة الأميركية على مستوى الإدارة والكونغرس تجاه لبنان من خلال الدعم الواضح لمؤسسات الشرعية اللبنانية السياسية بشكل عام والعسكرية والأمنية على وجه الخصوص، حيث أن واضعي السياسة الأميركية، أكانوا من الحزب الجمهوري أم الديمقراطي، أكدّوا مراراً وتكراراً تطلعهم إلى لبنان سيد حر مستقل، بعيداً عن أي سيطرة أو تأثير خارجي.

وشكلت المواقف التي اطلقتها السفيرة الأميركية الجديدة إليزابيت ريتشارد منذ قرار تعيينها من قبل إدارة الرئيس باراك أوباما والاستماع إليها كسفيرة معينة من قبل مجلس الشيوخ وصولاً إلى تسلمها منصبها في بيروت، خير دليل على الثوابت الأميركية تجاه لبنان التي تختصرها المصادر وفق الأسس التالية:

أولاً: إن الولايات المتحدة الأميركية تنظر إلى لبنان الدولة والمؤسسات كنموذج مثالي للديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط على الرغم من التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه لبنان في الفترة الحالية، وعليه يأتي الدعم الأميركي للبنان في عدد كبير من المجالات من منطلق المساهمة في الحفاظ على إستقرار لبنان وإستمرار دوره فاعلاً من هنا يأتي موقف الولايات المتحدة الداعم للبنان ليس فقط على المستوى الثنائي، بل في الأمم المتحدة حيث ساهمت واشنطن في وضع ودعم كل القرارات الدولية المهمة ذات الصلة بالقضية اللبنانية ومنها القرارات 1559 و1701 و1757 وهي قرارات وضعت من أجل تأمين مظلة الحماية الدولية للبنان، فإذا كان دعم واشنطن طبيعياً للقرارين 1559 و1701 اللذين تضمنا سلسلة من البنود التي تؤكد سيادة لبنان، فإن وقوف الولايات المتحدة إلى جانب القرار 1757 الذي أنشأ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، شكل الدليل الواضح على تأييد الإدارة الأميركية لمبدأ عدم الإفلات من العقاب لمن نفذ الجرائم السياسية في لبنان ليس فقط منذ إغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، بل من أجل وضع حدّ نهائي لهذا السلوك مع لبنان كدولة وكمسؤولين ممن خسروا حياتهم لأنهم آمنوا وناضلوا من أجل وطنهم كل من موقعه.

ثانياً: تأتي كل المواقف التي أطلقتها السفيرة الأميركية ريتشارد منذ تعيينها لتسلم البعثة الدبلوماسية الأميركية في بيروت بدءا بمواقفها في واشنطن وحتى بعيد وصولها إلى لبنان من ضمن الإطار العام للثوبت الأميركية، فهي لم تأت بجديد على هذا الصعيد. من هنا قولها المتكرّر إن الولايات المتحدة ستواصل الوقوف جنباً إلى جنب مع لبنان واللبنايين في ما يواجهونه من تحديات، وإنها سوف تعمل من أجل لبنان آمن ومستقر ومزدهر.

ثالثاً: تتوقف المصادر المتابعة في واشنطن عند قرار الإدارة الأميركية تعيين ممثل دبلوماسي لها في لبنان في ظل غياب رئيس الجمهورية الذي عادة ووفق الدستور هو الناظم للعلاقات الدبلوماسية بين لبنان ودول العالم، وترى فيه تصميمًا نهائياً على دعم لبنان، كما أن اختيار ريتشارد الخبيرة في السلك الدبلوماسي والشؤون الدولية على مدى ثلاثين عاماً يعكس حقيقة الاهتمام الأميركي ليس فقط بلبنان بل بأن يكون لديها حضور دبلوماسي قوى في الشرق الأوسط لمتابعة قضايا المنطقة، وهي في جهودها الدبلوماسية في الدول التي خدمت فيها لا سيما في أفغانستان وباكستان واليمن، ومن ثم كمساعدة رئيسية في وزارة الخارجية الأميركية عملت على إعطاء دفع لأهداف سياسة الولايات المتحدة، والإشراف على منظومة المساعدات الأمنية التي تقدمها أميركا، وكذلك برامج دعم سياسات الحكم ومكافحة المخدرات، وهي في متابعتها لهذه القضايا، تدرك مدى الدور القيادي الذي تمارسه الولايات المتحدة في العالم، ومدى تعزيز قدرات أميركا القيادية نظراً لتأثيرات الأزمات المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط على مصالح الولايات المتحدة بالذات.

رابعاً: تستغرب المصادر المتابعة هنا في واشنطن الحملة على مواقف السفيرة ريتشارد ولا سيما لجهة الإدعاء فقط “إنها جاءت لتشل حزب الله” وتعتبر أن اقتطاع موقف السفيرة بهذا الشكل يدل بوضوح على الخلفية الحقيقية لهذا الأسلوب وخصوصاً لجهة استهداف ثوابت السياسة الأميركية في لبنان وليس فقط الاعتراض على الموقف الأميركي من حزب الله، وخصوصاً من قبل أولئك الذين لا يريدون للبنان أن يكون بلداً حراً مستقلاً يحظى بدعم المجتمع الدولي، وتذكر المصادر فقط من دون أن يفسر تذكيرها وكأنه تبرير أو توضيح لمواقف السفيرة الأميركية تجاه لبنان، بأن خطاب السفيرة ريتشارد خلال جلسة تثبيتها من قبل مجلس الشيوخ تناول سلسلة كبيرة من التحديات التي تواجه لبنان، وعرضت فيها موقف إدارتها مما يواجهه في لبنان من ملفات عالقة، فهي تناولت مدى تأثير الأزمة السورية على لبنان، وموجة النزوح الكبيرة تجاه هذا البلد، و حجم المساعدات المقدمة في هذا المجال، وتطرقت إلى جهود لبنان في مكافحة التنظيمات الأرهابية من “جبهة النصرة” و”داعش” وغيرهما، إضافة إلى سياسات وبرامج المساعدات المخصصة للبنان على المستوى العسكري والمدني، وركزت تحديداً على الأزمة السياسية من خلال عدم انتخاب رئيس للجمهورية طوال أكثر من عامين حيث رأت أنه بعد طول هذه المدة حان الوقت لدعم مبادئ الديمقراطية في لبنان وانتخاب رئيس وفقا للدستور اللبناني.

الموقف من حزب الله

أما بالنسبة للموقف من “حزب الله”، فهو جاء في سياق عرض شامل لما يقوم به هذا الحزب ليس فقط عبر دوره الخارجي السلبي المؤثر على كل دول العالم، بل بداية من خلال تصرفاته تجاه لبنان الدولة والمؤسسات فقالت بوضوح “إن تدخل “حزب الله” المستمر في سوريا لدعم نظام الأسد دون موافقة الشعب اللبناني يتناقض مع إعلان بعبدا عام 2012، الذي حدّد سياسة لبنان الواضحة بالنأي عن النفس عن أي تعقيدات للأزمات الخارجية على حدوده”، ولذلك أكدّت أن نشاطات “حزب الله” في سوريا تخلق تحديات أمنية خطيرة على لبنان، من هنا فإن مهمتها تكمن في دعم لبنان في ممارسته سيادته الكاملة في جميع أنحاء البلاد والمساعدة في بناء الجيش اللبناني لكي يكون المدافع الشرعي الوحيد للبنان، وبعد ذلك تطرقت السفيرة الأميركية إلى التزامها تطبيق القانون الصادر عن الكونغرس الأميركي المعروف بقانون منع التمويل الدولي عن “حزب الله”، ولذلك أردفت في هذا الخصوص قائلة إن بلادها أوضحت للجميع أن هدفها هو تفكيك الشبكة المالية الدولية لحزب الله بالتزامن مع دعم المؤسسات اللبنانية والشعب اللبناني.

خامساً: لعل المواقف التي أطلقتها السفيرة الأميركية لدى وصولها إلى بيروت ولا سيما بعد اجتماعها مع رئيس الحكومة تمّام سلام شكلت رداً واضحًا وغير مباشر على اقتطاع جزء من مواقفها خلال إدلائها بشهادتها لدى تثبيتها من قبل مجلس الشيوخ، والقول إنها جاءت فقط لتركز على شلّ “حزب الله”، فهي قالت بوضوح “إن أحد المفاتيح الرئيسية للدعم الذي تقدمه أميركا هو مساعداتها للجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية. لقد كانت أميركا في الماضي، كما في الحاضر، وسوف تستمر مستقبلا، الشريك الأمني الأول للبنان. منذ عام 2005، قدمنا ما يقارب 1.4 مليار دولار من المساعدات الأمنية والتدريب الحاسم للجيش اللبناني. في العام الماضي، قدمت الولايات المتحدة إلى لبنان تمويلا عسكريا خارجيا بقيمة 150 مليون دولار، إضافة إلى مبلغ قدره 60 مليون دولار لتعزيز الجهود الأمنية على الحدود. هذه المساعدات المستمرة تظهر بوضوح التزامنا دعم الجيش لأنها تلاقي مسؤولياته في الدفاع عن لبنان وحماية حدوده”.

وأكدت ريتشارد أن “برامج الولايات المتحدة المدنية لا تقل أهمية عن أعمالنا ذات الصلة بالأمن. فمن خلال البرامج التي تعمل على تحسين فرص الحصول على تعليم عالي الجودة، وجلب المياه النظيفة إلى منازل الآلاف من اللبنانيين، وتوفير فرص عمل جديدة، نعمل على دعم مستقبل أكثر إشراقا للشعب اللبناني. إضافة إلى ذلك، نحن نمثل أكبر دولة مانحة للمساعدات الإنسانية إلى لبنان. أميركا تقدر حقا كرم المجتمعات المحلية اللبنانية التي تتحمل وطأة التدفق غير المسبوق للاجئين، وسوف نستمر بتقديم الدعم لهم. لقد أعلن الوزير كيري، الأسبوع الماضي، عن مبلغ إضافي قدره 84 مليون دولار أميركي من المساعدات الإنسانية إلى لبنان، مما يرفع إجمالي المساعدات الإنسانية التي قدمتها الولايات المتحدة إلى لبنان إلى ما يقارب 1.2 مليار ومئتي مليون دولار أميركي منذ بداية الأزمة السورية. هذا التمويل الأميركي الإضافي يدعم المجتمعات اللبنانية الضعيفة من خلال إعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي عبر البلديات، ودعم مراكز المجتمعات المحلية، وتوفير الإمدادات والمعدات الجديدة إلى العيادات الصحية، وتحسين المرافق المدرسية”.

خبرة دبلوماسية عالية

في السابع عشر من أيار من العام الحالي ، صادق مجلس الشيوخ على تعيين اليزابيث ريتشارد لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى الجمهورية اللبنانية.

شغلت السيدة ريتشارد على مدى السنوات الثلاث الأخيرة منصب نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي للمساعدات الاميركية، وقبل اختيارها لهذا المنصب، عملت خلال الفترة ما بين 2010 و 2013  كنائب رئيس البعثة في السفارة الأميركية لدى صنعاء – اليمن. وهي موظفة في سلك الخدمة الخارجي منذ ثلاثين عاماً.

بين عامي 2008 و2010، عملت السيدة ريتشارد كمنسق لشؤون الحدود في إسلام أباد- باكستان، حيث أشرفت على جميع برامج الولايات المتحدة على طول الحدود الباكستانية – الأفغانية للتأكيد على أن جهود الولايات المتحدة عبر حدود المنطقتين تعمل بتزامن ودقّة.

مناصبها السابقة شملت العمل كمديرة لمكافحة المخدرات وبرامج تدريب الشرطة المدنية في أفغانستان لمدة سنة كاملة، ونائب لمدة سنتين للسفير الخاص لقضايا جرائم الحرب، حيث عملت على قضايا خليج غوانتانامو وعلى الدعم الاميركي للمحاكم الدولية لجرائم الحرب. عينّت أيضاً لسنة واحدة كمساعدة خاصة لوكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، حيث شملت مسؤولياتها قضايا عدم انتشار الأسلحة النووية وقضايا سياسية عسكرية.

لقد شملت مهامها الأخرى في الخارج روما – إيطاليا، حيث عملت لمدة سنة واحدة في وزارة الخارجية الإيطالية، ثم انضمت إلى سفارة الولايات المتحدة. كما عملت في بانكوك – تايلاند، حيث شغلت منصب المساعد الخاص للسفير.

السفيرة ريتشارد هي خريجة “الكلية الحربية” WarCollege  في العاصمة واشنطن، وكلية دفاع الناتو NATO Defense College  في روما – إيطاليا. وهي تحمل شهادة في القانون من جامعة ميثوديست الجنوبية، وقد مارست العمل كمحام في القانون البحري في تكساس قبل أن تنضم إلى سلك الخدمة الخارجي.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل