إن ننس فلن ننسى – جميل وسعد روحانا: روحان في عرس الشهادة الواحدة

كان معبأ بجنون الحرية، بعنفوان قضيةعشقها حتى …الرمق الأخير. يوم استشهاده عادسعد روحانا إلى المنزل. أراد أن يأكل لقمة من يدي والدته لكنه استعجل الرحيل إلى الجبهة…”بدي فل الشباب وحدن ع الجبهة”… قالها مودعا ورحل لكن إلى أحضان يسوع الذي كان يصلي له طفلا مع إخوته ال16 في منزلهم في قرية مزمورة الشوفية. رحل القبضاي. فعل ما كان يجب أن يفعله. فهو لم يلبس ثوب القضية عن عبث. هو والقضية صارا جسدا في ثوب واحد. استعجل القبضاي الرحيل ليلاقي والده الشهيد جميل روحانا الذي سبقه على درب الشهادة قبل أربعة أشهر فقط ليصيرا صورة في إطار قضية اختارت ناسها عن سابق تصور وتصميم. قضية كحلت عيون ناسها بالعنفوان والكرامة فصاروا مزمور القضية في عينها.

غريب كيف تختار القضية ناسها، والأكثر غرابة عندما تصير هذه القضية صفحات من كتاب يقرأه أهل البيت بعنفوان ممزوج بقطرات دمع صامتة وكلمات موجعة على رغم صمتها المدوي. سعد جميل روحانا واحد من هؤلاء الناس الذين لبسوا ثوب القضية حتى صارت قطعة من جلده، من أحلامه، من مستقبله… هذا المستقبل الذي أراد أن يكمله مع خطيبته فحددا يوم الزفاف في آب 1990. لكن سعد استعجل الرحيل فلبس بزة العرس على مذبح الشهادة.

من قرية مزمورة الشوفية بدأت خيوط حكاية النضال في عائلة جميل روحانا المؤلفة من 17 ولدا، 9 شبان و8 فتيات أكبرهم غادة التي تحولت إلى أم ثانية تربي إخوتها مع والدتها سلمى “كنا ننام 17 ولد بغرفة وحدة وكانت إمي تنطرنا تا نغفا هيي وعم تصلي المسبحة…”.

عند اندلاع حرب الجبل عام 1983 كان سعد الولد الخامس في العائلة في العشرين من عمره. لم يكن انتسب بعد إلى “القوات” لكنه شعر أن بقاءه على هامش القضية هو بمثابة خيانة لهذه الأرض التي سكر برائحة ترابها. “كان يعشق الضيعة ويقول بدي عمّر بيتي بهالأرض وربي ولادي من خيراتا”. فكان القرار في ترك مقاعد الدراسة وارتداء البزة الكاكية والنزول إلى الجبهات.” وقتا كان بيي يساعد الشباب بنقل الذخيرة وتحضير الأكل على الجبهات. بس سعد كان يقاتل بشراسة على الجبهة وما يسأل عن شي “.

الصور بين يدي شقيقته غادة تحولت إلى مرآة لزمن لم ولن تنساه:” يقبرني كان قبضاي ويعملولو ألف حساب. وبس ينزل ع الجبهة يقولو إجا القبضاي… خلال معركة الجبل أصيب سعد عند نقطة مثلث خلده، “كان وحدو على المضادانصاب بإجرو بس نحنا وصلنا الخبر إنو سعد استشهد”. قبلهما كان جميل وسلمى اختارا إرسال الأولاد إلى بيروت وأقاموا في أحدى الشقق في منطقة النبعة. لم تقم العائلة مراسم الدفن قبل التأكد من صحة الخبر وتسلم الجثمان. وصدق حدسها. “بعد أسبوع بيوصلنا خبر إنو سعد بعدو عايش بس انصاب بإجرو”… وتضيف غادة: “ما صدقت. بلشت زلغط على رغم الوجع والدموع اللي كنا عم نذرفا على الرفاق والشهدا… بس خيي هوي الضنا… هوي رجوتي… يا ريت كان خبر استشهادو التاني كمان كذبة…” لكن قلب الأخت كان دليلها في المرة الثانية “كنت حاسة إنو استشهد”.

 

بعد شهر على الإصابة نزل سعد إلى المجلس الحربي في منطقة الكرنتينا وكان يساعد الشباب ويساندهم في الاعمال اللوجستية على العكازتين إلى أن التحق بخدمة العلم في الجيش. لكن مدة خدمته لم تطل “إمي ترجتو يكمل ويلتحق بالجيش اللبناني. بس رفض ورجع لبس بدلة القوات والتحق برفاقو على الجبهات”.

في تلك الأثناء كان الوالد جميل روحانا يعمل في مجالات عدة ويتنقل من مكان إلى آخر بهدف تأمين لقمة العيش الكريمة لأولاده ال17″ كان يقلنا، أوعا أعرف إنو فوّتّو ع البيت قشة كبريت مش من تعبكن. ما كان يعرف شو يعني الخوف والتعب، وسعد طلع متلو. ولهيك اختارن ربنا يروحوا سوا بمشوار الشهادة”. وتضيف غادة: “بس صار النزوح توزعنا على بيتين لأنو ما كان في بيت بالمدينة بيستوعب 17 ولد مع الإم والبي. يومها قدمتلنا “كاريتاس” بيت مجهز “prefabrique” بمنطقة الديشونية سكنو فيه أهلي مع عدد من إخوتي، وأنا والقسم الباقي بقينا بالشقة اللي قعدنا فيا اول ما هربنا من الجبل بالنبعة. بتاريخ 15 أيلول 1989 كان القصف كتير قوي. سعد كانت نقطتو عند شركة الكهربا بمنطقة الجميزة. ليلتا رجع بيي من شغلو وفات يتحمم. إمي طلبت منو إنو يهربو على قبو مجاور للبيت حتى يهدا القصف، بس هوي أصر وقللا ربنا الحامي. نفدنا من معارك الجبل كلا …الله الحامي. بس ربنا ما كان عم يسمع يمكن بهاللحظات من قوة القصف. بتوقع قذيفة على سطح البيت وبينزل السقف على راس بيي. إمي بتوقع ع الأرض وبتغيب عن الوعي للحظات. بس وعيت كان المشهد اللي أخذلا أول نص من عمرا. البابا بأرض الحمام مغطى بالدم والركام. صرختلو “جميل جميل.. كانت بتعرف إنو استشهد بس ما كان بدا تصدق…” ولم تصدق حتى جلست مع أولادها ال17 تتقبل التعازي بسند البيت الذي لبس ثوب القضية ورفض أن يبقى على هامش القضية ولو من خلال مهمات لوجستية. فهو كان يحلم أن يعود إلى بيته في مزمورة ويعيد بناءه حجرا حجرا ويدفن في تراب قريته. وتحقق حلمه. عاد إلى تراب مزمورة رفاتا.

 

سقط عامود البيت لكن الركائز بقيت ثابتة بفعل إرادة الأم سلمى التي عملت في البيوت لتأمين لقمة العيش لأولادها. في هذه الأثناء كان سعد يتنقل من جبهة إلى أخرى “كان قلبو متل الصخر وما يخاف من شي. وبس يوصل ع الجبهة يقولو وصل القبضاي. كان يطلع وحدو ع رشاش المضاد ويقوس”. لكن رصاصة غدر كانت كفيلة بإسكات قلب القبضاي.

تسكت غادة. تغص  بدمعة “يقبرني كنا عم نحضّر لعرسو ب آب 1990. لكنه استعجل كثيرا. كان ذلك في 4 شباط 1990. يومها تروي غادة أن شقيقها جوزف اصطحب سعد من نقطة “ألماسة” عند أوتوستراد الدورة ليرتاح قليلا. “كان مشتاق ياكل لقمة من طبخات إمو”. استحم وتناول لقمة “ع الواقف” ونادى شقيقه ليقله إلى الجبهة. “شو باك مستعجل، ما إلك ساعة فايت ع البيت” سألته غاده. وكان الجواب الذي لا يزال صداه يتردد في ذاكرتها: “بدي إرجع عند الشباب أختي. لازم فل”. ورحل لكن هذه المرة من دون ان يعود إلى البيت ويملأه حياة وحركة وفرحا بالعرس الذي كان مقررا في بيت آل روحانا.

ذاك اليوم قالت غادة لوالدتها سلمى”لازم نشلح الأسود. بيي ملاك بالسما، والأسود ماراح يردو. خيي ع الجبهة وبعد 6 اشهر بدو يتجوز ما بدنا نحضر لعرسو ونحنا لابسين الأسود” خلعت الأسود وارتدت ثوبا ملونا وألبست والدتها فستانا أزرق. لكن ألوان الحياة التي أرادت غادة أن تستعيدها لم تدم لساعات. ففي تلك الليلة اشتد القصف. شعرت غادة بضيق في التنفس. خرجت إلى الشرفة. سألتها والدتها عن أسباب قلقها. لم تجب. “كان قلبي متل الفحم أسود. تاني يوم الصبح وعيت لقيت إمي على غير عادتا بعدا بالتخت. خيي مارون ع البلكون. قلتللو عندي إحساس غريب. خايفة على سعد. قللي حاج تفولي على خيك. التفتت وشفت جيب للقوات متوجه صوب البناية. صرخت “سعد، خيي سعد، أكيد في شي”. نزلت ركض أنا و جوزف شفت الشباب فايتين عند جارنا الدكنجي. لحقتن. اطلعت بوجن. كان معن تيدي رفيقو ل سعد. صرخت “سعد مات؟” قللي لأ منصاب وهلق هوي بمستشفى مار يوسف. شوي نزل مارون. أخذو الشباب على جنب وخبرو إنو سعد استشهد”.

 

عندما وصلت غادة إلى مستشفى مار يوسف أصرت ان تدخل إلى الغرفة التي كان يرقد فيها “رجوتها” سعد. كان لا يزال بالبزة الكاكية. حدقت في وجهه، مررت أناملها على جبينه، على خده البارد على خصلات شعره السوداء التي كانت تسرحها له طفلا. أمسكت بيده وتمتمت “يا رجوتي كان بدي زفك… راح نزفك ..”. بحسب التقرير الطبي فإن الوفاة نتجت عن رصاصة قناص اخترقت الرأس من جهة الأذن لتستقر في القلب. وسكت قلب العاشق والقبضاي الذي استعجل ليلبس بزة العرس الرسمية ويزف عريسا في مدافن مار مخايل الجماعية.

بعد استشهاد سعد أصيبت الوالدة سلمى بثلاث جلطات “أول جلطة ما عادت تعرف حدا منا وما وعيت إلا بعد 8 اشهر. تاني وتالت جلطة إجو أخف”. وتختم غادة: “رجعنا لبسنا الأسود وهالمرة على بيي وسعد.  بس ولا مرة ندمنا إنو قدمنا عمود البيت ورجوتي سعد اللي كنت بدي زفو عريس. وبس رجعنا ع الضيعة عمرنا البيت حجر وحجر متل ما كانو يحلمو سعد وبيي.  ومع كل حجر دمعة وغصة وصلا لروح كل شهيد سقط على مذبح القضية”.

 

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسَ فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل