
ردّة فعل الحكومة التركية على محاولة الانقلاب التي جرت في تركيا يوم الجمعة الفائت توحي بأن ما يحدث ابعد من معالجة تداعيات انقلاب فاشل. فالانقلاب قامت به وحدات معيّنة من الجيش. وفي هذه الحال كان من المفترض ان تنحصر الاعتقالات بالضباط الذي دبّروا وأعطوا الاوامر وبعض الرتباء والجنود حاملي الرتب الصغيرة فيعاقب من تثبت تهمته. ويُطلق سراح من لا علاقة له في اتّخاذ القرار. هذا ما يحدث في الدول الديموقراطية الحريصة على سيادة القانون. ولكن هذه ليست حال الجمهورية التركية التي أسّسها مصطفى كمال اتاتورك منذ ما يقارب المئة عام على أسس ديموقراطية علمانية. “سلطان” الجمهورية الجديد يستغل الانقلاب الفاشل لإحكام قبضته الحديدية على الحكم.
عشية الانقلاب قامت الحكومة بإقالة اكثر من 2500 قاضٍ. كما عزلت السلطات حوالي 9 آلاف من موظفي وزارة الداخلية. واعلنت وزارة التربية عن تعليق عمل اكثر من خمسة عشر ألف من موظفيها. وطلب مجلس التعليم العالي استقالة اكثر من 1500 من رؤساء وعمداء الجامعات الحكومية والخاصة. كما سحبت الحكومة التركية رخص 21 ألف مدرّس في المدارس الخاصة. إضافة الى ذلك اقال جهاز الاستخبارات التركي مئة من موظفيه. واعلنت رئاسة الشؤون الدينية إبعاد 492 من العاملين لديها عن وظائفهم، بينهم ثلاثة من مفتيي الولايات… كل هذه التدابير أتت على خلفية “تطهير” الدولة من مناصري الداعية الاسلامي فتح الله غولن الذي اتّهمه الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان بالوقوف خلف الانقلاب الفاشل ووصفهم بـ “الفيروس”. فهل فعلاً غولن يقف خلف الانقلاب العسكري الفاشل؟
لا يبدو ذلك. صحيح ان غولن صاحب تيار سياسي قوي في تركيا وتياره متجذّر في مختلف المؤسسات التركية الحكومية منها والخاصة ولكنه ليس قوّياً في المؤسّسة العسكرية. فهو كان، على غرار كافة الاسلاميين، ملاحقاً من قبل تلك المؤسسة عندما كانت الحاكمة الفعلية للبلاد. هذا ما دفع به الى دعم وصول حزب العدالة والتنمية الاسلامي الى السلطة في العام 2002. فالطرفان لهما عقيدة اسلامية ليبرالية تسعى الى إضعاف “التيار الكمالي” (نسبة الى مصطفى كمال أتاتورك) والجيش اللذين يسيطران على الجمهورية التركية منذ تأسيسها في العام 1923. هذا الهدف المشترك دفعهما الى التحالف لتحجيم دور الجيش في الحياة السياسية ابتداءً من العام 2007 مع انطلاق قضية “أرغينيكون” التي استمرت على مدى خمس سنوات. فقد اتهم في هذه القضية 275 ضابطا ومسؤولا عسكريا سابقين بالتحضير لانقلاب ضد الحكومة التركية. خلال التحقيق تبيّن ان ضباطاً في الخدمة الفعلية وبعض المثقفين والصحافيين من ذوي التوجّهات “الكمالية” (نسبة الى مصطفى كمال أتاتورك) ضالعين في القضية التي استغلها أردوغان لتحجيم دور المؤسسة العسكرية الذي كان قوياً ويقف حائلاً دون إحكام قبضته الحديدية على الحكم. في هذا الإطار تحالف مع فتح الله غولن الذي يملك نفوذاً قوياً في جهاز الشرطة وفي الجسم القضائي. وراح يستغلّ القضية للاقتصاص من معارضيه الذين لا علاقة لهم بقضية “ارغينيكون”، كما يستغلّ اليوم فشل الانقلاب العسكري لإجتثاث تيار غولن في الدولة.
من هو هذا الرجل الذي لم يكن معروفاً حتى الأمس القريب سوى من المتابعين للشأن التركي؟ وكيف تمكّن من أن يكون له هذا العدد الكبير من المناصرين في مختلف اجهزة الدولة في حين انه يعيش في منفاه في ولاية بنسلفانيا الاميركية منذ العام 1999؟
يبلغ فتح الله غولن من العمر 75 عاماً. وهو داعية اسلامي ينتمي الى تيار صوفي ورجل مثقف. له اكثر من مئتي كتاب. وقد اختير في العام 2008 اكثر المفكّرين تأثيراً في العالم من قبل مجلة “Foreign Policy”. غادر تركيا الى الولايات المتحدة الاميركية في العام 1999 هرباً من ملاحقة القضاء التركي له على خلفية تُهم تتعلّق بمناهضته للعلمانية. قليلاً ما يتحدّث غولن الى الصحافة. تنتشر له بضعة صور على الشبكة العنكبوتية يظهر فيها بوجهه الهادئ الذي يعكس خطته الهادئة للسيطرة على مفاصل الدولة التركية.
بدأ نشاطه في سبعينات القرن الماضي حين أسّس حركة “حزمت” او “خدمة”. وهي حركة دينية وثقافية واجتماعية. دينياً، يحرص غولن على الظهور بمظهر الاسلامي المعتدل. ويشدّد مناصروه على انفتاحه ودعوته الى الحوار بين الاديان. وقد نشروا شريط فيديو يظهر فيه لقاءه بالبابا الراحل يوحنا بولس الثاني في الفاتيكان. كما يبرزون لقاءه بالعديد من رجال الدين المسيحيين والحاخامات اليهود.
.jpg)
اجتماعياً تملك “حزمت” العديد من المؤسسات الاجتماعية التي يدعمها متموّلون اتراك منتشرون في مختلف بلدان العالم. ومن بين هذه المؤسسات مدارس ومراكز للدروس الخصوصية والمستشفيات المجانية. كما تتبع لها وكالات إغاثة. أما ثقافيا وتربوياً، تملك الحركة حوالي اربعة آلاف مدرسة. عمل من خلالها الداعية غولن الى تربية اجيال من المناصرين له والمؤيدين لفكره الديني والسياسي. تخرّج هؤلاء من مؤسسات “حزمت” التربوية وتبوأوا مراكز مهمة في مختلف إدارات الدولة حتى اصبحوا “دولة داخل الدولة”. إضافة الى ذلك تملك الحركة العديد من المؤسسات التربوية في اكثر من 100 دولة في العالم هدفها المعلن نشر الثقافة التركية في مختلف البلدان.
نجح فتح الله غولن ايضاً في بناء “امبراطورية إعلامية” تضم العديد من الصحف ومواقع الانترنت وتلفزيون. وابرزها صحيفة “زمان” ذات التأثير الكبير داخليا وخارجياً. ولكن لماذا يعمد أردوغان الى اجتثاث أنصار فتح الله غولن اثر الانقلاب الفاشل؟
إن الصراع بين الرجلين بدأ غداة وصول حزب العدالة والتنمية الى السلطة في العام 2002 على الرغم من دعم غولن له. ابتداء من العام 2011 راح هذا الصراع يظهر الى العلن. فأردوغان يحلم بأن يصبح “سلطان” تركيا الاسلامية الجديدة. بعد أن أقصى المؤسسة العسكرية عن الحياة السياسية انكب على إضعاف تيار غولن المتغلغل في المؤسسات الحكومية. قمة الصراع برزت في العام 2013 حين اثيرت فضائح فساد كبرى انغمس بها الرئيس أردوغان وعدد من الوزراء المقرّبين منه. وكان ابرز تلك الفضائح تسريب مكالمة هاتفية لأردوغان يطلب فيها من ابنه التخلّص من ملايين الدولارات الموجودة في المنزل. رد زعيم حزب العدالة والتنمية كان بالتصويت على قانون يقضي بإغلاق شبكة المدارس الخاصة التي تملك غالبيتها “حزمت”. وفي كانون الاول من العام 2014 اغلق صحيفة “زمان” العريقة. كما اتّهم غولن بالتحضير لانقلاب ضده.
ما يجري اليوم هو مرحلة من صراع طويل بين رَجُلي تركيا القويين. يبدو ان أردوغان سينجح في إحكام قبضته الحديدية في الدولة التركية. ولكن السؤال هل ستنجو تركيا من تداعيات ما بعد الانقلاب الفاشل؟ استمرار الصراع العسكري مع حزب العمال الكردستاني وردود الفعل الاميركية والاوروبية على تدابير ما بعد الانقلاب لا توحي بذلك.