بيت فؤاد شهاب: تاريخ للذاكرة لا للبيع وإرث محفوظ في متحف ومكتبة

من مركز قيادة الجيش حيث الصمت رفيق الواجب، إلى الكرسي الرئاسي حيث الكلام هو السيد، إنتقل اللواء فؤاد شهاب ليصبح رئيساً لجمهورية لبنان، كاد أن يتخلّى عن هذا الكرسي لكن نزولاً عند رغبة اللبنانيين عاد واعتلاه إيماناً منه بضرورة بناء مؤسسات الدولة.

من القصر الجمهوري إلى منزله المتواضع في جونية لم يحمل الرئيس شهاب معه سوى ذكريات جميلة تكلّلت بالمجد والعمران، فعاش وزوجته روز- رينيه بتقشف وكرامة وكبرياء. هذا الرجل الذي رصّع تاريخ لبنان كان يقدّم معاشه الرئاسي لمشاريع إنمائية تفيد الوطن واللبنانيين حتى بعد انتهاء ولايته. وعلى الرغم من تصريحه مراراً وتكراراً أنّه لا يريد لأحد أن يكتب عنه أو يتباهى بأعماله معتبراً انّ ما قام به هو واجبه تجاه الوطن، وعلى الرغم أيضاً من حرقه أوراقاً كثيرة من أرشيفه ووثائقه ومن أغراضه، رفضت الرهبانية اللبنانية المارونية إسدال الستارة على تاريخه، فكان القرار بإنشاء متحف ومكتبة فؤاد شهاب تخليداً لذكراه وحفاظاً على هذا الإرث الوطني الغني.

فماذا عن هذا المتحف؟ كيف تمّ تنفيذه؟ على ماذا يحتوي؟ وما الهدف من إنشائه؟

كاد منزل رئيس الجمهورية اللبنانية الراحل اللواء فؤاد شهاب في جونية أن يتحول إلى مشاريع عمرانية قبل 7 أعوام بعد عرضه للبيع، لكن سرعان ما تلقّفت الرهبانية اللبنانية المارونية المشكلة فسارعت إلى شراء العقار المجاور للمدرسة المركزية في جونية للحفاظ على ذكرى “رجل الدولة والمؤسسات” وعلى حقبة طويلة من تاريخ لبنان.

رئيس المدرسة الأب وديع سقيّم شرح لنا أنّه “حين اشترت الرهبانية اللبنانية المارونية عام 1966 المدرسة المركزية من الإخوة المريمين كانت للرئيس فؤاد شهاب، جار المدرسة، أياد بيضاء في الحفاظ على هذا الصرح التربوي. وبحكم سكنه قرب المدرسة كان يتردّد أسبوعياً إلى كنيستها ويزور رهبانها، ومن منطلق الوفاء لجار المدرسة اشترينا المنزل وحوّلناه إلى متحف”.

وأضاف: “بعد وفاة الرئيس شهاب عام 1973 تحوّل هذا البيت الذي كان محجّاً للسياسيين إلى شبه عزلة وبعد وفاة زوجته الفاضلة أصبح البيت ينهار ويندثر. وعندما علمت الرهبانية بأنه معروض للبيع بهدف بناء مشاريع عمرانية أبت أن يصبح منزل رجل وباني مؤسسات الدولة في دنيا النسيان وهو الذي جعل لبنان يعيش حقبة ذهبية فترك اثراً كبيراً  في تاريخ وطنه. انجازات الرئيس فؤاد شهاب تتحدث عنه لذلك حفاظاً على إرث لبناني مهمّ كان القرار بشراء العقار وتحويله إلى مكتبة ومتحف تستفيد منه الأجيال الصاعدة”.

تابع الأب سقيّم: “زرت متحف شارل ديغول في فرنسا واطلعت على كيفية حفظ أرشيف العظماء، وعندما عدت إلى لبنان شكّلت فريق عمل قام بأبحاث حول فؤاد شهاب في مؤسسة المحفوظات الوطنية وأرشيف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة بالتعاون مع افراد عائلته و”مؤسسة فؤاد شهاب”. ثم قمنا بجمع كل المخطوطات والمراسيم والكتب والأغراض الشخصية العائدة له بمساعدة مركز فينيكس للدراسات اللبنانية التابع لجامعة الروح القدس – الكسليك الذي عمل على أرشفة المعلومات وتنظيمها إلكترونياً”.

وأكّد الأب سقيّم: “سيوضع المتحف في تصرّف أهل العلم والطلّاب للإطلاع على سيرة هذا العظيم وليكون قدوة ومثالاً لكل من يتعاطى الشأن السياسي، ويمكن الحصول على المعلومات مجّاناً، فالرهبانية اللبنانية المارونية والمدرسة المركزية يهمّهما تثقيف الأجيال الصاعدة”.

اختتمت أعمال الترميم وتمّ تجهيز المتحف والمكتبة لاستقبال الزوّار وتلامذة المدارس والجامعات والباحثين في فكر فؤاد شهاب ونهجه ومرحلة حكمه وقيادته، وكان الاحتفال بافتتاح المتحف والمكتبة في باحة المدرسة المركزية بحضور ممثلين عن رئيس مجلس النوّاب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء تمام سلام إضافة إلى نوّاب حاليين وسابقين وفاعليات سياسية وعسكرية ودينية وحشد كبير من الإعلاميين والمهتمين.

منزل شهاب الكائن في جونية والذي لا تتعدّى مساحته ال 325 متراً مربعاً ها هو اليوم يستعيد تألّقه بعد إهماله لأعوام عديدة ومحاولة هدمه وتكسيره ما جعله يخسر بعض معالمه ويتحوّل إلى كمشة حجار على شكل خراب. تحوّل هذا المنزل البسيط، الذي كان يتألف من غرفة نوم وصالون وسفرة ومكتب ومطبخ صغير، إلى معلم تراثي- ثقافي- تاريخي فأصبح يتضمّن متحفاً ومكتبة.

بعد الإنتهاء من الاحتفال الرسمي دُعي الحضور لزيارة المتحف فدخلنا بداية إلى قاعة كبيرة طالعتنا في وسطها صورة كبيرة تمثل شهاب قائداً ورئيساً يؤدي القسم، وفي أرجاء القاعة واجهات زجاجية تضمّ صوراً للرئيس مع قادة الدول وشخصيات عالمية ومحلية، إضافة إلى نسخ عن مراسيم للمؤسسات الرسمية التي استحدثها في عهده. تتوسط الواجهات شاشة كبيرة تعرض أفلاماً لنشاطاته وخطاباته، وأجهزة إلكترونية تسمح لمستخدمها بمشاهدة افلام وثائقية عنه بالصوت والصورة.

الى اليسار مكتب الرئيس الذي أُعيدت هندسته كما كان سابقاً في عهد شهاب، وفي الواجهة وضعت الطاولة وعليها نظاراته وقبعته وخلفها مجسّما يمثله جالسًا على الكرسي ويكتب على ورقة. وكأنّ هذا المجسم شبه حقيقي، كأنّه الرئيس نفسه من يجلس خلف الطاولة. ثمّ إلى جانب الطاولة واجهة تحتوي على نياشين ولوحة نمرة السيارة الرئاسية ذات الرقم 1، إضافة الى مقاعد منجدة وبار خشبي يحتوي كؤوس الشمبانيا.

في غرفة النوم سرير جديد يشبه السرير الأصلي للرئيس وإلى جانبه خزانة تحتوي على بذلة عسكرية وربطات عنق، في إحدى زوايا الغرفة كتب للصلاة وزيت مقدس وبخور ومسبحة، أما في الزاوية الأخرى فعدّة الحلاقة وعطورا.

المكتبة الكبيرة تحتوي على الكتب التي كان يقرأها الرئيس شهاب والتي ألّفت عنه إضافة إلى كتابين كتبهما بخطّ يده. وقد جُهّزت المكتبة بطاولة ومقاعد وأجهزة كمبيوتر يمكن للباحثين استعمالها للحصول على المعلومات التي يحتاجونها مثل: صور العائلة والطفولة وقيادة الجيش ورئاسة الجمهورية، وأوسمته وأسلحته، إضافة إلى بطاقة الهوية، البطاقة العسكرية، دفتر المعاش التقاعدي، مطرقة الرئاسة، وثيقة الزواج، وصيته، مجموعة غلايينه وقداحاته، شهاداته العسكرية، مشاريع القوانين، الرسائل الرسمية، صور الكاريكاتور، الخاتم الذي قدمته له الملكة اليزابيث، وأعلام وغيرها الكثير من الأشياء التي تخصّ الرئيس شهاب.

في الحديقة التي تحيط بالمنزل وضع تمثال من الحجر للرئيس شهاب نحته الفنان برنار غصوب من كلية الفن المقدس في جامعة الروح القدس- الكسليك، كما عرضت سيارته الشفروليه موديل 1962.

كلّ شيء في هذا المنزل الصغير شهابيّ النفس، تنظر حولك إلى المقتنيات والأغراض المعروضة فتشعر أنّك حقّاً في حضرة الرئيس اللواء فؤاد شهاب. صوره المعروضة تحملك إلى هذا العهد القديم حيث عاش لبنان ثورة في تنظيم مؤسساته الحكومية وحيث شهد تطوّراً كبيراً في دوائره الرسمية. وسيوفه ونياشينه التي وضعت في الواجهات الزجاجية تشعرك بالفخر والاعتزاز.

في زمن الفراغ الرئاسي الذي نعانيه أتى افتتاح متحف ومكتبة الرئيس فؤاد شهاب كرسالة تخضّ سبات المسؤولين اللبنانيين عسى أن يحرّكوا ساكناً في هذا الملف.

إطار

ولد الرئيس فؤاد شهاب في 19 آذار 1902 في بلدة غزير – كسروان. انتسب إلى المدرسة الحربية عام 1921 وأصبح قائداً لموقع راشيا عام 1935 قبل أن يصبح قائداً للجيش في 1 آب 1945. إثر الأزمة التي كان يمرّ بها لبنان انتُخب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية اللبنانية عام 1958 وحاول الاستقالة بعد سنتين لكنه عدل عن قراره بعد إلحاح وإصرار النوّاب والوزراء على بقائه. وفي العام 1964 انتهت ولايته فأبى تعديل الدستور ليبقى رئيساً للجمهورية. عرف لبنان في عهده ازدهاراً كبيراً وعاش عصره الذهبي من خلال تطوير وبناء العديد من مؤسسات الدولة أهمّها مجلس الخدمة المدنية ومصرف لبنان وتعاونية موظّفي الدولة ومجلس الإسكان وتأهيل الكثير من الطرقات وإيصال الكهرباء والمياه للعديد من المناطق وتوسيع مرفأ بيروت، إلخ. عاش الرئيس فؤاد شهاب وزوجته روز-رينيه حياة متواضعة بعد تركه رئاسة الجمهورية، وتوفي عام 1973 تاركاً وراءه إرثاً وطنياً عظيماً.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل