
أحد عشر عاماً على ذاك السادس والعشرين من تموز الذي طوى احد عشر عاماً من الاعتقال الانفرادي تحت ثالث أرض في وزارة الدفاع لرئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع ومن الاضطهاد والتنكيل والحظر وفبركة الملفات الذي طاول جماعة رفضت التسليم بالامر الواقع والخضوع لمنظومة احتلال نظام الاسد للبنان الدولة والمؤسسات والمقدرات، فتصدت متسلحة فقط بإيمانها بأن ما من ظلم يدوم او إحتلال يستمر وأن الله يمهل ولا يهمل.
الاعلام اللبناني كما العالمي، كان واكب هذا النهار التاريخي متنقلاً بين مطار بيروت المحطة الاولى لجعجع ومنزله في يسوع الملك الذي تحوّل رمزاً نضالياً طيلة السنوات الاحدى عشرة ومسقط رأسه بشري، بالاضافة الى الاحتفالات التي عمت مناطق لبنانية عدة. هذا الاعلام الذي إقتصر تواصل جعجع معه بشكل غير مباشر عبر جلسات المحاكمات التي منع تصويرها بالفيديو او نقل تسجيلات صوتية عنها، والذي حرم جعجع من تصفح اي جريدة او الاستماع الى إذاعة أو مشاهدة التلفزيون، هذا الاعلام كان فيه “فدائيون” خرقوا الحظر القائم ليس دفاعاً عن الدكتور جعجع و”القوات” بل حرصاً على حقوق الانسان التي انتهكت وعلى كرامة المواطن في لبنان ورفضاً لتزوير حقائق دامغة.
وبعد احد عشر عاماً، يطل موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني على هذه الذكرى عبر نافذة الاعلاميين من صحافيين ومحللين ومصورين الذين غطوا هذا النهار التاريخي الذي شكل تكريساً فعلياً لجلاء جيش الاسد عن لبنان في 26 نيسان 2005 و ثمرة من ثمار ثورة الارز.
أبو زيد: حين عانقته في المطار شعرت بان الاحتلال زال
“اتذكر ذاك النهار بكثير من التفاصيل، كنا ننتظر بفارغ الصبر لنرى الدكتور سمير جعجع وكيف سيتصرف وماذا سيقول، فمنذ إنتهاء المحاكمات ومرافعاته لم نعد نراه أو نسمع صوته”، يقول الاعلامي بسام ابو زيد الذي كان يغطي مباشرة الحدث من أرض المطار، ويضيف: “شعرت لحظة دخوله ومعانقتي له ان زمن الاحتلال زال فعلاً ولبنان يستعيد حريته وقوته ووجهه. كانت لحظة شكلت علامة فارقة بتاريخ جعجع والمسيحيين والشعب اللبناني، علامة أكدت ان الظلم لا يدوم والظالم سيرحل مهما طال الزمن والمظلوم سيحصل على حقوقه”. ويختم: “كنا نعلق امالاً كبيرة على خروجه من السجن وحدوث تغيير في الوضع السياسي، لكنّ ظروفاً كثيرة إستجدت وحالت دون ان يكون لبنان على الصورة التي نحلم بها ويحلم بها الدكتور جعجع”.
يوسف: لتلك اللقطة نكهة وطنية وجدانية عنفوانية
في تلك اللحظة إجتاحت صور من الذاكرة رئيس قسم المصورين في الاخبار في الـlbc بيار يوسف، من اللقاء الاول يوم كان فتى العام 1973 حين كان يتردد “الشيف” سمير جعجع الى الكورة ثم بعد التهجير حين تعرف اليه عن كثب في القطارة وما تلاها من محطات وصولاً الى غدراس وخروجه منها في 21 نيسان 1994 الى المعتقل. ومنذ 1985 حين دخل يوسف الى الـLbc، كان يغطي نشاطات جعجع.
“في 11 سنة لم نستطع رؤيته خلف القضبان وكان حظي كبيراً ان اكون اول من يراه”، يقول يوسف الذي كان اول من صور جعجع لدى خروجه من السيارة العسكرية، ثم وبعفوية غمره مباشرة على الهواء. اكثر من ثلاثين سنة أمضاها يوسف يقطف الصور من قلب الخطر او من سحر الحدث، و”لكن لـ26 تموز نكهة مختلفة، نكهة وطنية وجدانية عنفوانية”، يؤكد يوسف ويستطرد: “هذه اللقطة تختلف عن تغطيتي الحروب والاحداث من افغانستان الى لبنان، إنه اشبه بحلم… ربما الناس قد يسخرون مني، ولكن القميص التي كنت البسها يومها ما زلت احتفظ بها حيث امتزج عرقنا”.
الياس: إرادة جعجع فولاذية لا حديدية
“لحظات لا تنسى حين انتصر الحق على الباطل وحين تم اقرار قانون العفو والدكتور جعجع لم يكن بحاجة اليه، لان الاحكام بحقه كانت سياسية. الجلسة في 19 تموز كانت محسومة رغم بعض الملاحظات لدى بعض النواب بضرورة الفصل بين العفو عن جعجع والعفو عن موقوفي الضنية والاغلبية صوتت معه باستثناء “حزب الله” والاحزاب الحليفة لنظام الاسد”، يؤكد الصحافي سعد الياس العليم بخفايا ساحة النجمة.
ويتابع: “اذكر مشوار قانون العفو من عين التينة وزيارة النائب ستريدا جعحع الى جلسة العفو وكنت على تواصل مع ستريدا والنائب جورج عدوان. فبعد خروج الجيش السوري إنطلق قطار الحرية وحان وقت عودة المسيحيين الى لبنان وعودة لبنان الى وجهه الحضاري مع عودة زعمائهم. الرئيس نبيه بري ادار الجلسة بطريقة جيدة وكنا في زمن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي”.
“يومها كنت في جريدة “البلد” وكتبت مقالاً بعنوان “الدكتور جعجع يخرج بإرادة حديدية”، ولكن حين دعتني الزميلة أنطوانيت جعجع لإستقباله في المطار وسمعت خطابه ما إن صافحته قلت له كتبت بارادة حديدية ولكن يبدو انك تخرج بارادة فولاذية”، ويضيف الياس: “لحظات مشرقة ومشرّفة تسجل بتاريخ لبنان وبعد 11 عاماً ما زلت اذكر التفاصيل الصغيرة. كانت أغطي الحدث مباشرة عبر “صوت لبنان” وأذكر اخذت مداخلة من العماد ميشال عون الذي وجه تحية قلبية لجعجع وأمل في طي صفحة الماضي وهذا الامر تحقق اليوم مع اتفاق معراب.
عقب المصالحة التاريخية في الجبل في آب 2001 وزيارة البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، ولد للياس كتاب حمل عنوان “الجبل حقاً قام” ، سعى الى إرساله الى جعجع ولكن ستريدا لم تستطع ادخاله الى وزارة الدفاع. “على المطار ذكّرته ستريدا هيدا سعد ابن رشميا (وهي ضيعة ستريدا لناحية امها) فراح جعجع يستحضر ذكريات قديمة عن علاقتهما سوياً فتفاجأ الياس بذاكرته القوية”.
العقدي من بشري المسمّرة على الشاشات
من المطار الى مدينة المقدمين بشري حيث أرز الرب عين ساهرة على وادي قنوبين وحيث ذاك العبق الوجداني التاريخي، الى مسقط رأس جعجع توجهت وسائل الاعلام لمواكبة تلك اللحظة. ومن هناك كان مراسل “المستقبل” يومها الاعلامي إيهاب العقدي في نقل مباشر. “كنا في بشري لرصد ردة فعل الناس في مسقط رأسه وكيفية تعبيرها بعد خروج الاحتلال السوري. منذ الصباح كل الناس تسمرت على الشاشات، واصبحت بشري اشبه بمدينة اشباح لدى اطلالة الحكيم بعضهم ترك المحال مفتوحة في ساحة مار سابا بحثاً عن تلفزيون. واذكر بزة الحكيم الفضفاضة وجسمه النحيل. وبعدها سادت الاحتفالات والمفرقعات والمواكب وتوزيع الحلوى”، يقول العقدي الذي كان يرصد الى جانب ردة فعل الناس، ردة فعل فريد وماري جعجع والدي الحكيم بعد 11 عاماً على رؤيتهما له خلف القضبان، وذاك المشهد الانساني الحميمي.
بشارة: كانت لحظة مكملة لـ 14 اذار 2005 وخروج السوري
الصحافي والكاتب السياسي اسعد بشارة كان يواكب الحدث من استديوهات قناة “الجديد”، “كان يوماً منتظراً بالنسبة لي شخصياً. فأنا واكبت الملف منذ توقيفه وتوليت متابعته في صحيفة “الديار” طيلة فترة المحاكمات. وفي الاساس كنت الصحافي الوحيد الموجود في غدراس لحظة اعتقاله. كانت لحظة مكملة لـ14 اذار 2005 ولخروج الجيش السوري من لبنان”، يقول بشارة، ويضيف: “يوم صدور قانون العفو كنت في يسوع الملك. وانا احزن لأني لم البِ الدعوة للحضور الى المطار، ولو عاد الزمن اقول كان يجب أن أكون في المطار. ما زالت أذكر قوله “خرجتم من السجن الكبير الذي كنتم قد وضعتم فيه فأخرجتموني معكم، بالفعل ذاته، من السجن الصغير الذي كنت قد وضعت فيه”.
” كان يوما تاريخيا ليس فقط بالتعبير عن حرية جعجع بل يوم استعادة لبنان لحريته. في الاساس تفجير الكنيسة وادخل جعجع الى السجن ظلماً كان ادخالا للبنان الى المعتقل الكبير وخروج جعجع خروج للبنان”، يشدد بشارة مؤكداً ان هذا الصمود الاسطوري 11 عاماً وهذا الرفض بالهروب من لبنان رغم معرفته بالخطر الآتي يشكل احد الضمانات بأن هناك من يتمسك بالمبادئ والثوابت. وختم متمنياً ان تبقى هذه النقاط هي نفسها وان نعود جميعاً الى روحية 14 اذار 2005 والى صمود الناس في السجن الكبير الذي فرضه السوري على لبنان.
