
حين وصلته الأنباء بأن مجلس النواب اللبناني أصدر القانون المسمى خطأ “قانون العفو”، وهو بالفعل قانون “إستعادة الدولة لشرفها السليب”، مادت الأرض تحت قدميه، وشعر بضيق في صدره وكأنه يختنق وهو يتصبب عرقاً.
رأى غازي كنعان “إمبراطورية الشر البعثية” التي بناها على مدى ثلاثين عاماً بتكليف من حافظ الأسد ، رآها تنهار أمام عينيه مع خروج سمير جعجع من السجن – المعتقل، وخروج لبنان السيد الحر المستقل معه إلى الضوء والحرية.
رأى أحلامه وأطماعه والأسد بالوطن الصغير تسقط بالضربة القاضية، ولو بعد حين، وهو الذي كان قد إعتقد جازما أنه حبس ذاك اللبنان في تلك الزنزانة في الطبقة الثالثة تحت الأرض في وزارة الدفاع في اليرزة إلى الأبد، وإنتهت الحكاية.
عرف أن المقبل من الأيام أسود، ولا ضوء في نهاية النفق المظلم الذي أحس أنه يطبق عليه. بشار ليس سر أبيه، وإذا كان حافظ الأسد ، “الداهية” كما أسبغ عليه الشرق والغرب، فشل أمام صلابة سمير جعجع وقوة إيمانه وتصميمه الفولاذي، فكيف الحال مع بشار؟
كان كنعان قد أغرق نفسه في صمت مطبق، لكنه قرر قبل أن “ينتحر” بساعات قليلة، أن يتصل بإذاعة “صوت لبنان”، وهو المبتعد عن الأضواء والإعلام منذ أن “رقي”- أو نفي- إلى رتبة وزير للداخلية في دمشق، وطلب التحدث حصراً مع الإعلامية الزميلة وردة الزامل.
حاولت الزميلة وردة بعد التحية والسلام أن تمطره بوابل من الأسئلة عن رأيه بالأوضاع في لبنان والمنطقة وقراءته للأحداث، إلا أن كنعان عاجلها بالقول: أنا كنت قد إتخذت قرارا بالإبتعاد عن إطلاق المواقف والتصاريح منذ زمن، ولم أتصل لأتحدث في المواضيع السياسية. وأضاف: “أريد فقط أن أقول أمراً واحداً في ما خص قرار مجلس النواب اللبناني الخطير بالافراج عن سمير جعجع”.
قاطعته الزميلة وردة، إلا أنه رفض التعليق على أي سؤال، وتابع قائلاً: “كنت قد دعوت الرئيس إميل لحود إلى عدم التوقيع على هذا القانون والتصدي له بكل الوسائل، وإلا فسيكون هذا أكبر خطأ إستراتيجي يرتكبه محورنا وسندفع ثمنه غالياً”. وختم كنعان: “هذا فقط ما أردت أن أحذر منه، وبعد اليوم لن أدلي بأي تصريح وهذه كلماتي الأخيرة!”.
وأقفل كنعان الخط، فيما الزميلة وردة كانت لا تزال تحاول سؤالاً. بعد ساعات قليلة ضجت وكالات الأنباء بخبر “صاعق.. “إنتحار” وزير الداخلية السورية غازي كنعان في مكتبه بدمشق بـ “ست رصاصات”، أربع في الصدر ورصاصتان في الرأس!!!
بعدها بساعة ونيف، سمعت خطوات مسرعة في الرواق الطويل المؤدي إلى غرفة ذاك الشيخ الجليل في بكركي. طرق المهرول الباب ودخل على سيد الصرح ونقل إليه الخبر وهو يلهث. لم يعلق ذاك الثمانيني الورع. معروف عنه قلة الكلام وعميقه. هو الذي لطالما قض مضجع كنعان، يكفي أن يكون إسماً على مسمى نصرالله، أي إنتصار الحق والخير على الشر، وهو بطرس الصخرة التي أبواب الجحيم لن تقوى عليها.
لم يؤت سليل مار يوحنا مارون بأي ردة فعل، إكتفى فقط بتقليب تلك الإبرة الصغيرة بين أصابعه. ولكن لعله كان يردد في سره قوله المأثور “دوام الحال من المحال”.
وكان سمير جعجع من جهته، يستذكر “زنزانة الحرية”، ويردد قولاً آخر مأثوراً له: يظن البعض أن الله مات وإنتهى. مخطئون وواهمون. هو هنا، معنا وبيننا، وما زال يتدخل في التاريخ”.
“أما تلك الأيام، فما زالوا يتداولونها في ما بينهم، ويتناقلونها جيلاً بعد جيل…”، لتبقى المسيرة مستمرة وأجيال تسلم أجيال…
