… وبعدين سمير جعجع؟!

أنا لا التقي سمير جعجع الا لماما وقد تمر أشهر، لكن عملياً التقيه كل يوم، كل لحظة، في بيروت وجونية وهناك فوق في ضيعتي. منذ  22 عاماً لم يتركني سمير جعجع أعيش لحظة حياتي بحريتي، لم يتركني لا حين كان معتقلاً ولا حين تحرر واصبح ما هو عليه الان ويبدو لن يفعلها، وبعدين؟

متى أتحرر يا رجل قبل أن تأخذني الآخرة الى تلك الحرية اللامتناهية؟!

قبل الاعتقال لم أكن أعرفه شخصياً، كانت بداية الطريق الصحافي ولم يكن بدأ الالتزام الحزبي، كنت احب الشباب ونضالهم مذ وعينا على الشيخ بشير ونحن بعد صغاراً في الضيعة البعيدة، ولم اكن اريد ان التزم بذلك النضال، كنا بدأنا نكتب في مجلة “المسيرة” ولم تكن بعد بدأت مسيرة النضوج، بداية سنين الدراسة وذاك الشغف الى كل البدايات المتفلتة من أي قيد وخصوصا الحزبي أو السياسي وما شابه.

 كل الناس كانت تحكي بسمير جعجع، في الشرقية يقولون “الحكيم عم يدافع عن لبنان” وفي الغربية يقولون “العدو سمير جعجع”، عندما قرر الزملاء في المجلة الاستحصال على بطاقاتهم الحزبية انا لم افعل رفضت، لم أكن أفهم في كل ذلك ولم اكن أريد، حتى كتاباتي كانت سطحية، اكتب ما اراه وليس اكثر.

 وبعد ذات ليلة قصف عنيف ارسلونا الى المتاريس عند خطوط التماس حيث يتوزع الشباب لنكتب عنفواناً وذلك بناء على اوامر الحكيم، كانت المرة الاولى التى ارى منطقة الاسواق التجارية في وسط بيروت انما من كوّة متراس، وكانت المرة الاولى التي احاوره بيني وبين نفسي “وشو بدو جعجع من هالمغامرة ليش بدنا نروح ع الجبهات ونتعرّض للخطر؟”. لم اخبر ابي بالامر وذهبت في اليوم التالي مع المصور وبرفقة الشباب الى “جبهتي”، وهناك كانت اولى مواجهاتي مع الحياة برمتها. ذهبت طفلة وعدت المناضلة، رأيت الموت بأم العين حين يتنقل على راحته بين الجبهات ويحط فجأة فوق الاقدار، كان أزيز الرصاص يلعلع من حين لاخر، اصوات القذائف تلهب بيروت بين فينة واخرى. رأيت الشباب يتبادلون الزوايا والمباني التي ما عادت سوى هياكل، ويهرلون تحت الرصاص غير آبهين وبحسب ما تقضيه خططهم العسكرية ومن وقت لاخر يتحدثون الى الحكيم، وانا وسط كل تلك المشهدية يبتلعني الذهول قبل الخوف.

كنت اظن اني لن اعود حيّة الى المنزل لكن المفارقة اني لم ابالِ، كانت تلك الجبهة مرآتي للايام الاتية، اكتشفت اني شجاعة، واكتشفت ان هؤلاء الشباب هم الوطن، وان سمير جعجع هو بطلي الحقيقي، وجدت بطلي الضال بعد الباش، لم يمت الاخير كما كنت اظن، هو حي عن جدّ في الشباب وفي سمير جعجع.

راحت الايام واعتقل سمير جعجع، تحولت الى مناضلة حقيقية في ضيعتي، من دون سلاح لكني كنت اقتل، قتلت معنوياً من حاول ان يجعل من ضيعتي ملفى للاحتلال السوري، وبحسب ما سمحت لي به طاقاتي وسط اجواء الاحتلال وناسه التي كانت مهيمنة على تفاصيل حياتنا، وكلما ضاقت بي السبل وشعرت باليأس او الوهن، اتذكّر اني انا الاسيرة في هذا السجن الكبير على الاقل املك حرية الشمس والليل والضوء بينما ذاك الاسير في الزنزانة الصغيرة لا تدخل اليه الشمس الا اذا استأذنت السجان. انا “الحرة” اتذمّر بينما القابع هناك تحت الليل يرسل للرفاق اشعاعات الصمود وعدوى القوة، فأشعر بسخافتي وضعفي واعود واكمل طريقي وانا احادثه “مش معقول يا حكيم شو بتعمل فيي يللا لعيونك رح ارجع قوية”….

… وتحرر، ودوت اللحظة وتعرفون كل التفاصيل، نظرت اليه يومذاك وكنا نسكن ثورة الارز وساحات الحرية، كنت اظن انه لن يخرج حياً وفعلها، كنت اظن اني لن اراه ثانية ورايته، حاورته للمرة الثالثة “والله عملتها يا حكيم خييي هلا ارتحت وما بقا بدي اتعاطى قوات”، كنت احاول ان اقنع نفسي انه بخروجه تحررت انا واذ بي وبعد القاء خطابه الشهير في المطار، اعود الاسيرة الى بيت “القوات اللبنانية” لنبدأ مع الحكيم مسيرة بناء جديدة، بداية جديدة بعد يا الله متى ارتاح؟

راحت ايام واتت اخرى وقابلت الحكيم، صرت في قلب بيته القواتي، صار بطلي على مرمى خطوات من المراهقة التي عاتبته في سرها للمرة الاولى، وهي لا تعرف ان هذا الرجل سيغير في مجرى حياتها، وان حياتها لولا ذاك الرجل لكانت صارت عاطلة عن العنفوان، وها هي اليوم أسيرة تلك الكرامة، ذاك الاسير في حب بلاده…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل