#adsense

هذا ما قاله الضابط بعد انتهاء كلمة جعجع في المطار

حجم الخط

في 18 تموز 2005 صدّق مجلس النواب على اقتراح القانون القاضي بالعفو عن قائد “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع، ووُصفت الجلسة بالتاريخية. ولكن لم يخرج الحكيم من زنزانة النظام الأمني الذي سجن لبنان بأسره، إلا في 26 تموز 2005. اقتضى الأمر ترتيبات كثيرة أمنيّة وغير أمنيّة واقتضت هي أياماً لإنجازها. والقائد الذي دخل المعتقل بقرار سياسي خرج منه بقرار سياسي. بعد انهيار ذاك النظام البائد الذي فجّر نفسه عندما اعتقد أن بإمكانه إخضاع لبنان إذا فجّر وغيّب وسجن قادته ومسؤوليه.

للأسباب الأمنيّة تلك، آثر المسؤولون في “القوات” أن يكون خروج الحكيم من زنزانته مباشرة إلى المطار، الذي وصله في التاسعة والدقيقة الخامسة صباحاً، وسط مواكبة أمنية مشددة اتخذها الجيش اللبناني من وزارة الدفاع إلى المطار. هناك كان قد تجمّع حشد كبير في انتظار وصول القائد. حتى بين من ينتمون إلى جهات خاصمته قبل دخوله المعتقل، كان هناك من تشوّق لرؤيته ليتبيّن بنفسه ما لا يعرفه عن رجل ملأ الأحداث وغيّر المعادلات… واختار السجن على مغادرة الوطن، في قرار لا يتخذه إلا فرادى في التاريخ.

قرابة الحادية عشرة قبل الظهر، دخل جعجع صالون الشرف ترافقه زوجته ستريدا وعدد من المسؤولين في “القوات” إلى جانب محاميه. وهناك كان قد تم تحضير المنصة لإلقاء الكلمة التي انتظرها الجميع لمعرفة طبيعة التحوّل الذي سيبديه جعجع وسط التحولات الكبيرة التي عصفت بالبلد فقلبت أوضاعه وحوّلت كل مساراته.

صحيح أن معظم الذين احتشدوا فملأوا تلك القاعة كانوا من المؤيدين لـ”القوات”، لكن كان هناك من أجهزة أمن المطار ومن الإعلاميين والمنظمين مَن هم مِن غير المؤيدين. قبل دقائق من تلك الكلمة الحدث كانوا يصفونه بأنه مجرم وخائن. أثناءها سادهم الصمت، وأبدوا بعدها إعجابا لم يكونوا يتوقعون أن يجتاحهم بهذه السرعة.

مفردات وتعابير تلك الكلمة حفرت مسارات وانطبعت في الأذهان وما زالت: “خرجتم من السجن الكبير الذي كنتم قد وضعتم فيه فأخرجتموني معكم، بالفعل ذاته، من السجن الصغير الذي كنت قد وضعت فيه”. لقد كانت سنوات طوال ظلماء سوداء، كادت تطيح الوطن، بدأت باغتيال الرئيس الشهيد رينيه معوض ولم تنته باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري”… علّق أحد الحاضرين: حقا هو ردد دائما أنه دخل السجن بقرار سياسي ويخرج منه بقرار سياسي، وهذا ما حصل”.

أحاسيس متباينة اجتاحت الجميع يومها. المؤيدون والحلفاء والخصوم. لكنّ القاسم المشترك بينها صمت هادر تكشّف عن آلاف الإنطباعات التي تداخلت بما لا يترك مفردات لوصفه. للحظة واحدة رمى ذلك الصمت ضجيجه الخفيّ وصار مطبقا لمجرد “نقرتين” على خشب المنصة، ورَفْعِ الإصبع وتثبيت النظرات، في إشارة توحي بأن ما سيقال يتطلب الكثير من الإنتباه، لأنه بحجم خط محدِّد لمصير وطن. توقّف الحكيم برهة عن الكلام فساد الهدوء الناصت، من غير أن يتوقف ذلك الإحساس المتلاطم عن رجل ومرحلة ومعتقدات، منها الراسخ في اليقين ومنها الباحث عنه آتياً من غربة الحرب والأفكار المسبقة المشوّشة.

بعد انتهاء الكلمة وما حوته من تعابير وجدانية عكست البعد الإنساني والفلسفي للرجل وليس السياسي وحسب، وما حوته أيضا من مواقف وطنية ربما لم يكن تسنّى للجميع اكتشافها قبل تلك المرحلة السوداء، بعد ذلك وجدَتِ الهمسات فرصة لتعلو فبادر الجميع إلى تبادل الوشوشات وإبداء الآراء التي ترافقت مع تغيّر واضح في قسمات الوجوه. لحظة ذاك كان بجانبي ضباط من ضمن المجموعة المكلفة الأمن في المطار، وهو من بين أولئك الذين أدانوا جعجع يوما من غير أن يعرفوه. فدنا إلى أذني هامسا: إنه كان حقاً عظيماً!

خبر عاجل