لماذا سمير جعجع متميّز؟

هذا الذي خرج من سَواد الناس الى الصَّدارة بين الرّجال، ساهم في صناعة التاريخ الحديث بملكاته الشخصية ومواهبه في القيادة. لقد عدّته سيكولوجيا السياسة صورة مجسَّمة للطموح، ومثالاً بالغاً للاحتمال والعَزم. وإذا حاول بعض المشبوهين أن يضيفوا الى هالته ظلًّا مظلماً، وهذا شأن البعيدين عن النزاهة والأمانة، فسمير جعجع جوانبه المشرقة تُتَحِّف شخصيته الفذّة، فيُرَدَّ إليه ما يستحقّ من تقدير.

لقد تردّد على حلقات النضال، ليصبح النضال يشبه دمه، ويصبح الوطن حِرفة لم يأخذ عليها أَجراً. لقد أنهى صراعاً بينه وبين نفسه في موضوع التزام النّضال، فأعلن نفسه وَلاّءً للأرض، لا يدين بالطّاعة إلاّ لها، بشدّة وقدرة وكفاءة. واختبرته الأرض ثوريّاً قائداً عندما تزعزع استقرار الوطن، فوجدته ” أَمَرَّ العيدان عُوداً، وأَصلبَها مَكسِراً “.

هو العاقِل من أصحاب العِلم، يعرف من دون أن يدّعي، لذلك يُحتَرَم. فالذين يتشاطرون بإظهار أنفسهم أنّهم دوماً على حقّ،

يفقدون الإحترام لأنّ الناس يعرفون أنّهم مخادعون. وهو العاقِد الثقة دائماً بالله، لذلك لم يستسلم بالرغم من عقبات، لو واجهَها جبل لَطَحنته. وهو المُختبِر المعاناة في زمان وَصل طويل، وبدلاً من أن تمزّق المعاناة أجزاءه، أنجبته شخصاً أفضل. فالأوقات السيّئة ليست دائماً زهيدة المردود، فهناك مَن يستطيع انتشالها من حتمية الفشل، ويخلع عنها قميصها الرماديّ الباهت، فتستيقظَ معه مشروعَ أمل يغتذي من طلّة كلّ شمس، من هنا التأكيد أنّ زمن الجبابرة لم يُفطَم.

سمير جعجع المُنتَج من رَحِم الأرز، لم يستخدم ذكاءً إصطناعياً في التدرّب على الوطنية، فضجّتُها رنّانة في جبلته منذ كان.

ففي جعبته الوطنيةِ سلوكٌ متجاوِز، لأنّ الوطنية في ذاته نقطة تحوّل مِحوريّة بإمكان شُحنتها الصّادِمة، إذا تلقّفها أيّ إنسان،  أن تحوّله خارقاً ومن دون سابق إنذار.

لقد عَلَّمَنا سمير جعجع أنّ الوطنية وحدها لا تَدَعُنا نسقط أرضاً، وهي وحدها تَدفِق من القلب من دون عَكَر. ولكن، في عهود الغَبَشات والهمجيّة، حيث أُشبِعت الوطنية ضَرباً على رأسها حتى فقدت الوعي، لم تعد الوطنية حالةً نادرة فقط، بل فريدة جداً من نوعها. وهنا القيمةُ للمختلِفين الذين أينما أداروا وجوههم، رأوا معادلة الوطن وحدها، فاعتبروا أنّ الوطنية هديّة.

الفكر مع سمير جعجع عِيار الصَّواب، وهو الرّابط بين العقل والحقيقة بعيداً عن كلّ تَكَهُّن. والفكر في سلوكه يعالِج بطريقة نظامية ما هو معروض، ليضبط الرأي أو الموقف، فلا يحيد بتاتاً عن محجّة الموضوعية والمَعقول. ولمّا كان الأكثرون من مُتعاطِي الفكر السياسي عندنا، لا يتقصّون في أدبيّاتهم خصائص المقاصد والدوافع والنوازع والغائيّات التي تشكّل أساس هذا الفكر، كان سمير جعجع في قراراته الوطنية الثّابتة هو من الأقلّين المُتَّحِدين اتّحاداً وثيقاً بقُدرات الفكر كَعِلم، هذه القُدرات التي صلاحيّتها معه موثوقة التَّتابع.

الحرية واجب، وهي ليست حالة تأمّلية بقدر ما هي سلوك، هكذا هي مقاربة سمير جعجع للحرية التي شكّلت عنده موضوع الحياة، أو مثالاً ينبغي أن يُهدَف إليه، وبالتالي فإذا انفصلت عن السلوك العملي يُخشى أن تصبح مجرّد سفسطة. فالحرية

شريعة أخلاقية لهداية الإنسان الى قيمته، وهي نقطة انطلاق إعلان الله ظهورَ الإنسان ووَهبَه إمكاناته. وهنا بالذات تكمن قدسيّة الحرية المُعّدَّة منذ الأزل، والتي هي أسمى درجات الفضيلة، والتي دفع سمير جعجع ثمناً باهظاً بسبب إيمانه المُطلَق بها قوّةَ الإنسان الوحيدة للخلاص.

في المفهوم الزائف للممارسة السياسية في بلدنا، كلُّ شيء مُباح، حتى الطَّعن بالظَّهر والخيانة وتبديل الأوجه، وكأنّ ذلك الإنحراف صار قانوناً روتينياً متوارَثاً أو قواعد مَصبوبة جاهزة للنهج على مِنوالها. والغالبية الساحقة مِمَّن وصلت إليهم الزعامة السياسية، تمسّكت بهذه الآلية ومعاييرها حتى انتهت لتصبح عقيدة. لكنّ سمير جعجع الثّابت في خياراته، وهذه نعمة وطنية، انتصر كمسؤول وكقائد في نهج الثَّبات المتجرِّد لأنّ فيه صلاح الوطن، وهذا يقود الى السؤال: هل يمكن اختيار الصَّلاح من دون معرفة سمير جعجع؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل