إفتتاحية “المسيرة” ــ من كنيسة سيدة النجاة إلى كنيسة سانت إتيان

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1570

ما الرابط بين عملية تفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل في لبنان في 27 شباط 1994 وبين عملية ذبح الكاهن جاك هامل في كنيسة سانت إتيان دو روفريه قرب مدينة روان في منطقة النورماندي في شمال غرب فرنسا التي نفذها “جنديان” من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” في 26 تموز 2016 الذي يصادف الذكرى الحادية عشرة لخروج الدكتور سمير جعجع من السجن الذي دخله وأمضى فيه 4114 يوما بعد اتهام “القوات اللبنانية” زورًا بتفجير الكنيسة؟

ما العلاقة بين جريمتين تفصل بينهما مسافة 22 عاما وآلاف الكيلومترات وتختلف ظروف ارتكاب كل منهما؟ لماذا وقف العالم يتفرج على نتائج عملية تفجير كنيسة الزوق التي ارتكبت بعدها جريمة قانونية وإنسانية أكبر؟ ولماذا اهتز على وقع العملية الأولى من نوعها ليس في فرنسا وحدها بل في أوروبا كلها؟

لم تكن عملية تفجير كنيسة سيدة النجاة الأولى من نوعها في لبنان. قبلها تعرضت كنائس كثيرة للإعتداءات وقتل عدد من الكهنة في أديرتهم وخطف عدد آخر وتمت تصفيتهم، ولكن في بلد مثل لبنان كان يعيش أهوال الحرب الأهلية كان يمكن اعتبار أن هذه الجرائم عادية ويمكن أن تحصل. ولكن في الواقع كان لبنان يدفع الثمن عن العالم كله وكان هذا العالم لا يكترث.

في العام 1994 لم يكن تنظيم “داعش” قد ولد بعد. كان لبنان يخضع لنظام الوصاية السورية، وإذا كان منفذا جريمة سانت إتيان قد تم قتلهما مباشرة بعد الجريمة فإن جريمة تفجير كنيسة سيدة النجاة لم يتم الكشف بعد عن الجهة التي ارتكبتها وأرادت من خلالها تحميل المسؤولية لـ”القوات اللبنانية”.

في بيان إعلان تنظيم “داعش” مسؤوليته عن جريمة قتل الكاهن الفرنسي جاء أن العملية نفذت استجابة لنداء استهداف دول التحالف الصليبي. وهذا التحالف بحسب “داعش” هوالذي يقاتله في العراق وسوريا.

ليس هذا التعبير ملكاً لـ”داعش”. إنه تعبير مشترك بين تنظيمات أصولية كثيرة تتبنى هذا الفكر الأصولي ولا تزال تنظر إلى التاريخ والحاضر من خلال مرحلة الحروب الصليبية التي حصلت قبل أكثر من ألف عام. وهذا التعبير لم يكن بعيدًا من المفهوم الذي ارتبط بعملية تفجير كنيسة سيدة النجاة. كان البابا يوحنا بولس الثاني قد حدد موعدًا لزيارة تاريخية سيقوم بها إلى لبنان على خطى القديس بولس الرسول على أن تتبعها زيارات أخرى إلى أكثر من دولة في الشرق ولذلك اعتبر البعض أنه يمهد من خلال هذه الزيارات لعودة الصليبيين إلى المنطقة. في تلك المرحلة لم تكن التنظيمات الأصولية السنية قادرة على تنفيذ عمليات من هذا النوع في لبنان وكان معظمها ملاحقاً من قبل النظام السوري الذي يحكم لبنان بالتعاون والتنسيق مع “حزب الله” الذي مثل في تلك المرحلة التنظيم الأصولي الأول الفاعل والحامل للفكر الإسلامي الشمولي ولمبدأ إقامة الجمهورية الإسلامية في لبنان لتكون مكملة لنظام ولاية الفقيه في إيران. ولعل أدبياته الدينية في ذلك الوقت تتفوق على ما تقوله التنظيمات الأصولية التي يتهمها اليوم بالإرهاب والتكفير لأنه كان يريد أن يحتكر لنفسه تلك المهمة.

على رغم مرور 22 عامًا على تفجير كنيسة سيدة النجاة لم يتم اكتشاف منفذيها. لم تكن تلك العملية معزولة في المكان والزمان والأهداف. هذا السر الذي يكتنفها لا يضعها إلا في خانة الجرائم الكثيرة التي ارتكبت ولم يتم التعرف إلى الذين نفذوها قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبعده، والسبب أن الجهة التي تنفذها لديها القدرات الكاملة للقيام بهذه العمليات من دون أن تترك أثرًا وتحكمها السرية المطلقة وتعتبر من التنظيمات المقفلة التي تتمتع بقدرات أمنية هائلة.

في تلك المرحلة لم يكن لبنان هدفاً للتنظيمات الأصولية التي كانت عناصرها تتجه إلى الجهاد في أفغانستان حيث كان أسامة بن لادن لا يزال في السودان وكان تنظيم “القاعدة” يتأسس إلى جانب حركة طالبان. في العام 1993 حاولت مجموعة صغيرة تنتمي إلى الجماعة الإسلامية تنفيذ عملية تفجير على طريق دير البلمند الذي كانت تعقد فيه لقاءات دينية مسيحية تضم رجال دين مسيحيين من لبنان والعالم والفاتيكان، ولكن قلة خبرة المنفذين أدت إلى انفجار العبوة التقليدية بهم ومقتل أحدهم وانكشاف العملية وتوقيف الفاعلين. عملية تفجير كنيسة سيدة النجاة لم تكن ضمن هذا الإطار ولم تكن عملية هواة. أكثر من ذلك كانت من ضمن خطة أكبر لضرب “القوات اللبنانية”. مع التحضير للتنفيذ كان يتم وضع الخطة القانونية لتغطية اتهام “القوات اللبنانية” واعتقال الدكتور سمير جعجع وكان النظام السياسي والأمني والقضائي كله في خدمة هذا المخطط الذي استهدف أيضًا إصابة عصافير أخرى ومنها تعطيل زيارة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني إلى لبنان. الفاتيكان لم يكن بعيدًا عن هذا الجو. مباشرة بعد العملية تم الإعلان عن تأجيل الزيارة التي عادت وتمت في أيار 1997 خصوصا أنه كان أيضًا في أجواء المعلومات التي توفرت للبطريرك مار نصرالله بطرس صفير حول مخطط تفجير الكنائس لمنع حصول الزيارة بعد المعلومات التي كشفها المصري نبيل مرسي علي الذي كان يعيش في لبنان ويريد أن يصبح مسيحيًا وقد عرض عليه جولان ضيا المشاركة في تنفيذ هذا المخطط وأخذه إلى مركز أمني تابع لـ”حزب الله” قبل أن ينحرف التحقيق لاحقاً نحو إبطال معلومات المصري واعتبار أنه أدلى بها لأنه كان يريد الحصول على الجنسية اللبنانية بمساعدة بكركي.

عندما ترأس البطريرك صفير القداس على نية شهداء الكنيسة الأحد عشر تحدث عن ثمن الشهادة للمسيح في لبنان وهذا الشرق وعن التمسك بالحرية مهما كان الثمن. هذا الهاجس لم يكن ليؤثر كثيرًا في أوروبا التي ابتعدت عن مسيحيتها لمصلحة الدولة المدنية والديمقراطية التي تستوعب الجميع بمن فيهم الوافدين الجدد من الأديان الأخرى بما فيها المسلمين الذين يصبحون حتمًا مواطنين بمجرد حصولهم على الجنسية. لذلك كان خبر اعتداء جنديي “داعش” على الكنيسة في فرنسا وقتلهما الكاهن صاعقاً. بسبب الجريمة أولاً وبسبب تكاثر العمليات المماثلة في فرنسا وألمانيا وبلجيكا، وبسبب التذكير بأن هناك كنيسة وكهنة ومصلين في فرنسا التي يتهمها العقل الأصولي بأنها كانت وراء الحروب الصليبية في الشرق على أساس أن معظم قادة الحملات وقتها كانوا من الفرنسيين وعلى أساس أن الجنرال غورو عندما وصل إلى سوريا في الحرب العالمية الأولى توجه إلى قبر صلاح الدين الأيوبي وقال له “لقد عدنا”. ولكن شتان ما بين فرنسا وأوروبا بين الماضي والحاضر خصوصًا أنهم لم يتورعوا عن انتقاد مرحلة الحروب الصليبية واعتبار أنها خطأ حصل في التاريخ ولن يتكرر.

لم يكن المسيحيون في لبنان بحاجة إلى تفجير كنيسة ليستعيدوا هويتهم. صحيح أن عهد الوصاية استطاع أن يعتقل الدكتور سمير جعجع ويحل حزب “القوات اللبنانية” ولكن في النهاية بدأ النظام السوري يعيش نهايته في سوريا وبدأ “حزب الله” يغرق في الحرب السورية. قد تكون العبرة في تفجير كنيسة سيدة النجاة أن أحدًا لم يصدق أن “القوات” يمكن أن تفجر كنيسة، حتى أن أهالي الشهداء لم يشاركوا في التقدم بأي ادعاء شخصي. ولكن هل تحتاج أوروبا إلى جريمة من هذا النوع لتستعيد هويتها؟

لا شك في أن تعاقب عمليات “داعش” الإرهابية سيخلق ردود فعل من هذا النوع في المجتمع الأوروبي. لا تستطيع الدول الأوروبية أن تستمر في اعتبار أن ما يحصل عندها مجرد عمليات أمنية يمكن حلها بالوقاية ونشر المزيد من قوى الأمن في الشوارع ولا يمكنها أن تستمر في تغطية الواقع المأزوم الذي باتت تواجهه والذي بات يشكل خطرًا كبيرًا عليها وعلى شعوبها. ولذلك ربما عليها أن تدرك أن ما تعرضت له كنيسة سان إتيان دو روفريه في فرنسا لن يكون إلا البداية في حرب أكبر. ولعل التغيير الأساسي يمكن أن يبدأ في صناديق الإقتراع الأوروبية بحيث يولد التحول الكبير على مراحل. قد تكون أوروبا اليوم مع العالم كله أمام استيعاب العبر من الدروس والتحديات التي تتعرض لها من أجل ألا تصبح كنيسة سانت إتيان شهيدة كما كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل