من دول الإنتشار التي وطأتها أقدامهم ذات يوم، ذات ليلة باردة هربا من سراديب الإعتقال وظلم الاحتلال وطغيان سلطة الوصاية، جاؤوا ليثبتوا من جديد أنهم في كل مكان وزمان….”قوات”.
إلى المقر العام لحزب “القوات اللبنانية” في معراب وصلوا في الموعد المحدد فكانوا الحدث ومحور الحديث في اللقاء الإغترابي الذي حمل أكثر من عبرة ورمزية هذه السنة كيف لا وهو الذي حدد موعده عشية ذكرى خروج رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع إلى الحرية.
ومع أن اللقاء الإغترابي صار محطة سنوية يلتقي فيها رئيس الحزب مع قواتيي الإنتشار ليتبادل معهم شؤون وشجون الإنتشار القواتي في أصقاع العالم ويدخل معهم في تفاصيل العمل الحزبي، إلا أنه يتحول في كل سنة إلى محطة وجدانية وسياسية والأهم محطة لتجديد العهد بتاريخ النضال والمقاومة كما في زمن الحرب كذلك في عز أيام السلم. لقاء يكاد أن يكون اقرب إلى جلسة ضمن البيت الواحد لتقييم العمل الحزبي في منسقيات الإنتشار والمراكز والتوقف عند المحطات التي تستوجب إعادة ضبط بوصلة العمل الحزبي وفق نظامه الداخلي. لكن الحديث من القلب إلى قلب كل قواتي يبقى المحور والهدف من هذا اللقاء. نعم. هو حديث من القلب إلى قلب كل قواتي حمل قضيته في حقيبة وربما في “جعبة” وأخفى في ثناياها قصة نضال وتاريخ شهداء وجلجلة اعتقالات طالت… كلها حملها معه إلى عالم الإنتشار ليحولها مع الأيام وساعات الزمن الثقيلة في بلاد الغربة إلى رسالة نضال جديدة في الأسلوب فقط أما في المضمون فلا تزال ذاك الكتاب المقدس الذي يقرأ فيه عهدا بالإلتزام يتجدد مع كل طلعة شمس.
في معراب ذاك العصر كان اللقاء وكأنهم لم يفترقوا يوما لا في المكان ولا في الزمان، ولم تشتتهم عقبات الغربة وظروف الحياة الصعبة فيها. هناك وعشية تلك الذكرى التي استمدوا منها عصب النضال وروح المثابرة في أرض الغربة، أدركنا وبثقة مطلقة أنهم صاروا في المكان والزمان المنشودين. وأينما صاروا باقون على العهد: “قوات” قضية لم ولن يتخلوا عنها، وذخيرة نضال وعصب في المراكز التي افتتحوها في دول الإنتشار، ورسل وطن دافعوا عن وجوده وما زالوا يبشرون به سيدا حرا مستقلا. وبفعل إصرارهم على نشر القضية من خلال افتتاح مراكز لحزب “القوات اللبنانية” في دول الإنتشار (أوروبا، وأفريقيا، وأستراليا، والأميركيتين الشمالية والجنوبية، والخليج العربي) صارت القضية جزءا من صلب الكيان السياسي والإجتماعي وحتى الكنسي وصاروا هم، “قوات ” الإنتشار رسلا لهذه القضية ينشرون مبادئها الحزبية وقناعات رئيسها السياسية والوطنية .
عشية تلك الذكرى التي أشرقت فيها شمس الحرية على السجن في وزارة الدفاع ليخرج منه سمير جعجع بعد 11 عاما على الاعتقال حرا كما كان وراء قضبانه، ذاك ال25 من تموز 2016 كان اللقاء الذي جمع قواتيي الإنتشار بحضور رئيس قطاع الإنتشار أنطوان بارد وكانت كلمة من القلب والعقل والوجدان الوطني لرئيس الحزب سمير جعجع بعد النشيدين اللبناني والقواتي استعاد في بدايتها شريط زمن الوصاية ليؤكد مع قواتيي الإنتشار “أننا كـ”قوات لبنانية” لسنا كأي حزب آخر”. وقال: “لقد أدخلتنا سلطة الوصاية السورية الى الاعتقال عام 1994 لأنها أنزعجت حينها من موقفنا المعارض، وقد حاول نظام الوصاية حينها أن يُخضعنا بالتخويف والاعتقال والترهيب ومحاولات الاغتيال، لكنه لم يتمكن من ذلك الى أن حلَّ الحزب نهائياً وأدخلوني الى الاعتقال”.
وأضاف: “إن حزب “القوات” منذ تأسيسه لا يعمل وفق حسابات الربح والخسارة بل نحن حزب يعمل لخدمة القضية وللمصلحة الوطنية العليا، فمن كان يعتقد ان 11 أيلول سيحصل في أميركا وستتغيّر السياسات الدولية ثم يُحتل العراق وبعدها يحصل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لتحصل ثورة الأرز في لبنان ويخرج عهد الوصاية من لبنان ثم يخرج حزب “القوات” وأنا معه من الأسر؟”.
“وأنا داخل الزنزانة، كنتُ واثقاً من أنه سيأتي يوم وأخرج فيه الى الحرية، وكنت مطمئنا على المستقبل من دون معرفة كيف ومتى وأين سيأتي يوم الإفراج عني؟ وفي 26 تموز 2005 خرجتُ من الاعتقال وعاد حزب “القوات اللبنانية” الى الحرية، وأصبحنا في المكان الذي نحن فيه اليوم، ونفتخر أن لدينا حزباً استراتيجياً يُعد من أكبر الأحزاب الرئيسية في لبنان، فشكراً لكَ يا الله!”
وإذ شكر جعجع كل المغتربين على كل ما يقومون به في سبيل خدمة لبنان والقضية، ذكّر بأن “حزب “القوات” قائم على إيمان مجموعات كبيرة من البشر تعمل ليلاً نهاراً مثل قفير النحل، فنحن تصُحُّ علينا تسمية الدولة العميقة التي تدعم وتؤيد الدولة اللبنانية والتي تبدأ من أول التاريخ ولن تنتهي إلا بنهاية التاريخ. نحن متمسكون بإيماننا العميق الذي نتوارثه من جيل الى الجيل ونؤمن بدولة لبنان الحر التي بدأت مع البطريرك مار يوحنا مارون وما زالت مستمرة وستبقى كذلك الى أبد الآبدين آمين. ومن هذا المنطلق يجب أن ندرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق كل واحد منا، فهذا قدر الأحرار أينما كانوا”.
ثم تطرق جعجع الى الوضع السياسي في لبنان متوجهاً الى المغتربين بالقول: “ربما وصل البعض منكم الى مراحل فقد فيها الأمل بلبنان. لكن لا تستعجلوا. فإلى جانب كل السلبيات التي نراها أود أن أُظهر لكم صورة مغايرة. فنحن نعيش في منطقة انهارت فيها أعتى الدول مثل العراق وسوريا واليمن التي تملك مقدرات اقتصادية هائلة وفيها أعداد سكانية لا يُستهان بها، وفي خضم كل ما يحصل في الشرق الأوسط ترون ان لبنان من دون رئيس للجمهورية، حكومته شبه مشلولة ومجلس النواب مقفل، ولكن منذ شهرين أجرينا انتخابات بلدية كانت مثالية وكأنها تحصل في أوروبا وكأن لا حروب دائرة من حولنا في المنطقة، وكأن “داعش” ليس قريبا من حدودنا، وهذا دليلٌ على ان بلدنا لديه جذور عميقة، فدول الغرب كانت تعتبر ان لبنان هو الحلقة الأضعف في هذا الشرق ولكن تبيّن أنه الحلقة الأقوى…”
وأكّد ان “أهم خطوة قام بها حزب “القوات اللبنانية” منذ 35 عاماً كانت في 18 كانون الثاني 2016 حين أقدمنا على ترشيح العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية، البعض في الحزب ربما عارض أو لم يكن مرحباً بالأمر نظراً للتاريخ الثقيل والمؤسف الذي بات خلفنا، ولكن لم يمر في تاريخ لبنان حزبٌ قام بخطوة كالتي قمنا بها لسبب بسيط أن المصلحة اللبنانية العليا تقتضي ذلك فقط لا غير”.
وأضاف: “لقد اجتمعنا مطولاً في الهيئة التنفيذية على مدى ليالٍ وفكرنا مطولاً بموضوع دعم ترشيح العماد عون الى الرئاسة. لقد كانت خطوة صعبة من الناحية النفسية ولكن، على الرغم من كل الصعوبات والتاريخ والأجواء المشحونة أقدمنا على خطوة بإمكانها أن تكون مثالاً في تاريخ لبنان الحديث. فمنذ الاستقلال حتى اليوم لم ينسحب أي مرشح رئاسي للآخر، وقد رأينا انه عبر هذه الخطوة بإمكاننا تحقيق اختراق في الوضع الحالي لأنه ليست لدينا أحقاد شخصية وليست القضية بالنسبة لنا مسألة مواقع سياسية”.
وجدد جعجع التذكير بأن “إيران تُعطل الانتخابات الرئاسية في لبنان من خلال “حزب الله”، وقد تبيّن تباعاً أنها تقوم بهذا الأمر لأنها تريد بديلاً عن الانتخابات الرئاسية في لبنان إذ تعتقد ان دول الخليج والغرب لديها مصالح كبيرة فيه، فإيران تريد مقابل الإفراج عن الرئاسة في لبنان أن يسير الغرب ودول الخليج معها لإبقاء بشار الأسد في سوريا، ولكن بالطبع لم يسر أحد بهذا الطرح. وقد شاءت الظروف ان إيران و”حزب الله” لا يستطيعان التعطيل من دون العماد عون الذي لديه قناعة أنه الأحق برئاسة الجمهورية”.
وختم جعجع: “أردنا فك الحصار عن رئاسة الجمهورية وكان لدينا حلٌ من اثنين، إما إقناع “حزب الله” وإيران بفك الحصار وهذا أمر غير ممكن نظراً لحسابات إيران الاستراتيجية ولا سيما بعد أن استثمروا الكثير في سوريا من أجل بقاء الأسد، ولكن أنا أؤكد لكم ان الأسد لن يبقى في سوريا، وإما السير بالجنرال عون لرئاسة الجمهورية كي نفك التعطيل ونضع إيران و”حزب الله” في مأزق. وما عزز هذا الأمر هو ترشيح النائب سليمان فرنجية وبالتالي انحصر الخيار في فريق 8 آذار، لهذا فضّلنا دعم عون وقد لخبط هذا الترشيح المعادلات في لبنان وبدّلها، ونحن مستمرون بالضغط لتأمين النصاب المطلوب لإيصال العماد عون الى رئاسة الجمهورية”.
وكان اللقاء الاغترابي قد استُهل بالنشيدين الوطني والقواتي والوقوف دقيقة صمت عن راحة أنفس شهداء القاع، وتم عرض فيلم وثائقي عن نشاط “القوات” في الانتشار، كما ألقى رئيس قطاع الانتشار أنطوان بارد كلمة ترحيبية ذكّر فيها بالأعمال التي تقوم بها مراكز ومكاتب حزب “القوات اللبنانية” في مختلف أنحاء العالم.
