#adsense

هون بشري أهلا بربكن…

حجم الخط

ثمة عبق هنا غير بخور الأرز المتناهي من الغابة، لا أعرف ما إذا كان ذاك عبق من يحب تلك الأرض فيظن أنها لا ترشح إلا عطرا، أم هي كذلك حتى لمن لم يزرها يوما أو ربما يكرهها إذا ما اعتبر أنها ملكية خاصة لسياسيي المكان أو ما شابه. لا داع للجدل هذا مكان لا يحتمل جماله الجدل، الحلا فاقع الى درجة أنه يفرض وجوده بحدة ويقول لك، أحببت أم لا أنا هنا بشري جارة الأرز صلّب إيدك ع وجّك قول للأرز صباح العز وانطلق في الجولة. أخبارنا كثيرة وينتظرنا مهرجان كبير ونحن نرقص حتى قبل أن يعلن الضوء لحظة الانطلاق. إذن نحن في بشري…

تعرف فورا أنك دخلت قرى قضاء بشري، ليس الأحراج والسنديانات وحسب، إنما تلك النظافة. أين قمامة الدهر التي طُمرنا بها لشهور؟ أساسا لم تعانِ قرى القضاء وبلداته تلك المصيبة، فكيف وهي تستعد الآن لاستقبال آلاف الزوار في زمن مهرجان الأرز الدولي وصيفية واعدة حافلة بالنشاط؟

“أهلا بربّك”، هكذا يستقبل أهل بشري الزوار، هذه عبارة exclusive خاصة بهويتهم، وربّ أهل بشري قريب جدا بالنسبة إليهم، هو هنا على مسافة فشخة يتجوّل في غابة الأرز وينزل على مهل على مهل ليتجوّل بحرية أكبر بعد تحت في وادي قنوبين، بين الوادي والجبل تعبق تلك الروح، هنا الكثير من العنفوان ولا أعرف ما إذا كان جبل نيحا هو سبب العدوى أم هو تاريخ نضال المسيحيين والقديسين والنساك هنا، جعل من العنفوان الخبز اليومي للناس قبل خبز المعاجن. جميلة تلك القطعة من لبنان، وأحلى ما فيها أن من بين الكثير من تفاصيل المدينة، تطلع الكثير من تفاصيل الضيعة التي لم تهجر مكانها ولم تسمح للمدينة أن تبتلعها.

هنا الفلاحون، وهنا البناؤون، وهنا النجّارون، وهنا جبران خليل جبران، وهنا أيضا الصاج والمنقوشة والمؤونة والوجاق والحطب المتراكم للشتاء القريب دائما، وهنا الآن في عز الصيف موسم المواسم، تحضيرات الناس لمهرجانات الأرز الدولية.

تفلش بشري مواسمها لعيون المتهافتين إليها، المواسم هنا من كل شي قطفة قطفة، لا نحكي عن موسم التفاح تحديدًا، تفاح بشري ذاك المقرمش حلاوة، نهرب من القلق الساكن في عيون الفلاحين على تصريف موسمهم ونذهب باتجاه الأسواق، قد لا تتسع الشمس فوق لتغطي كل تلك المساحات الواسعة الضيقة في الشوارع العريضة في الأزقة الصغيرة، كل شيء هنا موجود، لزمن طويل كان الانتظار يذهب غالبا هباء. منذ نحو عشرة أعوام تغيّر الكثير هنا، دخل الإنماء من بابه الواسع وعاد القضاء الى خريطة لبنان الإنمائية “صار في مين يسأل عنا” يقول العم زخيا.

الكل في المكان يتحدث عما ينتظره، العام الماضي كان الاختبار الأول لأهل المنطقة، نجحوا به نسبيا، إذ ما كانت استعداداتهم متكاملة كما هو الحال عليه هذه السنة، بعض تلك الثغرات التي حصلت هناك وهنالك لن تحصل هذه السنة، إذ إن الاستعدادات تبدو في عزها خصوصا مع تدخل كبير وواضح لبلدية بشري الجديدة “لوجستيا نحن نساهم بكل شي لأن ريع المهرجان لأهل المنطقة ونحنا معنيين مباشرة بكل  شي بيدور حول المهرجان” يقول رئيس بلدية بشري فريدي كيروز. استعدادات البلدية شملت القطاعات كافة وخصوصا الفنادق والمطاعم، ولأجل الغاية أقامت البلدية بالتعاون مع نقابة الفنادق، دورة تدريبية على مدى يومين لكيفية خدمة الزبائن، وستؤمن البلدية خدمة سياحية مجانية الى أربعة معالم سياحية ودينية في البلدة لحاملي بطاقات المهرجان “والأهم بالموضوع أننا فرضنا على كل هالقطاعات وضع لايحة أسعار واضحة  ضمن الأطر القانوينة حتى ما يصير في أي تلاعب على حساب الزوار” يؤكد كيروز.

حتى اللحظة فنادق وشاليهات المنطقة إكتملت حجوزاتها، وبشري التي تشهد عادة زحمة بين شهري تموز وآب، تعيش الآن الذروة في حركتها الاقتصادية بسبب المهرجان “لدرجة إنو بعض المستثمرين بلّشوا يحضروا لبناء فنادق ومطاعم جديدة بالمنطقة، ما فيي خبرك هالمهرجان شو أثّر علينا إيجابا إضافة طبعا الى إنو حركة النائبين ستريدا جعجع وإيلي كيروز بهالكم سنة الأخيرة رجّعت قضاء بشري بقوة على الخارطة السياحية بلبنان” يقول كيروز بسعادة بالغة.

البلدية التي تعاونت مع اتحاد البلديات، تقوم بحملات نظافة دورية ومكثّفة ليبقى القضاء واجهة براقة تشع بالأخضر المترامي على جوانبها، وذلك إضافة الى التعاون الأمني المتواصل مع الأجهزة الأمنية كافة “ما بدنا نترك ولا ثغرة، هيدا المهرجان بيعنينا مباشرة وبدنا نستقبل الناس ونكون بأحلا حالاتنا” يقول كيروز الذي دخلت بلديته ما يشبه حال التحدي لإثبات القدرة على التحضير ومواجهة حدث  فني سياحي كبير بحجم مهرجان الأرز، خصوصا أن من المتوقع أن يتجاوز عدد الزوار العشرين ألفا في أيام قليلة “نعم هيدا تحدي كبير إلنا تـ نثبت أننا على  قدّ المسؤولية الأمر اللي تطلّب منا استنفار كل عناصرنا وأجهزتنا وقدراتنا، وبتحسّي الناس مهتمة وبدها تنجّح المهرجان وتتعاون معنا بطريقة كتير حلوة وإيجابية”.

فوق بين الأرزات على أرض المهرجان، اكتملت التجهيزات وما تبقّى سوى تلك اللمسات الأخيرة، العمل هناك ليل نهار، اللجنة المنظمة، التقنيون، المهندسون، الفريق العامل، خلية نحل تقطعها من حين لآخر النائب ستريدا جعجع بزيارات تفقدية للاطمئنان، صرنا نعرف كل تفاصيل المهرجان وما تبقى لنا سوى انتظار المفاجآت المنتظرة، أما ما يحيط بالمهرجان فحدث آخر، قالوا لي أن أهل بشري لا ينامون هذه الأيام، إذ تبدو المدينة وكأنها عروس تتحضّر لعرسها، تلملم بشري تفاصيلها التائهة وتضعها في تصرّف تفصيل واحد، استقبال صيف المهرجان كأفضل ما يليق بأهل المكان وبالضيوف. في العادة تشهد المنطقة حركة اقتصادية ناشطة بين تموز وآب، لكن الحركة الآن تفوق العادة، “من رغيف الخبز لمحطة البنزين لبياعين التذكارات والله مش عم نلحّق أيش بدي قلّك يا بنتي الحمدلله الموسم مبلش منيح بلكي مننسى شو ناطرنا بمصيبة موسم التفاح” يقول بو بشير “بس نشالله بيطلع بإيدو  الحكيم لـ مش تاركنا وكل يوم بيعمل اتصالاتو مع الوزير تـ يلاحق الموضوع”.

قلق بو بشير الفلاح على موسم التفاح يغرقه كما كثر هنا بالاستعداد لصيفية “حامية” كما يقول الناس فوق، حماوة تنسحب على المرافق كافة، ابتداء من محطات البنزين الى المطاعم الى المحال التجارية على أنواعها، وخصوصًا الحرفيين الذين ينتشرون بكثافة عند مداخل الغابة “إن الله راد الموسم أبيشكي من شي السنة، خليكن هون أتفلّوش وشوفو بشري ما أحلاها هالإيام” يقول بشراوي بلهجته البشراوية الأصيلة ويسألنا كمن يعرف الإجابة مسبقا، وأساسا لن يتقبل أي إجابة مغايرة، عما إذا كنا سنحضر بالتأكيد المهرجان “منزعل والله إذا ما جيتوش ونمتوا عنا”، نضحك ونجيب بلغته “يسلملي قلبك أكيد جايين”…

لا يمكن أن تزور بشري وتعود هيك ع الرواق من دون أن يقبض عليك أهل المكان ويأسروك في ضيافتهم، “المسيرة هون وموقع “القوات” يقبرني رب الله لـ خلقكن ويقبرني الحكيم”. من القلب تضحك لذاك الحب المجاني العفوي المتماهي مع قلبك مباشرة هكذا من دون استئذان ولا صخب، تحاول أن تجد مخرجا لائقا مقنعا، أي مخرج، ليس لأنك لا تحب تلك الضيافة الطيبة، ولكن لأن الخجل يأخذك الى أبعد من القبول، وأنت مستعجل العودة لتكتب ضميرك على صفحة المجلة، وضميرك المهني لا يمكن أن يُسقط من كتاباته الحماس الذي يعيشه أهل بشري لمهرجانهم الدولي، ولا لمنطقتهم التي تستعيد ثوبها المتألق، يريدون أن يزدهروا، أن يفرحوا، أن يبيعوا مواسمهم، أن تمتلئ فنادقهم ومطاعمهم والخير كثير وفائض، أن يعيشوا الحدث حتى الثمالة، هو صيف ويعبر فلتمتلئ خوابي المكان من الخيرات ليش لأ، ألا يكفي سنين قهر عابرة؟ ألا تستحق بشري كل ذاك العز؟ هنا بشري أهلا بربكن راجعين الى ليل المهرجانات…

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل