عامان على الثاني من آب، والانتظار يجلد أهالي العسكريين المخطوفين التسعة لدى داعش بسوط الاحتمالات: ماذا عن أحوالهم؟ أيعيشون في المغائر؟ الكهوف؟ على الجبهات؟ الحدود؟. يجوعون؟ يمرضون؟ يتألمون؟ يبكون ؟ يضحكون؟.. أم تراهم ملّوا تعداد الأيام ودخلوا في لعبة الوقت الضائع وفي انتظار الآتي من خارج جداول يومياتهم التي ليس فيها فرح ولا لون.
وإذا كانت هذه أحوالهم، ليست أحوال أهاليهم بأفضل، في مقارعتهم حياة الخيم مفترشين ساحة رياض الصلح بحرّها وزمهريرها. هناك في ما يسمونه «مركز قرارهم»، تجري محاولات تسكين الوقت بأسرّة وتلفاز وهاتف وجريدة تحمل مرة أخبارا بيضاء ومرارا رمادية، وهم اعتادوا الوعود والأخبار المتواترة من هنا وهناك عن وساطات وحلول وعودة قريبة.. واعتادوا أيضاً أمسيات تردهم إلى ما قبل السنتين، إلى حياة كانت طبيعية بعائلة وزوجة وأولاد وأطفال منتظرين.
وفي الخيم حياة في صور، يقلبها حسين يوسف والد الجندي محمد يوسف من بلدة مدوخا البقاعية، وكأنها التقطت لابنه حديثاً هو الذي يرفض تذكر ملامح ابنه المنهك بعد الأسر. يقارب الصور بغصة بين الابن والحفيد الذي خطا قبل أكثر من عام خطواته الأولى في غياب والده، ثم أنه يعلق: “عندن نفس الضحكة. نفس الوقفة.. بيشبهو كتير”.
ومن فنيدق العكارية إلى قلب بيروت ومن ثمّ عرسال، حفظ مقبل ابن العسكري المخطوف خالد مقبل حسن ملامح الطريق التي لم ترد إليه والده بعد. يعدّ على أصابعه، ويواسي أخته أزاد، ويواسي ماريا ابنة المعاون ابراهيم مغيط ابن بلدة القلمون الشمالية، والأخيرة ولدت في غياب والدها: ” رح يرجعوا ومعن هدايا كتير..كلن قالولي هيك”.
وفي مزرعة الشوف ينتظر كل من تامر ولؤي عودة والدهما الجندي سيف ذبيان، وفي حورتعلا أبناء خمسة ينتظرون العريف علي زيد المصري، ومثل أحوالهم تنتظر والدة الجندي علي الحاج حسن من شمسطار أن تلاقي ابنها بالأزهار والأرز تماما كما حصل مع العسكريين الـ16 المحررين. تستعيد فرحة ذلك اليوم، مبادرة: «الله كريم.. إلا لتكتمل الفرحة شي يوم ويرجعوا». وفي اللبوة وبرالياس وفنيدق مجدداً آباء وأمهات وزوجات لا زلن يسايرن الانتظار على أبواب العام الثالث، فهل من نداء؟ وهل من خبر؟.