خاص “المسيرة” – واشنطن: نائب الرئيس أولاً…”توازن رعب” بين ترامب وكلينتون

بدأت حماوة المعركة الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة تزداد حدة متخطية حدود الارتفاع غير المسبوق في الحرارة المناخية التي وصلت إلى نحو 40 درجة مئوية. فبعدما انحصرت المعركة بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون اللذين اختارا مرشحيهما لمنصب نائب الرئيس، باتت كل أسلحة التنافس مباحة بدءاً بالشؤون العامة حتى الأمور الشخصية، وفيها يستخدم المرشحان ومساعديها كل أساليب إطلاق الهجمات على الخصم، لكي يستطيعوا استمالة الناخب الأميركي الذي سيقرّر في نهاية اليوم الانتخابي في الثامن من تشرين الثاني المقبل، هوية الرئيس المقبل للولايات المتحدة الأميركية. 

حملات عنيفة تعرّضت لها المرشحة كلينتون من قبل معظم المتحدثين في مؤتمر الحزب الجمهوري على خلفية سلسلة من الملفات والقضايا التي واجهتها يوم كانت وزيرة للخارجية ومنهم من كان قاسياً جداً عليها مثل حاكم ولاية نيوجرسي كريس كريستي وصولاً إلى المرشح الرسمي نفسه دونالد ترامب، فهذا الإفراط في الهجوم على كلينتون له مبرراته لدى صقور المؤيدين لترامب ولوصول الحزب الجمهوري مجدّداً إلى الرئاسة، حيث تقضي الخطة بإنهاك كلينتون أمام الناخبين على أمل الانقضاض على فرصتها الوحيدة للدخول إلى البيت الأبيض من جديد ولكن هذه المرة كرئيسة وليس كسيدة أولى، وتلافياً لتكرار عهد الرئيس الحالي باراك أوباما لولاية ثالثة بشخص كلينتون.

هذا الهجوم الحاد دفع بعدد من القادة والسياسيين الديمقراطيين إلى الردّ عليه حتى قبل انعقاد مؤتمر الحزب الديمقراطي، فبعد توضيحات ردود الرئيس الحالي باراك أوباما حول سلسلة من الأمور الداخلية التي تطرّق إليها ترامب في كلمته التي قبل فيها ترشيح الحزب الجمهوري، معتبراً أن البلاد أفضل اليوم مما كانت عليه أيام رونالد ريغان، أو جورج بوش الإبن، قامت هيلاري كلينتون بالتأكيد جازمة أن دونالد ترامب لن يدخل البيت الأبيض وبالتالي لن يكون الرئيس المقبل للولايات المتحدة، وأعقبت هذا الموقف الحاسم بخطوة لم تكن في الحسبان على صعيد اختيار الشخصية التي ستخوض الانتخابات الرئاسية على بطاقتها في منصب نائب الرئيس، وأجمع المراقبون في واشنطن على أن قرار كلينتون المفاجئ اختيار السناتور تيم كاين لهذا المنصب في الحملة الانتخابية، شكل خطوة لإعطاء دفع لهذه الحملة بعد وقوعها تحت وطأة ضغوط منافسها واعتبارها غير مؤهلة قانوناً لخوض الانتخابات.

ترامب وكلينتون والأسلوب ذاته

بعد توسيع مروحة التوقعات حول الشخصية التي ستختارها كلينتون لتكون في منصب نائب الرئيس لاحظ مراقبون في واشنطن أنها اعتمدت الأسلوب ذاته الذي إعتمده دونالد ترامب بحيث يشكل المرشح لمنصب نائب الرئيس رافعة أساسية للمرشح الرئيس من أجل أن يضمن له حظوظ الفوز بشكل أكبر.

فبعدما إستعد عدد من شخصيات الحزب الجمهوري الذين عارضوا المؤسسة الحزبية منذ بدء حملة ترامب وأيدوه علناً مثل حاكم ولاية نيوجرسي كريس كريستي، ورئيس مجلس النواب الأسبق نيوت غينغرتش، أو حتى المرشح السابق الأسود طبيب أعصاب الدماغ بن كارسون، إلا أن ترامب إختار حاكم ولاية إنديانا مايك بنس ليكون على بطاقته الانتخابية في منصب نائب الرئيس، وبحسب المراقبين فإن بنس، يتمتع بتأييد عدد لا بأس به من قادة الحزب الجمهوري المحافظين والمعتدلين على حدّ سواء، من خلال المواقف التي أطلقها طيلة حياته السياسية، وقد تمكّن بنس، بصفته عضواً في الكونغرس وحاكماً، من بناء شبكة واسعة من الحلفاء الحزبيّين والحفاظ على سمعة طيّبة في أوساط المشرّعين والمسؤولين الحزبيّين على حدّ سواء.

وتولّى بنس لمدّة عامين منصب رئيس المؤتمر الجمهوريّ في مجلس النوّاب، وهو المنصب الرابع من ناحية الأهميّة، وترأس أيضاً لجنة الدراسات المحافظة التابعة للحزب الجمهوريّ ، فعمل عن قرب مع جمهورّيين بارزين آخرين في الكونغرس ومع الأعضاء الحزبيّين.ووصف رئيس مجلس النوّاب السابق جون بينر بنس بأنّه قائد استثنائي، ورجل ممتاز. وقال رئيس مجلس النوّاب الحاليّ بول راين إنّه “لا يجد خياراً أفضل” من بنس لتولّي منصب نائب الرئيس. وقال راين: نحتاج إلى شخص ثابت وراسخ في مبادئه، شخص يستطيع وضع حدّ للترّهات وترسيخ مبادئ المحافظين. ومايك بنس هو الرجل المناسب لذلك. أما زعيم الأكثرية في مجلس الشيوخ ميتش فرأى أن بنس هو رجل محافظ ذو مبادئ وإيمان، ورسول موهوب للأفكار الجمهوريّة. وإنّ قيادة مايك في إنديانا والكونغرس تخوّله تماماً تولّي منصب نائب الرئيس.

وفي الضفة المقابلة على خط الحزب الديمقراطي لم تختر كلينتون شخصية من اليسار المتطرف ولا عضو مجلس الشيوخ المناهضة لـ وول ستريت إليزابيث وورن ولا خصمها السابق في الانتخابات التمهيدية السناتور بيرني ساندرز، بل شكلت مفاجأة بإعلانها ترشيح عضو مجلس الشيوخ تيم كين لمنصب نائب الرئيس وهو السناتور عن ولاية فرجينيا التي تعتبر من الولايات المتأرجحة Swing State  فبعدما كانت هذه الولاية تعتبر تاريخياً بأنها مع الجمهوريين حقق الديمقراطيون عبر شخصيات مثل كين وغيره تقدّما مهما في الأعوام السابقة مما جعلها تميل للحزب الديمقراطي، ويخسر فيها المرشحون الجمهوريون في مجلس الشيوخ مقعديهما، وحقق فيها الرئيس الحالي باراك أوباما في انتخابات عام 2012 الفوز على منافسه ميت رومني.

إختيار كين

ولذلك جاء خيار كلينتون لشخصية مثل كين وهو يتمتع بخبرة سياسية وانتخابية على حد سواء لكي تضمن التقدّم في هذه الولاية المتأرجحة والكبيرة. إشارة أن مساحة ولاية فرجينيا تبلغ عشر مرات أكبر من مساحة لبنان.

تولى كين عمدة مدينة ريتشموند عاصمة فرجينيا بين العامين 1998 و2001 وحاكما لولاية فيرجينيا بين 2006 و2010 ورئيسا للحزب الديموقراطي بين 2009 و2010. وهو عضو في مجلس الشيوخ منذ العام 2013. وفي السياسة الخارجية، يعتبر كين من خط الوسط ومتطابق لكلينتون بحضه على إقامة مناطق آمنة في سوريا، وتأييد الاتفاق النووي مع إيران. كما تربطه علاقات جيدة بالمنطقة، كونه يرأس لجان العلاقات الخارجية والخدمات المسلّحة، وزار عواصم شرق أوسطية عدة العام الماضي، منها عمّان وبيروت والقاهرة. وداخلياً، يساعد اعتدال كاين التذكرة الديموقراطية بجذب الجمهوريين المعارضين لترامب، والتأثير في ولايتي بنسلفانيا وفلوريدا الحاسمتين. وهو متزوج من قاضية وله إبن في الجيش الأميركي. وفي أول ظهور انتخابي له مع المرشحة كلينتون في تجمع انتخابي في مدينة ميامي في ولاية فلوريدا، حيث جاء خيار فلوريدا كأول تجمّع لكلينتون وكين بسبب الأقلية اللاتينية هناك، تحدّث كاين بفصاحة بالإسبانية التي تعلمها حين كان مبعوثاً للكنيسة الكاثوليكية في هندوراس عام 1981. وهو من مواليد ولاية مينيسوتا ويتحدر من من أصول إيرلندية، ومعــروف بنشأته المتواضعة بين الطبقة العمالية، ما سيساعد في جذب هذه الشريحة المتحفّظة بعض الشيء على كلينتون.

وشنّ كين أيضاً حملة على  ترامب في عدد من قضايا السياسة الخارجية وقال عنه إنه قد لا يلتزم بالتعهدات الأمنية الأميركية لحلف شمال الأطلسي في أوروبا، مشيرًا الى بعض محطاته التاريخية كإفلاس الكازينوهات وتأسيس جامعته الفاشلة.

في المقابل رأى مراقبون أن اختيار كلينتون ل كين ليكون المرشح لمنصب نائب الرئيس قد يشكل ضررا لمساعيها للتواصل مع الناخبين المنحدرين من أصول أفريقية نظرا لتأييد كين لأساليب في مجال مكافحة الجريمة ساهمت في زيادة عدد السجناء في الولايات المتحدة ولم تلق أي شعبية بين مجتمع السود.

وكان مشروع إكزايل الذي تم إلغاؤه والذي دعمه كين استثنائيا بدرجة جعلته يحظى بتأييد الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء كما حصل على دعم من أكبر مجموعة ضغط ضد حمل السلاح في الولايات المتحدة وأنصار السيطرة على حمل الأسلحة. لكن البرنامج الاتحادي الذي انطلق عام 1997 في مدينة ريتشموند في ولاية فرجينيا واجه انتقادات آنذاك بوصفه مبادرة متحيزة عنصريا تخضع الشبان السود المدانين للسجن لفترات طويلة.

موزاين المعركة الانتخابية

بعدما رست المنافسة الانتخابية الرئاسية على بطاقتي ترامب – بنس، وكلينتون ـ كين، تنطلق الحملات الانتخابية بضراوة بين معسكري الحزبين الديمقراطي والجمهوري، على الرغم من أن عدداً من المراقبين يلاحظ عدم تكافؤ في مستوى الدعم الذي يحظى به كل مرشح من قبل قيادة حزبه، فعلى الرغم من خيبة بيرني ساندرز من عدم اكماله السباق الرئاسي إلا أنه سيقف إلى جانب كلينتون من أجل هزيمة مرشح الحزب الجهوري. وفي المقابل، بدا واضحاً أن دونالد ترامب وعلى الرغم من ترشيحه رسميا من قبل حزبه إلا أن المؤتمر العام في مدينة كليفلاند شهد غياباً لافتاً لأبرز قيادات الحزب الجمهوري فلم يحضر الرئيس الأسبق جورج بوش الأبن ولا والده الرئيس الأسبق، ولا حتى أخوه المرشح السابق، وشهد المؤتمر غياب عدد كبير من أعضاء الكونغرس بمجلسيه، وعليه تبدو مهمة ترامب الانتخابية شاقة بعض الشيء مقارنة مع ما تحظى به كلينتون من دعم من قبل المؤسسة الحزبية ومن كبار رجال الأعمال والشركات. وتبقى حظوظ ترامب في الفوز في الانتخابات متوقفة إلى حد كبير على مزاج الناخب الأميركي، فعليه تقع مسؤولية الاختيار فإذا أراد هذا الناخب التغيير ورفض عودة الديمقراطيين مرة ثالثة إلى البيت الأبيض ترتفع عندها حظوظ ترامب الذي لا يزال يراهن أيضاً على حركية الأحداث والقصص القاتلة بالمفهوم الانتخابي ففي حال بروز قضية مثيرة مجدداً في وجه كلينتون يستطيع عندها ترامب استثمارها بحدودها القصوى لتغيير مزاج الناخبين نحوه.

وفي موازاة الرهان على الوتر الشعبي، فإن نظام الانتخابات العامة ولا سيما الرئاسية منها هو أشبه بعملية معقدة ومتشعبة في حدّ ذاتها. وعلى عكس أنظمة رئاسية عدة في مختلف أنحاء العالم، يتم اختيار الرئيس الأميركي وفقاً لعملية غامضة تعرف باسم المجمع الانتخابي (Electoral College) بحيث تُعطى كل ولاية عددًا من “الناخبين”، ويتمّ عادةً احتساب عددهم على أساس عدد سكان كل ولاية. (يستند هذا التوزيع رسمياً على أساس مجموع عدد الممثلين من كل ولاية في مجلسيْ النواب والشيوخ في الكونغرس). ويكون لكلّ من الولايات التي تضمّ أقلّ عدد من السكان 3 ناخبين على الأقل، في حين تحظى كاليفورنيا بالعدد الأعلى البالغ 55 ناخبًا.

في الانتخابات العامة، تعطي كلّ ولاية ناخبيها للمرشح الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات الشعبية على مستوى الولاية. على سبيل المثال، في انتخابات العام 2012، حصل باراك أوباما على الأصوات الانتخابية الـ55 في ولاية كاليفورنيا لأنه حصل على 60 في المئة من الأصوات هناك. وفي المقابل، نال ميت رومني جميع الأصوات الانتخابية الـ38 في تكساس لأنه حصل على 57 في المئة من الأصوات في الولاية.

ومجموع أصوات الكلية أو المجمع الانتخابي هو 538 ناخباً موزّعين على الولايات الأميركية. والمرشح الفائز هو من يحصل على 270 صوتاً انتخابياً على الأقل في المجمع الانتخابي. ويتم اعتبار هذا الشخص الفائز في الانتخابات الرئاسية.

فمن سيحصل على هذا الرقم؟ ترامب الوافد حديثاً الى السياسة الأميركية من عالم الأعمال قافزًا فجأة الى عتبات البيض الأبيض؟ أم هيلاري كلينتون التي كانت سيدة البيت الأبيض من العام 1993 حتى العام 2001 الى جانب زوجها الرئيس قبل أن تتسلم مهماتها الى جانب الرئيس باراك أوباما؟ 

إطار 

استقالة رئيسة الحزب الديمقراطي

الروس يدعمون ترامب؟

قبيل ساعات من انعقاد مؤتمر الحزب الديمقراطي في مدينة فيلادلفيا، وفي سياق استخدام مختلف الأسلحة المباحة سياسياً وفضائحياً في الانتخابات الرئاسية الأميركية هذه السنة، والتي تظهر مدى التباينات والخلافات التي يشهدها كل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، استقالت رئيسة الحزب الديمقراطي الأميركي “ديبي واسرمان شولتز” وسط ضجة سياسية حول رسائل مسربة بالبريد الإلكتروني مما أثار حالاً من الفوضى داخل الحزب.

وتجدد الصراع بين كلينتون ومنافسها السابق السناتور بيرني ساندرز على نيل ترشيح الحزب الديمقراطي بعد ظهور أكثر من تسعة عشر ألف رسالة مسربة بالبريد الالكتروني.

وتشير تلك الرسائل المسربة من قبل وكالة ويكيليكس إلى أن اللجنة الوطنية في الحزب الديمقراطي التي تمثل الذراع الإدارية بالحزب كانت تفضل مرشحا على آخر أثناء السباق. وقالت واسرمان شولتز في بيان الاستقالة إن أفضل طريق يساعد الحزب الديمقراطي على تحقيق هدفه بوصول كلينتون إلى البيت الأبيض هو الاستقالة.
فقد نشر موقع ويكيليكس مجموعة من الرسائل الالكترونية لعدد من كبار المسؤولين في الحزب تشتمل على رسالتين تشيران الى جهود داخلية لعرقلة حملة ساندرز الانتخابية اثناء منافسته لكلينتون، ومن بينها محاولة اظهاره كملحد لتقويض تأييده في الولايات المتدينة.

وكان ساندرز، السناتور عن ولاية فيرمونت، قد دعا مجددا الى استقالة شولتز التي تتعرض لانتقادات بعد ان شككت التسريبات في حيادها. وصرح ساندرز لشبكة ايه بي سي الاخبارية “يجب ان لا تكون ديبي شولتز رئيسة للحزب  واعتقد ان الرسائل الالكترونية هذه تؤكد السبب الذي يدعو الى ان لا تكون رئيسة.

وقالت أوساط كلينتون ان القراصنة الروس الذين يشتبه في أنهم سرقوا الرسائل قد فعلوا ذلك من أجل مساعدة دونالد ترامب. وفي هذا السياق، رجح مدير حملة كلينتون، روبي موك لقناة “اي بي سي” أن قراصنة روس قاموا بتسريب رسائل البريد الإلكتروني التابعة للجنة الوطنية الديمقراطية في محاولة لمساعدة دونالد ترامب على الفوز في الانتخابات في تشرين الثاني. وأضاف: “لا أعتقد أنه من قبيل الصدفة أن يتم الإفراج عن هذه الرسائل عشية انعقاد مؤتمر الحزب”.

وكشفت شبكة “سي أن أن” الإخبارية أن قراصنة سرقوا الأبحاث على دونالد ترامب من الخوادم الخاصة بالحزب الديمقراطي في منتصف شهر حزيران، ورجحت المعلومات أن مجموعتين قادتا الهجوم الإلكتروني وهما على صلة بالاستخبارات الروسية.

أما حملة ترامب فردّت على تعليقات موك، بالقول إن  كلينتون تفعل وتقول أي شيء من أجل تحقيق الفوز، ووصف المتحدث باسم ترامب ما قاله مدير حملة كلينتون عن محاولة دعم الروس لترامب بأنه مزحة، وكرّر القول إن كلينتون ستفعل كل هو متاح لكي تتشبث بالسلطة ولو من خلال تزوير النظام.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل