#adsense

الجيش والشعب ضامِنٌ ومَضمون

حجم الخط

بمناسبة عيد الجيش اللبناني، لن أكتب المعلّقات المدحيّة التي لا تكفي كلّها لتوصيفه، ولتأكيد التفاف الشعب حوله، وحوله فقط. لكنني سأجدّد الحديث على موضوع، هو في اعتباري الهدية الوحيدة التي ينبغي أن نسعى كلّنا لتقديمها الى جيشنا الذي لا نثق إلاّ به حامِياً وحيداً للوطن أرضاً وشعباً. هذا الموضوع المركزي هو مسألة تسليح الجيش.

إنّ هذه المسألة قسَمت الناس، في الواقع، الى غالبية اعتبرتها أولوية مطلقة، والى أقليّة تعمل جاهدة، في الداخل والخارج، على إطلاق حملة مسعورة مضادة لها ولأغراض مشبوهة. وقد سَعَت هذه الأقلية الى طَي ملفّ هذه المسألة ليجري تمييع البحث فيها وتسويف اتخاذ القرارات بشأنها.

يحدَد قاموس الجيوش العالمي شروطاً أساسية لاعتبار القوة العسكرية لدولة من الدول، قوة مؤهَلة للقيام بواجب الدفاع عن الوطن. وأول هذه الشرائط أن يمتلك الجيش القدرات المادية من أعتدة وأسلحة متطورة، يستعملها بكفاءة لدرء الخطر عن مكوَنات الوطن أي الأرض والشعب. وفي أحيان كثيرة، وتِبعاً للقاموس العسكري نفسه، يستطيع المتفوَق على مستوى الأسلحة ان يحسم نتيجة المعركة أو الحرب لمصلحته. أما ثاني الشروط، فيشير الى تمتَع عناصر الجيش بالجدارة القتالية، وبشجاعة في مواجهة الخطر من دون أيَ خوف أو تَراجُع.

وفي هذا الأطار يمكن أن نقف، في قسمي تاريخ الجيش اللبناني القديم والحديث، على نماذج رائعة خطَت الكثير من مشاوير البطولة في قواميس الأزمنة. إنَ الباحث في المواجهات الحربية المتعاقبة يصل الى نتيجة حتمية وهي أنّ توفَر هذين الشرطين يؤدَي غالباً الى النصر (ونعني هنا النصر الموثَق وليس النصر الوهمي أو المدَعى). أما الغريب الرائع فهو أن يستطيع فيلق قليل العدد ولا يمتلك من السلاح إلّا “الخردة”، أن يُحبط جيشاً مدجَجاً مدرَباً مدعوماً، وذلك باستخدام سلاح الشجاعة والأستبسال والثقة بالنفس. وهذه بالذات كانت حال الجيش اللبناني الموجود على الحدود الجنوبية في مقابل أعتى جيوش المنطقة.

أما ثالث الشروط، فأن يتكوَن للجيش بيئة حاضنة تؤمن به وبالقضية التي يدافع عنها، وتؤمّن

له الخلفية الدّاعمة. وهذه هي حال الشعب اللبناني برمَته والجنوبي على وجه الخصوص، والدليل أنَ الجنوبيّ، في زمن المواجهات بين الجيش اللبناني والعدو الإسرائيلي، لم يَنزَح عن أرضه وقريته،على الرّغم من مَخاوفه المَبنيَة على تَجارب سابقة باهِظة الكِلفة بَشراً وحجراً وتهجيراً.

أمام هذه الوقائع لا يمكن أن نسمح بِتَجاهُل مطلبٍ حيويٍ أساسيٍ وإلزامي، هو تسليح الجيش. فأذا أجرينا إحصاءً ميدانياً، نستطيع أن نتوصّل الى أن الشعب برمّته يقف خلف جيشه الوطني من دون أيَ تردَد، فيشكَل بذلك دِرعا واقيةً وتَحصينا غيرَ قابل للزعزعة، لأنه يجد في جيشه الضمانةَ الوحيدة لِصَون الوطن والدفاع عن قضيته. وبالإضافة الى سلاح التأييد والدعم الشعبي، وهو من المقوّمات الضرورية، يتطلَب أن يكون الجيش ممتلِكاً لأحدث الأمكانيات القتالية، أي التكنولوجيا العسكرية المتطورة التي توفَر له عامِلَي القدرة والثقة في المواجهة.

ولهذا الغرض، على المسؤولين في الدولة التي هي اليوم بحاجة ماسة الى جيش قادر، أن ينشطوا لإيجاد الوسائل الناجعة التي تحقّق هذا الهدف الوطني. ويكون ذلك بتشكيل لجنة وزارية مُطعَمة بأصحاب الإختصاص، تتحرك بالسرعة القصوى باتجاه الدُّوَل الصديقة والشقيقة، وما أكثرَها، لإبرام معاهدات أو قبول هِبات غيرِ مشروطة لِمَدّ الجيش بالعتاد الحديث المناسب.

أما الذين يشكَكون ويمانعون لألف حجة ليس بينها واحدة مقنعة، فإمَا أن يتقاطعوا مع المطلب الأسرائيلي الرافض لإمداد الجيش اللبناني بالأسلحة الحديثة خوفا من انتقاله من موقع الدفاع الضعيف الى موقع المواجهة القادرة، ولا سيَما أن العدو يعلم تماماً ماضي جيشنا الذي ترك في “المالكية” توقيعه دليلاً تاريخياً على انكسار اسرائيل. وإما لأنهم لا يريدون للدولة القادرة أن ترى النور، فيضمحلَ بالتالي مشروع الدويلة البديل الذي يجهد ليبقى الوطن أنقاضا فيسهل الإنقضاض عليه وافتراسه. وإما لأنهم مُرتهَنون لأجندات مشبوهة يَسهُل تنفيذها في غياب جيش قويّ يجمع حوله وِفاقاً شعبياً رافضاً لأن يتحوَل لبنان الى ساحة تُصَفّى فيها الحسابات الأقليمية، ويتمَ فوقها صراع أبدي تحت شعار أصبح مُستهلَكاً وفارغاً من أيّ معنى، هو الدفاع عن القضية الفلسطينية.

في عيد الجيش، إنّ مطلب تسليحه هو في النهاية مطلب شعبيّ إجماعي، أو المطلب الوحيد الذي يضمن للجيش وللشعب إنتصار الوطن المُؤَكَّد على كلّ الإعتبارات المذهبية والطائفية والسياسية والشخصية التي تشكَل عامِل فِرقة. وفي النهاية، إنّ الذي يعمل على إجهاض هذا المطلب هو الخائن والعميل الذي لا تَكفي المِشنَقَة لإدانته.

خبر عاجل