#dfp #adsense

خاص موقع “القوات”: حلب واجهت الطائرات بالدواليب المحروقة

حجم الخط

علمتنا التجارب ان السلطات الامريكية، مثل كل نظيراتها الغربية، تعتمد مبدأ التدرج عندما تشرع في اتخاذ مواقف تراجعية حادة، وتلجأ الى اطلاق العديد من بالونات الاختبار قبل الاقدام عليها تمهيدا لها، ولذلك لم يخامرنِ ادنى شك بأن المبعوث الدولي ستيفان دميستورا لم يكن يمثل نفسه عندما فاجأ الجميع بقوله، وبعد اجتماع مطول مع الاسد في دمشق، بأن الاخير جزء من الحل السياسي للازمة السورية، ثم تلا ذلك، وسار على الدرب نفسه، جون برينان رئيس وكالة المخابرات المركزية الامريكية “سي اي ايه” الذي فجر قنبلة من العيار الثقيل عندما قال امام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك انه لا امريكا ولا روسيا ولا دول المنطقة ولا التحالف الدولي الذي نشأ لمواجهة “الدولة الإسلامية” يريد انهيار الحكومة او المؤسسات السياسية في دمشق.

وهذا الكلام الخطير وغير المسبوق نزل بردا وسلاما على قلب الرئيس الأسد وجنرالاته، كما حليفته ايران ومليشياتها اللبنانية والعراقية، حيث اعتبروا ذلك بمثابة الضوء الأخضر لتغيير المعادلات على الأرض، وبالتالي إسقاط حلب وتطهيرها عرقياً وتهجير سكانها، وصولاً الى مؤتمر جنيف حيث الأرض تتحكم بالمفاوضات الجارية على الطاولة.

ومن الواضح ان المطلوب كان ان تدخل الازمة السورية في مرحلة جديدة لا مكان فيها للمعارضة أكانت معتدلة او غير معتدلة، والدفع بالمقابل في محاولة لتعويم النظام وصولا إلى إنهاء الأزمة على قاعدة غالب ومغلوب، إلا ان المعارضة السورية نجحت مجددا بإسقاط كل المخططات الخارجية على حساب الشعب السوري، فكانت العملية العسكرية الواسعة في جنوب مدينة حلب لفك الحصار الذي تفرضه قوات النظام السوري، وذلك تحت اسم “ملحمة حلب”. وقد استطاعت الفصائل تحرير عدة نقاط جنوب المدينة، مثل قرية العامرية، وتلة الجمعيات، وتلة السريتل، وتلة المحية، ومدرسة الحكمة. وتداولت حسابات مقربة من الفصائل السورية على مواقع التواصل الاجتماعي أنباء عن أسر مجموعة من الجنود الإيرانيين، فضلاً عن مقتل عدد من عناصر حزب الله المقاتلين في الصفوف الأمامية لقوات الأسد، وانه بدأت أولى الهجمات جنوبي حلب بمشاركة فصائل من الجيش الحر، إلى جانب “جيش الفتح” (تحالف فصائل إسلامية معارضة).

وتمتد المعركة على جبهة بيلغ طولها 20 كيلومتراً بدءاً من الريف الجنوبي الغربي للمدينة، وتحديداً بلدتي الحويد والسالقية، وصولاً إلى مداخل حلب الغربية، بما فيها حي الراشدين والزهراء، فضلاً عن الأكاديمية العسكرية. وتهدف العملية إلى كسر خطوط دفاع النظام عن حلب وفتح طريق جديد للمدينة المحاصرة.

ويبدو من حجم الهجوم آن التجهيزات كبيرة جداً لهذه المعركة وهي أضعاف ما تم حشده لمدينة إدلب قبل تحريرها (عام 2015).

وما لفت النظر في معركة حلب هو التنسيق الذي حصل بين الفصائل المقاتلة والأهالي الذين عمدوا إلى إحراق كمية كبيرة من البلاستيك وإطارات السيارات لحجب الرؤية عن الطيران الروسي الذي يساند قوات النظام في هجماته.

وعلى رغم الانتقادات التي طاولت الفصائل المعارضة مؤخرا، الا ان ضراوة المعارك ومصير الوضع في سوريا أدى الى تجاوز الاعتراضات على غرار الموقف الذي سجله الإعلامي يوسف بزي الذي قال ” ببساطة، مع الثورة السورية (وما بعدها من سيئات وحسنات وإسلامويات وميليشياويات) ليس فقط نكاية بأحقر نظام ولا نكاية بحزب الله، بل وفاء لكل أصدقائي السوريين..ونقطة عالسطر”.

وكان حسن نصرالله آمين عام حزب الله قد قال “ان معركة حلب ستغير وجه الأمة” ليقف مشدوهاً أمام مشهد هجوم الثوار السوريين وتغييرهم لوجه الأمة لصالح الثورة والتغيير في سوريا.

وهذا المظهر الاسلامي للثورة والحالات الغير صحية هي نتيجة تراكم طويل من الاستبداد، وتغول الأجهزة الأمنية السورية، وسيطرة الحزب الواحد، ومنع تبلور حالة ديمقراطية، مدنية، والسيطرة على الحياة السياسية، والثقافية، والاجتماعية، فأصبح النظام ككل كتلة أمنية، وأصبحت سوريا مجرد قلعة مغلقة يستباح فيها كل شيء، وبالتالي في ظل هذه الهيمنة الأمنية للنظام انشطر الشعب السوري الى طبقتين، طبقة النظام التي تملك كل شيء، وطبقة الناس التي يتعامل معها النطام على طريقة العبيد، الأمر الذي يفسر بشكل او بآخر المظاهر التي ظهرت في الحرب.

ويبقى ان معركة حلب هي تعبير عن أمنية وارادة الشعب السوري بالتحرر، وارادته بالدفاع عن كرامته الانسانية، ومما لا شك فيه ان هذه المعركة هي بمثابة تمرين بالنار والذخيرة الحية على الحوار المنتظر في جنيف. وما لا يفهمه راعاة الحوار وفي طليعتهما امريكا وروسيا ان الحوار هو مفهوم مدني يتطلب بيئة وركائز محددة واعتراف بالآخر، كما تحديد الأهداف المرجوة من اي حوار من اجل الوصول الى الحلول المطلوبة، وبالتالي ما يحصل في سوريا ليس حوارا بين طرفين متوازيين خاصة في ظل المادة الثامنة التي تؤشر الى إتفاق روسي أمريكي بأن يكون التغيير شكليا، حيث يبقى الأسد ويحافظ على سلطته.

والرسالة التي وجهها الثوار في سوريا واضحة ومفادها ان الحوار من موقع الضعيف مرفوض، خاصة بظل وجود دبابات النظام في الشارع الى جانب حلفائه النظامين الروسي والايراني، وما يتبعه من مليشيات جمعها من شتى اصقاع العالم، وفي طليعتها حزب الله اللبناني، والمليشيات الشيعية العراقية، والتي تمارس جميعها الاعتقالات الهمجية، والتعذيب في المعتقلات، وقد أدت ممارساتها إلى عشرات آلاف القتلى وملايين المهجرين.

وقد نجحت وقائع الميدان الجديدة بفرض نصر للثوار في حلب، هذا النصر الذي سيعلن ان زمن الحوار قد انتهى، وانه من الخطأ الحوار مع نظامٍ فعل ما فعل، ومازال مصراً على القيام بآكثر من ذلك، عبر حصار وتشريد وقتل واعتقال واذلال الشعب السوري. انتصار الثوار في معركتهم سيفرض البحث في آلية سلمية لتسليم السلطة الى من يمثل الحراك، على ان يكون بديل ديمقراطي وتعددي ومدني.

فالنظام فقد شرعيته الشعبية والسياسية ومشروعيته القانونية التي أصلاً لم يمتلكها يوما، لأنه وصل الى السلطة بانقلاب عسكري عام ١٩٦٣.

الازمة السورية ستطول حتما، والمفاجآت فيها واردة، وخريطة التحالفات مفتوحة على كل الاحتمالات، فمن كان يصدق ان النظام سيستمر اربع سنوات، وان امريكا ستتحاور معه، وستوقع صفقة نووية مع ايران بعد ان كانت تستعد لحرب ضدها؟

الشعب السوري تعرض للخديعة الاكبر في تاريخه، وتآمرت عليه جميع الاطراف، ودفع ثمنا باهظا من دمه واستقراره ووحدة بلاده الجغرافية والوطنية، إلا ان أحدا لن يستطيع كسر إرادته بتحرير سوريا من محور الممانعة وإعادتها إلى الشعب السوري.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل