أردوغان: انتقام لمرة واحدة وأخيرة… وتركيا بعد الانقلاب تعيد هيكلة الجيش

 كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1570

وُضعت السلطة التركية أمام خيارين لإثبات سيطرتها على زمام الأمور داخل البلاد. شن حملة عسكرية خارجية تعزز شعبيتها في مواجهة “خطر أجنبي”، أو شن حملة داخلية للإنقضاض على “أعداء الداخل”، فاختارت الخيار الثاني. لذلك، تحوّلت عملية إفشال الانقلاب العسكري سريعاً إلى تصفية حسابات داخل البيروقراطية التركية، فتم طرد وفصل أو اعتقال حوالى 60 ألف شخص خلال أسبوع واحد فقط. ولا تبشر الأخبار الآتية من تركيا بالخير، إذ أن حكومة حزب “العدالة والتنمية” لا تزال مستمرة في قيادة عملية انتقام من كل من لا يدين لها بالولاء، وتهدف، في نهايتها، إلى إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والسيطرة عليها لمرة واحدة وأخيرة.

لم تكن الوعود التي أطلقها رئيس الجمهورية التركية بالقضاء على كل من له صلة بالداعية الإسلامي فتح الله غولن مجرد تصريحات غاضبة، بل كان أردوغان أكثر من جاد في كلامه. فآلاف الأشخاص من الموالين لغولن، أو حتى مِمَن لا يدينون بالولاء لأردوغان أو لغولن على حد سواء، تمت معاقبتهم بعد إفشال الانقلاب. ولم تستثنِ السلطة أي جهاز رسمي فيها أو حتى القطاع خاص من إجراءات العبث بإدارته، أكان عبر طرد موظفيه أو اعتقال غيرهم.

60 ألفاً راحوا ضحية الانقلاب وحب حكام تركيا للسيطرة على كامل البيروقراطية والسلطة. فبالإضافة إلى طرد الكثيرين من وظائفهم، أعلن رئيس الحكومة التركية “بن علي يلدريم” أن عدد المعتقلين بلغ حوالى 13 ألفاً، بينهم جنود ورجال شرطة، و2100 موظف في السلطة القضائية، و52 حاكم منطقة، و689 مدنياً.

كما تم إعلان حالة الطوارئ في البلاد، وأصدر أردوغان قراراً أمر بإغلاق 1043 مدرسة خاصة و1229 جمعية ومؤسسة خيرية و19 نقابة عمالية و15 جامعة و35 مؤسسة طبية بتهمة “الانتماء إلى منظمة غولن الإرهابية”.

وتسعى الحكومة من خلال هذه الإجراءات إلى أمرين أساسيين. يتمثل الأول ببسط سيطرة الحزب الحاكم على كامل البيروقراطية التركية، وهو هدف قديم لأردوغان كان قد تعذر تحقيقه بشكل كامل في الفترات السابقة على الرغم من سعيه الدائم لإنجازه. فيتم اليوم “استغلال” محاولة الانقلاب من أجل طرد آلاف الأفراد غير الخاضعين لنفوذ الحزب الحاكم، واستبدالهم بآخرين يدينون بالولاء له، في مشهد مكرر يشبه ما يقوم به أي حاكم شرق أوسطي بعد تهديد سلطته.

أمّا الثاني فيتلخص بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وإفقادها الحرية في التصرف كما جاء على لسان مسؤولي حزب “العدالة والتنمية” مراراً، إذ إن المؤسسة العسكرية لا تزال تشكل مصدر متاعب للسلطة السياسية، فيما كانت محاولة الانقلاب الأخيرة خير دليل على ذلك. كما يمتلك الجيش القدرة القانونية على التصرف في بعض الشؤون دون الرجوع إلى السلطة التنفيذية، ويدير مصانع ومعامل ومؤسسات، وله مدخول مالي خاص غير ما يُحدد له في ميزانية وزارة الدفاع. والأهم، أنه يمثل في هويته العلمانية وحرصه على علمانية الدولة نقيضاً للإسلام السياسي الحاكم.

إلا أن إفقاد المؤسسة العسكرية سلطاتها وربطها كلياً بالسلطة السياسية يحتاج إلى حملة وطنية واسعة النطاق تُظهر إعادة هيكلة الجيش كجزء من إصلاح كامل يتم في تركيا. كما تأتي كثرة الإجراءات بحق الموظفين لتخدم كغطاء يهدف إلى عدم ظهور الحكومة كمن يستهدف المؤسسة العسكرية بذاتها، إنما تضع الجنرالات ذوي الميول العلمانية أمام الأمر الواقع ودون إمكانية القيام بأي ردة فعل. وهو ما بدأ أصلاً مع إعلان الحكومة حل الحرس الجمهوري على أثر توقيف 300 من عناصره كانوا قد شاركوا بالمحاولة الانقلابية.

بعد أن تتم تصفية نفوذ غولن في البيروقراطية التركية، وتخفيف قدرته على التأثير في الشأن العام، يكون الحزب الحاكم قد أصبح جاهزاً للبدء بالإتقضاض جدياً على “عدوه الثاني” عبر إعادة هيكلة الجيش وربط قراره بالسلطة التنفيذية. غير أن هذا القرار المتوقع لا يعني أن الطريق معبّد أمام تمنيات أردوغان والحزب الحاكم، وقد تكون له مخاطراً جمّة إن وُجدت الظروف الملائمة لقيام بقية الجنرالات غير الموقوفين بأي حركة اعتراضية.

من ناحية أخرى، تؤدي مشاريع إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية، كما قيام السلطة بعملية تطهير ضخمة من داخلها، إلى فقدان تركيا القدرة على التدخل العسكري في الخارج. فالرهان على عملية تركية برية أو جوية لإنهاء الحرب السورية في الوقت الراهن هو غير واقعي. في المقابل، لا تعني المشاكل الداخلية أن اليد التركية ستكف عن تدخلها في سوريا والعراق وفلسطين ومناطق أخرى، إنما ستكون أكثر حذراً ومهادنة وسلمية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل