
دخل الاتفاق الروسي – الأميركي حول سوريا في أدقّ مراحله واكثرها حساسية مع اقتراب موعد الحسم لتحديد مصيره نحو واحد من اتجاهين، التنفيذ الذي من شأنه ان يضع حداً لشلال الدم الفائض منذ خمس سنوات من دون انقطاع، والا الاخفاق في ضوء سلسلة المطبات التي تعترض طريقه وعودة الامور الى مربع المواجهات الدامية التي لم تفلح كل العلاجات الموضعية بما فيها وقف النار في وضع حد نهائي لها.
وحتى ذاك الموعد، تقول مصادر دبلوماسية غربية لـ”المركزية” ان المرحلة ستشهد أشدّ انواع الكباش والتجاذب بين الفريقين في الميدان السوري، وما اسقاط المروحية العسكرية الروسية من طراز “مي- 8” أمس في محافظة ادلب بنيران المعارضة ومقتل كامل طاقمها أثناء تحليقها فى طريق العودة إلى قاعدة “حميميم”، سوى الوجه الآخر الخفي لكباش “الجبارين” ومن يسبق اولا الى فرض شروطه وتحصيل اعلى نسبة من المكتسبات من خلال الاتفاق الذي تؤكد المصادر انه نهائي لكن درب تنفيذه ليست ولن تكون مزروعة بالورود.
وتعتبر ان الصاروخ الاميركي الصنع الذي اسقطت به المعارضة السورية المروحية الروسية، وعلى رغم محاولة موسكو اسباغ مهمتها بالطابع الانساني باعلان الكرملين انها كانت في طريق عودتها الى القاعدة بعدما سلمت مساعدات انسانية في مدينة حلب، وان الطيارين الخمسة على متنها قتلوا كابطال لانهم كانوا يحاولون تغيير وجهتها لتقليل عدد الضحايا على الارض، شكل الرسالة الميدانية الاقوى لموسكو منذ خروج الاتفاق الاميركي – الروسي الى العلن، ولئن بقيت معظم بنوده طي الكتمان، يفيد مضمونها بأن محاولة الانقلاب على المعادلة التي تم التوافق على اساسها في الاتفاق الشهير، لن تمر مرور الكرام وسيتم التعامل معها بالمثل . فالجانب الروسي بدعمه للنظام وحلفائه في حلب خرج عما اتفق عليه لجهة وقف اطلاق النار وتحضير الارضية للعودة الى طاولة المفاوضات في جنيف في اسرع وقت، وأي خطوة من هذا النوع ستلقى الرد المناسب عبر المعارضة ومن يدعمها اقليميا لا سيما تركيا والسعودية وقطر التي ما زالت ترسم علامات استفهام كثيرة حول الاتفاق الثنائي الدولي ودورها فيه، وتأخذ على الروس مطالبتهم دول التحالف في مواجهة الارهاب بالقضاء على داعش وسائر التنظيمات الارهابية فيما تقف هي في موقع المتفرج لا بل تدعم النظام وحلفاءه عسكرياً بما يعقّد مهمة هذه الدول، عوض الانخراط في التحالف.
وتدرج المصادر الممارسات الروسية في خانتين، الاولى عرض عضلات ينفذه الرئيس فلاديمير بوتين على نظيره باراك اوباما قبيل رحيله، باعتبار انه يحتاج الى تسجيل الانتصار السوري في سجلات ولايته الرئاسية بعدما دوّن انجاز الاتفاق النووي مع ايران، بحيث يسعى بوتين الى رفع سقف شروطه مستفيدا من حاجة اوباما لانجاز التسوية في حين ينظر الرئيس الاميركي الى المسألة من زاوية أخرى ويرفض تقديم تنازلات لانه على قناعة بان الرئيس الاميركي الخلف، اذا ما قرر السير بمشروع التسوية، فانه لن يبدأ حتما الا من السقف العالي للشروط والمطالب.
اما الخانة الثانية فتلفت المصادر الى انها محاولة تشدد روسية في سوريا لتحصيل تنازلات في قضيتها المركزية في اوكرانيا واوروبا حيث مصالحها الحيوية التي تعلو فوق مصلحة التسوية في سوريا.
على اي حال تختم المصادر، سيبقى التفاهم الاميركي- الروسي قائما والتواصل كذلك من خلال شبكة اتصالات وزيري خارجية البلدين المفتوحة الى حين تذليل نقاط الخلاف التي قد تحتاج الى بعض السخونة في الميدان قبل الانتقال الى جنيف مجددا.