#adsense

بين مصالحة الجبل و فزّاعة “التأسيسي”

حجم الخط

“الله يقطّعهاع خير”، أذكر تلك العبارة جيداً التي كانت هاجسنا عشية الزيارة التاريخية للبطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير الى جبل لبنان الجنوبي والتي إمتدت من 3 حتى 5 آب 2001. كان رفاقنا من أبناء الشوف وعاليه منهمكون في التحضير وفي السعي لتأكيد هويتهم القواتية في كافة محطات المصالحة، وكنا نحن عين على هذا الحدث التاريخي وعين على ردة فعل الاحتلال الاسدي وادواته من نظام امني لبناني – سوري ومن لفّ لفيفه.

تاريخياً، لطالما كان الموارنة والدروز جناحي جبل لبنان بشماله وجنوبه والذي شكّل مساحة تفاعلية لجدلية العلاقة بين المجتمع والسلطة، وكم من قايين وهبيل شهدت تلك الارض في تاريخ مثقل بصراعات دموية ومجازر في العام 1841 و1845 و1860 وكذلك في العام 1977 و1983. غير أن المسار التراكمي لهذا التفاعل بين المجموعتين، بسلامه وحربه، بنجاحاته وإخفاقاته، بأخطائه وخطاياه أفضى الى حقيقة راسخة: وجود لبنان مرتبطة بالتعددية ويزول متى سيطرة أحادية، قدرنا العيش معاً بإحترام وندية، فلا أحد يستطيع إلغاء الآخر وجميعنا أقليات مهم بلغ عددنا، فلننظم الخلاف متى وجد بعيداً عن الدماء والاختلاف.

وفي خضم إنكباب النظام الامني على تعميم ما سمي “الانصهار الوطني” والعمل على تكريسه بالظلم والبطش والقوة، إنصهار يلغي الجميع ويضرب ميزة لبنان التعددية ويمهّد لتكريس قبضة المحتل الحديدية، ثمة من تجرّأ وترجم تلك الحقيقة الراسخة مصالحة وطنية، مصالحة كرسها سليل الجنبلاطية زعيم الطائفة الدرزية وذاك البطريرك السادس والسبعون الذي لا يخطو خطوة إلا ورعيته معه، فرفض زيارة الشام من دونها وصعد الى الجبل متسلحاً بإرادتها في طي صفحة سوداء.

توقيت حكيم للمصالحة، فالـ momentum كان مدروساً إذ شكل الانسحاب الاسرائيلي من لبنان ايار العام 2000 تحولاً، تمكّن بعده التيار السيادي ان يصعّد تحركه ضد الاحتلال السوري بعدما سحبت ذريعة التصدي للعدو الاسرائيلي. فمنذ الانقلاب بالممارسة على “الطائف” فور ولادته في تشرين 1989، وحتى صيف العام 2000 نجح “التيار السيادي” بالصمود والحفاظ على النفس النضالي رغم نفي العماد ميشال عون وإعتقال الدكتور سمير جعجع وحظر “القوات اللبنانية”. وبعدها بدأ التصعيد السيادي: نداء بكركي التاريخي في أيلول العام 2000 وولادة لقاء قرنة شهوان والذي تقاطع مع إنعطافة جنبلاطية عبر الدعوة الى تموضع القوات السورية تمهيداً لانسحابهاً ومع إشتباك ضمني بين الرئيس الشهيد رفيق الحريري ونظام الاسد كانت أبهى تجلياته في الانتخابات النيابية يومها والقانون الذي فصّله السوريون لتحجيم الحريري.

وكانت مصالحة الجبل في آب 2001 محطة مفصلية في هذا المسار السيادي الذي بلغ ذروته في ثورة الارز عام 2005 وإنسحاب جيش الاسد عن لبنان. قيمة هذه المصالحة أنها نابعة من قناعة تولّدت بحكم التجربة لا مجرد حفل تكاذب ومحاباة بهدف “الصورة” الجامعة فرضها “شيخ صلح مخابراتي”، وقوة هذه المصالحة أنها ليست منزلة بـ parachute، فالمشاركون فيها هم رأس وكعب الهرم في آن. وهذا ما يضمن ديمومتها.

أمام عظمة هذه المصالحة ونجاح هذه التجربة ثمة من يهوّل علينا اليوم بفزّاعة “مؤتمر تأسيسي”. فزّاعة لأنها غير واقعية، فأي مؤتمر تأسيسي بحاجة الى رضى جميع الاطراف، والواقع اللبناني يظهر أن لا المسيحيين ولا السنة ولا الدروز بوارد الدخول في هذه المغامرة “المجنونة” في ظل ما يعصف بالمنطقة والعالم. فيا ليت من يدفع الى هذا الاتجاه يتعظ من تجربة “مصالحة الجبل”، ويعلم أننا جميعاً ومن دون إستثناء أقليات في هذا البلد والمطلوب مصارحة ومصالحة وعرض للهواجس بلا قفّازات.

“فائض القوة” الذي قد يصيب طرف لن يدوم، فقوتنا بتفاهمنا، وتفاهمنا المبني على أسس صلبة كمصالحة الجبل وحده يؤسس لغد افضل.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل