مصالحة الجبل والمسامحة الوطنية… سياسيون يروون لموقع “القوات” مواكبتهم لهذه اللحظة التاريخية

هي الذكرى الخامسة عشرة لمصالحة الجبل التي انطلقت في 5 آب 2001 والتي مهّدت شيئاً فشيئاً لظهور أفق اوسع للبنان.

في العام 2001، توجّه بطريرك الإستقلال الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير في زيارة تاريخية إلى منطقة الجبل، وكرّس اللقاء بينه وبين رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط مصالحة تاريخية أثبتت أنها النموذج الحقيقي لحماية السلم الأهلي.

ذلك اللقاء لم يلتئم تحت وطأة السلاح المشهور ولا بسياسة “الإصبع المرفوع”، إنما بعدما اتفق الرجلان على التلاقي لتحقيق مصالحة تأخرت أحد عشر عاماً على الأقل بسبب الوصاية السورية التي أسّست نفسها على محاولة إبقاء اللبنانيين مختلفين.

يستذكر بعض من حضّروا لتلك اللحظة التاريخية انها لم تأت من فراغ وأتت لتكون مؤشراً إستقلالياً وسيادياً كبيراً.

كيروز: مصالحة الجبل جعلت مشروع “القوات” التاريخي يلاقي للمرة الاولى احتضاناً لبنانياً

عضو كتلة “القوات اللبنانية” النائب إيلي كيروز شرح أن موقف النائب وليد جنبلاط بعد الإنتخابات النيابية في العام 2000، والذي طالب فيه بإعادة تموضع الجيش السوري في لبنان، شكل ملاقاةً للموقف المسيحي المعارض، بقيادة البطريرك صفير، ومقدمة للمصالحة، مؤكداً لموقع “القوات” أن جنبلاط اخترق خطوط التماس المفروضة من نظام الإحتلال السوري على اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين ودروز،  وكانت ردّة الفعل السورية أن أثارت في وجهه خطاب الحقد والتهديد بالموت.

وأضاف: “هذا الموقف الجنبلاطي مهد لمصالحة تاريخية في الجبل بين الدروز والمسيحيين، وتُوّجت بزيارة تاريخية لبطريرك تاريخي استمر في حمل القضية اللبنانية، في 4 آب 2001، كما أنهت هذه الزيارة تاريخاً طويلاً من الصراعات والحروب بين المسيحيين والدروز لتبدأ مرحلة جديدة بين الطرفين وكان كلام جنبلاط واضحاً: “لقد أُقفل باب الحرب التي تعود الى العام 1840”.

كيروز أكد أن هذه المصالحة أفقدت “السلطة” يومها صوابها، فاعتبرت أنها تتم تحت نظرها ولكن بمعزل عنها، مشدداً على أن هذا التلاقي الدرزي – المسيحي شكل سابقة وخطراً على النظام الأمني السوري – اللبناني المشترك، وجاء الرد االسوري في 7 و11 آب والذي استهدف بشكل عنيف “القوات اللبنانية”، كما أراد أن يذلّ بشكل متعمد المؤسسات الدستورية والمؤسسة القضائية ونقابة المحامين في بيروت.

وأضاف كيروز: “في هذه المناسبة، استطاعت “القوات اللبنانية” الممنوعة، تسجيل حضور كبير، رغم الحظر المفروض عليها، وسجل نضالها تقدماً كبيراً بعد أن كانت تخوضه منفردة منذ سنوات عدة، وبالتالي أصبح مشروع “القوات” التاريخي يلاقي ببمرة الاولى احتضاناً لبنانياً”.

فياض: مصالحة الجبل استعادت مبادرة اللبنانيين واقترنت بالمسامحة

أمين السر العام في الحزب “التقدمي الإشتراكي” في تلك الفترة شريف فياض، اعتبر أن هذه المصالحة جاءت تعبيراً عن رغبة الناس وتصميمهم في العيش الواحد في منطقة الجبل وترجمة لإرادتهم في طي صفحة الحرب ومآسيها وإعادة اللحمة الوطنية الى الجبل والوطن كله.

وأكد لموقع “القوات” أن هذه المصالحة لم تكن مفروضة على الناس ولا كانت فعلاً قيادياً فقط، مشيراً أنها لم تكن لتتم في هذا الشكل الكبير والمهم، لولا الرعاية المباركة لغبطة البطريرك صفير ولولا الجهود التي قام بها النائب وليد جنبلاط، وقد تمكن الرجلان من ترجمتها واقعاً ملموساً.

وأضاف: “من منطلقات العيش المشترك وبناء مجتمع مترابط ومتكاتف يعمل من أجل استقلال الوطن، تحققت مصالحة الجبل، ومن المنطلقات ذاتها، ذهبنا في 14 آذار الى ساحة الحرية، لأن المصالحة الحقيقية ليست معزولة أو محصورة بطائفة دون سواها، وهي بهدفها الأكبر العودة الى الذات والمواطنة اللبنانية التي تجمع الناس كلهم”. وسأل: “هل كان هناك زلزال أكبر من اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط حتى يتكاتف اللبنانيون في التعبير الصادق عن عيش واحد وبناء لبنان”؟

ورأى أن مصالحة الجبل هي الخطوة الصحيحة في السياق الصحيح، تماماً كما كانت 14 آذار، آملاً أن تقود المبادئ الوطنية السياسة الى مستقبل مبهر للبنان حتى لا نبقى نتخبط في الفراغ ونقع تحت تأثيرات خارجية تُفرض علينا وتسعى الى مصالح الغير.

وأضاف: “أهمية مصالحة الجبل أنها استعادت المبادرة، مبادرة الناس والشعب للإمساك بقراره، وحرام أن تضيع منا تلك الأهداف النبيلة”.

وتحدث فياض عن الدور الذي لعبته “القوات اللبنانية” في إرساء مصالحة 2001، فأكد أنها انخرطت فيها كحركة شعبية بكل ما أوتيت من قوة، وتابع: “كنا على تفاهم مع “القوات” و”الكتائب” وحصلت لقاءات عدة كما أن الإستعدادات والتحضيرات عبّرت عن صدق مشاعر الناس، من هنا لا بد من الإشادة بشباب “القوات” وبجميع المنظمات الشبابية التي عملت بجد واخلاص وبقناعة راسخة وكاملة لإنجاح تلك المصالحة على أن تكون مقرونة بالمسامحة، فالجميع في الجبل دفع أثماناً غالية جراء الحرب، وجاءت هذه المصالحة مقرونة بالمسامحة لكي نبني عليها أمل المستقبل”.

عطالله: مصالحة الجبل مهدت لانتفاضة الإستقلال

النائب السابق وأمين سر حركة “اليسار الديمقراطي” الياس عطالله رأى أن مصالحة الجبل شكلت حدثاً إستثنائياً ونموذجاً يجب الإحتذاء به، مطالباً في حديث لموقع “القوات” بأن تنسحب على مختلف القضايا الشائكة والمشاكل التي يعاني منها لبنان، لأن أي اتجاه عنفي في حل القضايا الوطنية يكون مكلفاً وتكون النتائج كارثية.

وأوضح أن من ساعد على تحقيق هذه المصالحة هو البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، واصفاً إياه بالـ”الرجل الشجاع والنزيه والموثوق به من الآخرين” وتابع: “تمكن البطريرك صفير من وضع هذا المسار في إطاره الصحيح،  كما لعب النائب وليد جنبلاط وآخرون دوراً كبيراً في الدفع بهذا الإتجاه”.

ورأى أن البطريرك صفير يمثل وجداناً مسيحياً – درزياً شاملاً، منوهاً بالدور الذي لعبته “القوات اللبنانية” وآخرون في التحضير لهذا الحدث التاريخي وجعله ممكناً.

عطالله اعتبر أن المصالحة ليست لطي صفحة من الماضي إنما لأخذ العبر منها والتعالي على الوقائع التي تسببت بمرحلة أليمة  وبنتائج قاتلة، ولفت الى أن هذه المصالحة ساهمت كثيراً في الوصول الى 14 آذار 2005 والذي كان المصالحة الوطنية الكبرى، متابعاً: “هذان الحدثان كان هدفهما الدفع الى المكان نفسه، إذ لا يمكن لأي مصالحة الاّ أن تكون مبنية على العدالة والإعتراف بالخطأ والتعالي عليه، وعليه فإن إنتفاضة الإستقلال هي النموذج الأكبر والأشمل لمصالحة الجبل”.

وأسف عطالله لأن الطبقة السياسية لم تتمكن من المحافظة على قيمة المصالحة الشاملة التي حصلت بين القيادات اللبنانية من جهة والشعب اللبناني من جهة ثانية قائلاً: “خذلوا إنتفاضة الإستقلال ونحن اليوم في مرحلة الخيبات المتراكمة والمتكررة… لا رئيس جمهورية، لا حكومة جدية، لا مجلساً نيابياً فعلياً، مؤسسات الدولة بحال يرثى لها، المشاكل الأخلاقية في الطبقة السياسية لا تحصى ولا تعد… وهذا ليس واقعاً مكملاً لمصالحة الجبل ولا للأمانة التي حملنا إياها الشعب اللبناني في انتفاضة الإستقلال”.

مصالحة الجبل التي بدأت منذ خمسة عشر عاماً، لا بد أنها كانت المدماك الأساسي للأحداث التي تلتها حتى اليوم، فبعدها توالت “المصالحات” الوطنية الكبرى من إنتفاضة الإستقلال الى إتفاق معراب، وكانت مصالحة الجبل مدخلاَ لمصالحة لبنان… كل لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل