#adsense

في الماضي كانت لديّ مبادئ… أما اليوم فلديّ أولاد

حجم الخط

في الماضي كانت لديّ مبادئ أما اليوم فلديّ أولاد. هذه المقولة تعبّر عن غياب تطبيق القواعد بعد إنجاب الأولاد، وبالتالي انتشار بعض الفوضى في البيت وخلال التعامل معهم. فقبل مجيء الأولاد وضعت الأم تصوّراً مثالياً للحياة، وما لبث أن سقط مع قدومهم.تعتقد نساء كثيرات قبل الزواج بأنّ حياتهن ستكون بمنتهى التنظيم بعد إنجابهنّ. وينظرن إلى الأخريات وبينهنّ أخواتهنّ وأعز صديقاتهن ويقلن “لا أنا ما رح يكون بيتي هيك”، “لا أنا ما رح خلّي ابني يعمل هيك”.

ويأتيهنّ التغيير عندما يحين دورهنّ ويصبحن أمهات، فتنقلب معتقداتهن المثالية إلى واقع حياتي معيوش وفوضوي يخضع لمزاج الطفل ونزواته. وحينئذ يأتي مَن يذكّر الوالدة، سواءٌ من أهلها أو أصدقائها بالمبادئ المثالية التي رسمتها لحياتها وانهارت فجأة.

 

سقوط المعايير

كانت هبة تذهب للسباحة صيفاً في أحد المنتجعات السياحية، فترى الأولاد في المطاعم على أطراف الحوض يتناولون الفاست فود المصنّع، الضار بالصحة، مثل الهوت دوغ والبرغر… كانت تنظر إليهم بشفقة وإلى أهلهم باشمئزاز، وتتساءل: “كيف يغضّ هؤلاء الأهل الطرف فيسمحون لطفلهم بالتهام هذه المأكولات”؟، وتتباهى: “أنا إبني سأطعمه الخضار والفواكه والأكل المغذي وسأمنع عنه هذه المواد المسرطنة”.

التغيير كان جذرياً عندما جلست بعد 5 سنوات مع ابنها في هذه المقاهي ليأكل الهوت الدوغ. فهي حاولت إقناعه وردعه، إلّا أنها لم تفلح دائماً، ما اضطرّها للخضوع لرغباته أحياناً متعدّيةً على مبادئها.

علماً أنّ هناك أهالي يتساهلون أيضاً مع رغبات أولادهم بالإتساخ واللعب بالوحل أو الأكل على هواهم ملطخين ثيابهم والمكان من حولهم بالشوكولا أو حتّى بصلصة الباستا. فهم بذلك يتفادون إحياء المشكلات مع الأطفال ويهربون من نقّهم في حال منعوهم عن ما يستهويهم.

 

القصاص

من جهتها كانت ليلى تتحدّث بلهجة قاسية وصارمة مع إبنيها الصغيرين، فتهدّدهما بالقصاصات، وتعاقبهما أحياناً بينما تنظر شقيقتها إليها وتقول: “أنا لن أعاقب أبنائي في المستقبل، فالولد مهما كان سنّه، هو إنسان عاقل وقادر على الفهم والتفهّم ويكفي أن تكلّمه والدته برويّة حتى يفهم، وأنا سأقيم الحوار مع أبنائي عوضاً عن لغة التهديد والقصاص”.

هذه المرأة أنجبت بعد فترة ولداً مشاغباً، لا يسمعها، فلم تكن قادرة على تهدئته أو ترويضه ولا حتّى من خلال تهديده بالقصاص، ما أفقدها سيطرتها على نفسها مرات عدّة، فكانت تصرخ عليه أحياناً ويسمع الجيران صوتها المدوّي غضباً في الحيّ. وتضحك أختها وتعلّق عليها ساخرة: “هدئي من روعك هؤلاء أطفال ويريدون اللعب واللهو”.

 

أسباب خفيّة وعقد

عدم احترام الأولاد لمبادئ الأهل يفجّر نوباتهم العصبية أحياناً، وقد ينفجرون غضباً وصراخاً وربّما يتمادون وصولاً إلى ضرب الأبناء لأسباب غير مهمة ولا تتطلب كلّ هذا الذعر وفقد الأعصاب. يخفي غضب الأهل في طياته أحاسيس وحتّى عقداً نفسية تراكمت في لاوعيهم منذ طفولتهم.

فغالباً ما يعكس الأهل على أولادهم ما عانوا منه خلال صغرهم، إذ يفقد الأهل وعيهم في حال قام الولد بارتكاب ما مُنعوا من فعله في صغرهم. غضب الأهل هذا لا ينبع من كون الولد اخترق لائحة مبادئهم وحسب، بل لأنه اخترق ما كان محظوراً عليهم.

شعورهم بالغبن وذكرى غضبهم لدى تدخل السلطة الأبوية لردعهم عن تحقيق ما كان ممتعاً لهم، هو ما قد يساهم في تفجير غضبهم على أولادهم بعد حين. كما أنّ ما مُنعوا عنه يرتبط في رأسهم بالقيم التي أرساها أهلهم لهم سبيلاً لتنشئة ولد مهذب ومنضبط.

يجب أن يعي بعض الأهل أنّ فرط الإحباط، والتعصيب والغضب من العواطف التي لا تخدم في تربية الأولاد كما لا تصبّ في خانة المثل العليا للتنشئة.

فالمجتمع تطوّر وكذلك العقليات، ولن يفيدهم دائماً تطبيق التربية التقليدية المتوارثة، بل يجب أن يتفهّم الأهل أنّ انشغالات الطفل في سنواته الأولى تقتصر على الأكل والشرب واللعب والنوم. فهو إن لم يلعب ويختبر، وصولاً إلى زرع الفوضى لن يتمكن من اكتشاف العالم من حوله إذ إنّ هذه طريقته في فعل ذلك.

ومن المفيد أن يُعيد الأهل النظر قبل أن يصرّوا على تطبيق القواعد الصارمة، ويتساءلوا: هل جميعها ضرورية ومفيدة أو فعلاً يجب التساهل ببعضها لناحية حبّ الطفل للعب بالتراب والمياه مثلاً، حتّى لو اتسخ، والقفز على الفراش حتّى لو منع عنهم أهلهم ذلك في صغرهم؟ وفي المقابل من المفيد أن يكون الأهل صارمين من نواحٍ أخرى وأبرزها، عدم الاستسلام لرغبات الطفل وتركه يأكل ما طاب له من المأكولات الضارّة بصحّته.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل