إفتتاحية “المسيرة” – القوات والحوار ومعركة حلب

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1571

لم تخطئ “القوات اللبنانية” عندما رفضت المشاركة في حكومة الرئيس تمام سلام. ولم تخطئ عندما امتنعت عن المشاركة في طاولة الحوار في عين التينة. ولكنها في غيابها كانت الحاضر الأكبر في اللعبة الداخلية. اعتراضها كان على المشاركة في حكومة واحدة مع “حزب الله” بينما هو يستمر في التمسك بسلاحه والقتال في سوريا ويعطل الدولة والمؤسسات. ولكن “القوات” في ظل هذا الغياب كانت الحاضر الأكبر في خوض معركة استعادة الجمهورية خصوصاً بعد محاولة اختراق الفراغ الرئاسي من خلال ترشيح العماد ميشال عون.

لم تتولد هذه القناعة لدى “القوات” في آخر أيام ولاية الرئيس ميشال سليمان التي شهدت عملية قيصرية لاستيلاد حكومة لن تحكم. في بداية صيف 2006 شارك رئيس “القوات” الدكتور سمير جعجع في طاولة الحوار وكان السيد حسن نصرالله يشارك أيضاً. وعد السيد بصيف هادئ في آخر جلسة في تموز ولكن في 12 تموز كان عناصر من “حزب الله” يأسرون جنديين إسرائيليين لتبدأ بعد هذه العملية حرب تموز التي دمرت لبنان وأوصلت إلى وقف النار في ظل القرار 1701. كان واضحاً أن “حزب الله” يريد أن يثبت استراتيجيته داخل الدولة اللبنانية بينما كان المطلوب من طاولة الحوار البحث في استراتيجية الدفاع عن لبنان. لم يستشر “حزب الله” أحداً وبدا المشاركون في ذاك الحوار كأنهم غير موجودين الى الطاولة.

عندما ذهب الحزب إلى عملية 7 أيار 2008 لم يستشر أحداً ولم يتردد في استخدام السلاح لحماية سلاحه وفي شن حرب شاملة على خصومه وخصوصاً “تيار المستقبل” والحزب “التقدمي الإشتراكي” لتنتهي هذه العملية بما سمي تفاهم الدوحة وانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية.

عندما ذهب “حزب الله” للقتال في سوريا بعد العام 2011 لم يستشر أحداً. منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وهو يشن الحرب تلو الأخرى من دون أي اعتبار للمكوّنات اللبنانية الأخرى. لقد نفذ انقلاباً على تفاهم الدوحة وأسقط حكومة الرئيس سعد الحريري وفرض تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وهو مستمر في فرض إرادته على اللبنانيين بقوة السلاح.

في أول آب 2013، في آخر احتفال بتخريج تلامذة الضباط في المدرسة الحربية في الفياضية وقف الرئيس ميشال سليمان معلناً “أنه أصبح ملحاً درس الإستراتيجية الوطنية للدفاع وإقرارها في ضوء تطورات المنطقة، والتعديل الطارئ على الوظيفة الأساسية لسلاح المقاومة الذي تخطى الحدود اللبنانية… فقد حان الوقت لتكون الدولة، بجيشها وقيادته السياسية العليا، الناظمة الأساسية المقررة لاستعمال مقدراتنا… لقد ولى الزمن الذي كان فيه الجيش ممنوعاً من الدفاع عن لبنان والدولة التي كانت ممنوعة من الدفاع عن الجيش… المطلوب في هذه الظروف الدقيقة حملة مع الجيش لا حملة عليه… تصعب مهمة الجيش إذا تورط فريق أو أكثر من اللبنانيين في صراعات خارج الحدود… تصعب مهمة الجيش، لا بل تستحيل، إذا استمرت ازدواجية السلاح الشرعي والسلاح غير الشرعي…” بعد ساعات على هذا الكلام كان الرد بإطلاق عدد من الصواريخ على القصر الجمهوري. وكانت الرسالة واضحة في رفض هذا الكلام وفي اعتبار أن الضمانة التي يريدها الحزب تبدأ من قصر بعبدا.

لا يكتفي “حزب الله” بضمانة وجود رئيس جمهورية مؤيد له سواء أكان إسمه ميشال عون أو سليمان فرنجية. في استراتيجيته اليوم يكرر استراتيجية عهد الوصاية السورية. رفض النظام السوري رئاسة رينيه معوض وبعد اغتياله فرض انتخاب الرئيس الياس الهراوي. على رغم ذلك لم يكتف. كان الهراوي أسير الوصاية السورية في المقر الرئاسي الموقت في الرملة البيضا في قبضة المخابرات السورية في البوريفاج وعنجر. وكان المطلوب وقتها تغيير جذري في النظام السياسي كله. ولذلك تم فرض انتخابات 1992 النيابية بمن حضر. “حزب الله” يريد اليوم أن يكرر التجربة بالمقلوب ربما. هو لا يريد رئيساً للجمهورية قبل أن يضمن إجراء انتخابات نيابية على قاعدة 1992 تشكل انقلاباً على انتخابات 2005 و2009. قبل انتخاب الرئيس يريد مجلساً نيابياً موالياً له. وإذا كان عهد الوصاية السورية قبل بأن يكون الرئيس رفيق الحريري رئيساً للحكومة فإن “حزب الله” لا يريد أن يكون الرئيس سعد الحريري في السراي.

لذلك يبدو الحوار في عين التينة تضييعاً للوقت. ولذلك لم تشارك “القوات اللبنانية” فيه. صحيح أن هناك من يشاركون ويجلسون إلى الطاولة ولكن الحوار الحقيقي يدور على محاور حلب في سوريا. منذ العام 2013 دخلت قوات المعارضة السورية إلى حلب وسيطرت على أجزائها الشرقية. كان هذا “الإنجاز” تحولاً استراتيجياً في المعركة على الأرض. النظام السوري أطلق منذ ذلك الحين معركة استعادة حلب. وحلفاؤه في لبنان بدأوا يعدون الساعات التي سيتمكن فيها جيشه من الوصول إلى حلب ولكن الآمال تبخرت. اليوم بعد ثلاثة أعوام تعود معركة حلب لتقرر مسار الحرب في سوريا. بعد التدخل الروسي في الحرب استبشر النظام السوري و”حزب الله” وإيران استمرار التقدم العسكري نحو حلب ولكن فجأة قررت روسيا الذهاب إلى المفاوضات وفرضت وقفاً لإطلاق النار في ظل خيبة أمل النظام والحزب وإيران. السيد حسن نصرالله أعلن أن معركة حلب مصيرية وأنه سيزج كل قواته فيها لتغيير موازين القوى ولأن الحرب في حلب تحمي النظام في دمشق.

ضمن هذه الاستراتيجة فإن حماية النظام السوري و”حزب الله” تبدأ أيضاً من قصر بعبدا. الحركة السياسية التي قادها الدكتور سمير جعجع من خلال دعم ترشيح العماد ميشال عون كادت تحدث اختراقاً. النائب وليد جنبلاط بدا أكثر ميلاً إلى هذا الخيار.

الرئيس سعد الحريري سأل عن الضمانات وطرح الموضوع داخل تياره لبحث خياره واتخاذ قراره. في ظل هذا الجو اختار السيد حسن نصرالله مناسبة وفاة أحد قياديي حزبه اسماعيل زهري ليشن حملة جديدة على المملكة العربية السعودية. النائب سليمان فرنجية سلك طريق عين التينة ليلتقي الرئيس نبيه بري ويخرج مصرحًا بتمسكه بترشحه لرئاسة الجمهورية وليعلن أن أحدًا لا يمكن أن يقنعه بالإنسحاب وذلك قبل يومين من موعد ثلاثية الحوار الضائع في عين التينة.

لا يريد “حزب الله” أن يكون هناك رئيس للجمهورية في لبنان قبل ضمان نتائج الإنتخابات النيابية. من هنا يمكن فهم تحصنه وراء التمسك بترشيح العماد ميشال عون. ومن هنا ربما يمكن فهم سبب تشكيكه بترشح الرئيس سعد الحريري للنائب سليمان فرنجية. كان هذا الترشيح مغريًا جدًا للحزب ولكنه اختار أن يعرقله ليس حبًا بالعماد عون ولا كرهًا بفرنجية إنما بسبب عدم تطابقه مع استراتيجته العامة للحربين اللتين يخوضهما في لبنان وفي سوريا.

عندما رشح الدكتور سمير جعجع العماد عون كان بإمكان الحزب أن يسهّل عملية انتخابه لو كان يريده حقاً في قصر بعبدا. لكنه تملص من هذا الإستحقاق ليبقي الرئاسة رهينة لديه. ولذلك يبدو أن هذا الترشيح هو المحور الأساسي في معركة الرئاسة حيث يجب أن يكون الإختراق من أجل الجمهورية أولاً بدل التلهي في حوار معلق على محاور معارك حلب.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل