Site icon Lebanese Forces Official Website

حكاية بطل إسمو أنطوني – “الجزء الأول”

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1571:

 

نحن والقضية – قصة نضال: حكاية بطل إسمو أنطوني – 1

 

ليس المقصود إحداث صدمة ولا استثارة الغرائز او حك المشاعر الإنسانية أو الإستسلام لعبثية الحياة وخلق حالة خلافية مع الله.

ليس المطلوب ان نتمتم عبارة”يا حرام” أو “الله يعينو ” فهذا الإنسان الواقف امامنا من دون يدين ولا قدمين ، ونصر على كلمة”واقف”بطل إسمه أنطوني نحول. ولعلمكم، هذا الواقف أمامنا، أمامكم، يستفز إرادتنا في الحياة ويهزأ من استسلامنا لضمور الحياة ومصاعبها ويرفض حتى إلا أن يكون هذا “المختلف” على كرسي متحرك ليؤكد في كل لحظة حياة أنه يستحق أن يعيش الحياة بشغف ونضال وتحدٍّ.

أكثر من مرة بكى أنطوني، إنتفض على نفسه، على محيطه، عاتب الخالق وسأل: “ليش أنا؟ شو عملت لألله حتى خلقني على هالصورة من دون إيدين ولا إجرين؟ وكثيرة هي المرات التي استفزته فيها نظرات الدهشة في عيون المجتمع الذي واجهه مع أهله .

هذا الواقف امامكم والعابث بكل تحديات الحياة خاف، تقوقع في الظلام وتردد..لكنه تحدى نفسه والمجتمع حتى وصل إلى مسرج الجامعة ووقف امام 5000 شخص ليقول لهم:” أنا هنا لأنني لا أختلف عنكم. أنا تعلمت وتخرجت واليوم أنا أمام تحد جديد:البحث عن عمل في مجال تخصصي”.

إفتحوا أعينكم، حدقوا جيدا، وإحفظوا الإسم جيدا. إنه أنطوني نحول أو بالأحرى البطل المناضل الملتزم بحزب “القوات اللبنانية”السكران بعشقهللحياة. تلك الحياة التي أرادته ان يكون مثالا حيا وشاهدا على صفحات روزنامتها ليتمجد اسم الله. إنه أنطوني نحول الذي يدرك تماما أنه جاء إلى هذه الدنيا لأنه يحمل رسالة ما”وبس تخلص رسالتي راح روح عند ربنا اللي حطني بهالدني وقللي عيش وتعلم وحقق أحلامك”.

  

 

كان المفروض أن نتوجه إلى منزل أنطوني نحول في مستيتا “بس يمكن تضيعو. خلينا نتفق على مكان أقرب. إنت حددي المكان وأنا ما عندي مشكلة بوصل لمطرح ما بدك شرط يكون المكان مجهز بممرات خاصة للمعوقين”. للحظات فكرنا أننا أخطأنا في الرقم. لكن إصراره على الأمر شجعنا على ترك حرية الإختيار له. فكان اللقاء في أحد المطاعم في منطقة كسروان”. دخلنا. أنطوني على كرسيه المتحرك يتابع الأخبار واتصالات العمل عبر هاتفه الخليوي المثبت على الكرسي”. يبادرنا: “أكيد كنت محضرة نفسيا لأنو بصر على أصحابي وأهلي إنو يحضرو كل شخص بدو يلتقي فيي للمرة الأولى… من وين منبلش؟”.

ليس بالبساطة ان تبدأ الكلام مع إنسان تستفزك إرادته وعشقه للحياة إلى درجة الهزيمة والإستسلام لفكرة التحدي ومعاقبة أفكارك المتوارثة عن مشيئة القدر. من أين نبدأ؟ من اللحظة التي فتح فيها أنطوني عينيه على هذه الدنيا. تلك اللحظة التي يصر أنطوني على أن لا يغوص في تفاصيلها لأنها لم تأخذ من تفكيره إلا دقائق معدودة. كان ذلك يوم سأل والدته أسمى عن التفاصيل العلمية التي سبقت لحظة مجيئه إلى هذه الدنيا “بفتكر أهلي ملمين أكتر بالتفاصيل العلمية والطبية. كل اللي بعرفو إنو القدرة الإلهية ما خلت الطب يكتشف حالتي اثناء فترة الحمل. وكان مفروض تخلق بنت بحسب صور الأشعة. ويمكن هالقدرة الإلهية تدخلت تا تحطن أمام أمر واقع وتقللن إنتو امام مسؤولية مش سهلة ورسالة يمكن طويلة ويمكن قصيرة بمشوار العمر بس الأكيد إنها صعبة”.

3 تشرين الثاني 1994 أبصر أنطوني نحول النور في مستشفى الروم في الأشرفية. الولادة كانت قيصرية لكن الطفل المولود كان جسدا كاملا بقلب وعقل سليمين ووجه خال من أية تشوهات خلقية وروح تنبض في قلب جسد من دون يدين ولا رجلين. الصدمة التي اجتاحت الفريق الطبي في غرفة العمليات وتحديدا إختصاصي التوليد الذي رافق أسمى على مدى أشهر حملها التسعة كانت كبيرة لكن من دون تفسير علمي في اللحظات الأولى. أو كما يصر أنطوني “ما في تفسير علمي وما بدي اعرفو لا أنا ولا أهلي لأنو متفقين على مبدأ إنو القدرة الإلهية ورا كل شي صار أثناء فترة حمل والدتي بي”.

والد أنطوني ميشال الذي كان أول من تلقى الخبر… يسكت أنطوني لثوان ويضيف بضحكة تكشف عن ملامحه الملائكية: “بس خلقت بيخبر البابا إنو طبيب الأطفال قللو إبنك ما بعيش أكتر من 3 أيام وقرر يعمدني بكنيسة المستشفى حتى روح عند يسوع أنا وحامل سر الميرون”. ويضيف ضاحكا: “أنا مسجل روم أرثوذكس بوثيقة العمادة. بس 3 أيام صاروا 22 سنة”.

تلك الروح الإيجابية، التفاؤلية لم يرثها أنطوني بالجينات ولم يكن مهيأً حتى لأن يتقبل ذاته وواقعه لو لم يكن محتضنا أولا وآخرا من قبل عائلة آمنت بمشيئة الله وبقدرها الذي سارت عليه بإيمان وصبر كبيرين: “بعترف إنو الدور اللي لعبتو الماما أسمى والبابا ميشال كان كبير كتير. أنا وعيت على حالي من دون إيدين وإجرين. ودايما كانوا يقولولي إنت ما بتختلف عن غيرك من الأولاد المهم تفرجين شو عندك طاقات جسدية وفكرية داخل هالجسم المختلف عن باقي البشر”.

ثمة من سيقول ويكرر”الكلام سهل لكن الواقع على الأرض مختلف لا سيما لجهة مواجهة هذا الواقع مع المجتمع. ويروي أنطوني: “بعد ما خلقت استقروا اهلي ببيت جدي لإمي. كانوا محتارين إذا بيضهروني ع المجتمع أو بيخلوني بين أربع حيطان حتى ما يصدمو الناس أو ينصدمو بدورن بسبب التعليقات والأسئلة ونظرات الشفقة والإستغراب… وبتخبرني الماما إنو بأحد الإيام بيقللن جدي ” هالصبي إبنكن والناس لازم تتقبل الأمر الواقع وهيك صار… بس الدور الكبير كان لأهلي اللي ما حسسوني ولا بلحظة إني إنسان مختلف عن غيري”.

عندما بلغ أنطوني عامه الثالث قرر ميشال وأسمى تسجيله في إحدى المدارس. وهنا بدأ التحدي. فالخيار الطبيعي كان تسجيل أنطوني في مدرسة أو معهد متخصص بذوي الحاجات الخاصة لا بل بذوي الحالات الأكثر حاجة نظرا إلى خصوصية وضع أنطوني لا سيما وأن التشخيص الطبي لحاله المعروف طبيا باسم “SYNDROME OF TETRA-AMELIAنادر، ليس في لبنان وحسب إنما في العالم. وتشير التقارير بأن هناك 9 حالات مشابهة لأنطوني في العالم وعندما ولد تم تسجيله كحالة عاشرة.

مسألة تحديد الخيار في مسالة إدخال أنطوني إلى مدرسة خاصة لذوي الحاجات الخاصة او عادية لم تأخذ وقتا طويلا في منزل آل نحول فكان القرار.”سجلوني بمدرسة “الليسيه ” بعمشيت. بس كنت تلميذ منزلي وكانو يجو الأساتذة والمعلمات من مدرسة الليسيه ويعطوني الدروس وفق المناهج المعتمدة لكل صف .وما كنت روح ع المدرسة إلا بفترة إمتحانات آخر السنة. وهون كمان كنت إقعد بصالة خاصة وحدي وتتولى معلمة كتابة الأجوبة على الكراس. أما الإمتحان الشفهي فكان أكثر سهولة. وبس يخلص الفحص إرجع مع السائق على المنزل”.

واظب أنطوني نحول على تلقي دروسه في المنزل حتى صف الأول متوسط (6eme) وكان لافتاً في تفوّقه. “كنت تلميذ شاطر وإطلع الأول بصفي لدرجة إنو حصلت على معدل 19,14 بالإمتحانات النهائية بصف 6 eme واستحقيت تنويه من الأساتذة والإدارة. وبس رحت تا اتسلم الشهادة خبرت المدير إنو بدي انتقل لمدرسة تانيي سألني “شو آخر طلب لإلك بمدرستنا؟ قلتللو بدي إنزل ع الملعب وإتعرف ع تلاميذ المدرسة ورفقات صفي لأنو من صف الحضانة لآخر سنة بالمدرسة ما نزلت مرة ع الملعب وكانو رفقاتي بالصف يشوفوني من خلال شباك بس روح اعمل امتحانات نهاية السنة”. وتحققت أمنية أنطوني. وهناك كانت المواجهة الأولى مع الرفاق “كنت محاط بالأساتذة والإداريين ورجال الأمن لأنو التلاميذ هجموا عليي كأنو شايفين إنسان من كوكب تاني. كانوا مستغربين بس ما لاحظت بعيونن نظرات شفقة. وهيدا الشي اللي خلاني إقوى أكتر.. بقيوا صامتين وما حدا حكي كلمة ولا سأل سؤال. انا كنت عم بتروق منقوشة. أخذت المبادرة وبلشت اتحدث معن. والأهم إنو تعرفت على شارلي اللي كان ينافسني على المرتبة الأولى بكل السنوات. بس خلص اللقاء ودعتن وبقيوا مرافقيني بنظرات الإستغراب”.

تلك المواجهة التي حفرت في ذاكرة أنطوني لم تكن لتمر بشكل طبيعي لو لم يكن محصنا بسلاح الإيمان وإرادة الحياة التي زرعها في عروقه والده ميشال وأمه أسمى. “ولا مرة حسسوني أهلي إني ولد مختلف عن أختي ريتا (20 عاما) وخيي جو أندرو (13 عاما) وبس يروحو تا يشترو ثياب أو أحذية كنت روح معن. مرة كنا بمحلات “باتا” وكان عمري 11 سنة. كنت قاعد عالكرسي على جنب حتى يخلصو أهلي وإخوتي من شراء الأحذية. فجأة بشوف ولدين من عمري تقريبا عم يدلو بأصبعن عليي ويتوشوشو. اطلع فيي بيّي ولاحظ من حركات وجي إني مزعوج. قرب لعندي وقللي: “أنطوني ما فيك تلوم الناس بس يشوفوك ويطلعو فيك بطريقة غريبة لأنو عم بيشوفو شي جديد. بس اللي فيك تعملو إنو تخبرن شو في بداخل هالشكل الجديد اللي شايفينو. سألتو شو بعمل؟ قللي عيطلن واحكين. وهيك صار. عيطت للولدين وبلشنا نتحدث. وصاروا يسألوني عن حالتي وفسرلن. بس وصلت إمن عيطت علين وقالتلن ما تضايقو. قلتللا انا مبسوط فين وهني ما عم يزعجوني. من وقتا تعلمت إنو آخد المبادرة وإحكي مع الناس اللي بواجهن بالمجتمع للمرة الأولى حتى يتعرفو على داخل أنطوني”.

من مدرسة الليسيه إلى راهبات الوردية في جبيل. والخيار لم يأت عبثا: “كان المفروض يختاروا أهلي مدرسة قريبة جغرافيا من مكان السكن بمستيتا لأنو طريقة التعليم كانت راح تصير عن طريق النقل المباشر من المدرسة للبيت ومع إنو ما انتقلت للصف متل باقي التلاميذ بس كنت إخضع للنظام المدرسي من دون استناءات. يعني اوعا الساعة 6 الصبح وتحضرلي إمي زوادتي ويبلش الدرس بس يدق الجرس وكنت اتواصل مع رفقاتي والأساتذة وشارك كما لو كنت بالصف. وبس يدق جرس الفرصة آكل السندويش والأهم من هيك إنو كنت إخضع لنظام المراقبة: يعني الغش والنقل ممنوعين”.

الإحتكاك المباشر بين أنطوني وتلاميذ الصف والأساتذة أدخله عالما جديدا وبدأ يشعر بأنه صار أكثر اندماجا بالمجتمع الخارجي. حتى اهتماماته تغيرت وتوسعت مروحة علاقاته الاجتماعية وصار يشارك في النشاطات والسهرات التي ينظمها الرفاق مما أثر بشكل بسيط على مستوى علاماته. “بالليسيه كنت إذا نزل معدل علاماتي عن 20/19 إزعل بس وقت بلشت إهتماماتي تخرج عن إطار الدرس والقراءة ما عدت كتير إنقهر إذا المعدل انخفض لل 17. المهم إنو بقيت متفوق وأثبتت للناس إنو قادر كون إنسان إجتماعي”.

(غدا الحلقة الثانية)

Exit mobile version