نتابع مع أنطوني نحول في الجزء الثاني من “حكاية بطل إسمو انطوني” مشوار التحدي من الجامعة إلى سوق العمل.
وفي هذا الجزء يروي والده البطل الثاني ميشال نحول كيف واجه وعائلته المجتمع بأنطوني بإيمان وروحانية وفعل تحدي.
استطاع أنطوني أن يبني لنفسه عالماً محصّناً ضد كل نظرات المجتمع ومظاهره إلى درجة أنه كان يحرص في كل مرة يتلقى فيها دعوة من الرفاق للخروج إلى أحد المقاهي او المطاعم او حتى إلى البحر كان يصر على الصديق المشترك أن يضع المشاركين معهم في المشروع بحقيقة وضعه: “ما كنت لوم أيا شاب أو صبية على نظرات الإستغراب والدهشة اللي كنت شوفا بعيونن بس إلتقي فين لأول مرة. على العكس كنت لوم أصحابي”. وبدل أن يشعر بالإحراج كان يحرج الآخرين بإرادته وتصميمه على مواجهة مطلق أي عقبات جغرافية أو لوجستية تعترضه.” بإحدى المرات كنا ضاهرين نسهر بأحد الملاهي الليلية بس وصلت لهونيك اكتشفنا رفقاتي وأنا إنو ما في ممر خاص للمعوقين. ضهر صاحب الملهى وبس شافني أصيب بالذهول. سألني كيف ممكن ساعدك؟ قلتللو بتساعدني إذا بتجهزو مدخل الملهى بممر خاص للمعوقين. جاوبني أصلاً ما فكرنا ولا مرة إنو شخص متلك ممكن يجي ويسهر. إنت مطرحك مش هون… ضحكت وأصريت على رفقاتي إنو يحملوني وفتنا وسهرنا”.
حادثة ثانية يستعيدها أنطوني ويرويها بعناد وصلابة تعكسان دور والديه في مساندته على مواجهة كل معوقات الحياة وذهنية البعض لا بل الغالبية المكللة بالقشور البالية: “كان عمري 5 سنين وكنت مع إمي بأحد المسابح الخاصة. فجأة بشوف لولاد اللي كانو عم يسبحو معي بالبيسين المخصصة للأطفال عم يضهروا. ما فهمت. شوي بيجي صاحب المسبح وبيطلب من الماما إنو تطلعني لأنو لولاد خافوا من منظري والبعض عم يبكي وأهلن هددوا إذا ما بيطلع من البيسين راح يفلو. جاوبتو الماما: وإذا ما طلّعتو شو بيصير؟ قللا ما حدا من الولاد راح ينزل. وكان جوابا: “عظيم فإذاً ما حدا راح يتسبح بهالبيسين اليوم إلا أنطوني وأنا. وكملنا نهارنا من دون أي تعديل بالبرنامج”.
رغبة والدي أنطوني بعدم معاملته كإنسان مختلف تجلت في مرحلة الإمتحانات الرسمية لشهادة البريفيه. “كان مفترض قدم امتحاناتي بمركز مخصص لذوي الإحتياجات الخاصة بس أهلي رفضوا. قدمت طلب عادي بس الفحص كان داخل قاعة خاصة يعني انا ومعلمة تولت كتابة الأجوبة حتى إختصر الوقت وانهي المواد بالوقت المحدد”. وعند صدور النتائج كانت المفاجأة “ناجح مع التنويه”. فرحة النجاح الباهر في امتحانات شهادة البريفيه انعكست صدمة في امتحانات المرحلة الثانوية بسبب خطأ حصل أثناء عملية نقل المسابقات من مركز الإمتحانات مما أدى إلى ضياع مسابقات أنطوني بين مركز تصحيح وآخر وتحديدا مسابقتي اللغة العربية والرياضيات وكونه كان في الفرع العلمي فإن رسوبه في مادة الرياضيات كان وراء رسوبه في الدورة الأولى فأصيب بانهيار عصبي وكآبة. فقرر أهله إرساله في رحلة استجمام إلى روما عاد بعدها معبأ بالحيوية والفرح وازدادت إرادته في تحدي كل معوقات الحياة”.
أنهى أنطوني مرحلة الدراسة وبدأت رحلة تحدٍّ جديدة، لا بل نقطة البداية نحو مستقبل سيؤسس له من خلال الإختصاص العلمي الذي سيختاره. لكن أي اختصاص يختار؟ وفي أي جامعة؟ بالنسبة إلى أنطوني وأهله لم تكن إعاقته مقياسا لخيارات تخصصه العلمي لكن الواقع فرض عليه أن يختار الانتقال الى اختصاص برمجة الكومبيوتر بدلا من الهندسة التي يعمل والده في مجالها وكان يرغب في خوض غمارها.
تسجل في جامعة “LAU” في بلاط – جبيل. إلى هنا كان أنطوني لا يزال يعيش في عجقة التحضيرات للمرحلة الجامعية إلى ان جاء يوم الإستحقاق، اليوم الأول في الجامعة. “بتذكر إنو أول نهار جامعة أصبت بعارض صحي وإسهال قوي بسبب الخوف. فجأة صرت إنسان آخر، إنسان خايف من المجتمع، إنسان متمرد. بكيت وحتى إنو رفضت حالي بس لوقت كتير قصير. وحتى ما تتدهور صحتي طلب مني البابا إنو ما روح عالجامعة. بلحظتا كأنو حدا ضربني كف. قلتللو لأ. إذا اليوم ما رحت على رغم كل مشاعر التوتر والخوف يعني ما راح روح ع الجامعة أبدا. وهيك صار. أخذت الدوا ورحت ع الجامعة مع السائق. بس تا يكمل النهار فتت على صف آخر وبس اكتشفت إنو عم بحضر صف لمادة أخرى حسيت بالإحراج وما حبيت إترك القاعة حتى ما يكتشف الطلاب إنو مضيع بالصف. كمّلت الحصة وخبرت الإستاذ بس خلصت بالحقيقة. يومها ضحك كتير وذكر زملائي بهالواقعة يوم تخرجنا من خلال الكلمة اللي كتبا على صفحتو ع الفايسبوك وبيهنيني فيا على قوتي ومثابرتي بالحياة”.
في الجامعة كان على أنطوني ان يواجه بيئة جديدة ومجتمعا يحملان في طياتهما خليطا من الطباع والشخصيات وحتى المواقف. “متل كل محطة جديدة بحياتي كان في ناس بيتقبلوني وناس لأ. حتى اللي تقبلوني كانوا أمام استحقاق، كيف بدن يتعاملوا معي؟ واكتشفت كمان إنو البعض ما تقبلني كرمال “البريستيج”. لكن دعم أهله ورفاقه كان كفيلا في تحصينه وحثه على إخراج قدراته الفكرية والعقلية: “كنت قول طالما توصلت لقناعة إنو الحاجة أم الإختراع وصرت آكل وإكتب وحدي وحتى قادر كون مسؤول إلى حد ما عن نفسي ليش بدي خاف من مواجهة هالمرحلة؟”
.jpg)
أنهى أنطوني مرحلة التخصص الجامعي وكان يعيش حياته بشكل طبيعي فيشارك في كل النشاطات الجامعية وسهراتها وعُين رئيسا لدائرة الطلاب إلى أن جاء يوم التخرج وكان حضّر له مع رفاقه وزملائه. يومها كانت قررت إدارة الجامعة اللبنانية الأميركية منحه جائزة “ساره الخطيب” (التي توفيت بعد صراع مع مرض السرطان وذلك بعد أيام معدودة على نيلها شهادة التخرج) لكن أنطوني كان رافضا للفكرة لأنه اعتبر أنه لم يحقق إنجازا من خلال متابعة تحصيله الجامعي ولا يستحقها. “ساره كانت عم تجي ع الجامعة وتحضر الصفوف أثناء تلقيها العلاج الكيميائي وناضلت حتى حصلت ع الشهادة ورحلت عن هالأرض بعد أيام قليلة على تخرجا. بس أنا شو عملت؟ انا متلي متل أيا طالب عادي. عم بجي ع الجامعة مع السائق وبدرس بس من دون إيدين ولا إجرين وكان عليي إنو بلش فتش عن شغل. بس أهلي أصروا وقالولي إذا ما بدك تتسلما كرمالك ع القليلة كرمال اللي عم بيحاربو بهالحياة تا يوصلو”، فكانت هذه الكلمات كافية لإقناع أنطوني بتسلم الجائزة في يوم التخرج.
عندما تسلم أنطوني الشهادة وقف نحو 5000 شخص كانوا يشاركون في حفل التخرج بالإضافة إلى أفراد الهيئتين التعليمية والإدارية في الجامعة واشتعلت الصالة بالتصفيف. “ما عرفت كيف بدي إتصرف. حسيت بالإحراج. بس تذكرت كلمات بيي ميشال: “خللي الناس يكتشفو شو في داخل هالإنسان”. وبس تسلمت جائزة سارة الخطيب بإحتفال خاص بالجامعة أثبتت لنفسي ولأهلي وللجميع إنو أنا أنطوني نحول بستحق الحياة”.
.jpg)
بعد تخرجه من الجامعة استعاد أنطوني جزءًا من هواياته، لا سيما منها الرياضية. نعم. صدقوا. رياضة بدنية للمحافظة على رشاقته. هكذا يبادرنا أنطوني ويستطرد من على كرسيه المتحرك: “بدك فرجيك كيف بمارس رياضة المشي؟ او الـ PUCH UP؟ أو المعدة؟”. حقا يستفزك طموحه تستفزك إرادته وحتى عشقه لهذه الحياة التي جاء إليها من دون أن يقرر كيف ومتى ولماذا؟ لكنه وضع الأجوبة واخترع كل الوسائل التي تساعده على تجاوز حاجاتها الطبيعية وحتى ما فوق الطبيعة!
ولأن أجندة الحياة تفترض أن يكون مسؤولاً عن نفسه بدأ أنطوني البحث عن عمل فور تخرجه لكنه كان يصطدم في كل مرة بعدم وجود الوسائل المخصصة لدى الشركات لذوي الإعاقات بالإضافة إلى الموقع الجغرافي إذ فضل أن يكون مكان عمله قريبا إلى حد ما من مكان السكن. إلى أن جاءت الفرصة في شركة متخصصة في برمجة الكومبيوتر في منطقة كفرحباب: “قدمت السيرة الذاتية وقبلوني. بس رحت تا أعمل المقابلة قللي مدير الشركة، هاي تجربة فريدة من نوعا. انا مستعد خوضا إذا كنت مستعد. وانطلق في رحلة العمل حيث يتوجه إلى المكتب يوميا برفقة سائقه الخاص ويعود في نهاية الدوام. “الشغلة الوحيدة اللي انعملت وفقا لوضعي إنو اشتركت إدارة الشركة بالموتور المخصص للمصعد الكهربائي عدا ذلك متلي متل غيري ما في إستثناءات” يقولها بفرح وبسمة.
.jpg)
أكثر من مرة بكى أنطوني، ثار على نفسه، رفض واقعه. لكنه في كل مرة كان يخرج من أزمته أكثر قوة وإصرارا على تحدي الحياة. حتى فكرة الإرتباط لم يستثنها من قاموس حياته ولم يجرد مشاعره من أحاسيس العشق والغرام: “أكيد راح حب يوما ما، وإتزوج لأني برفض إبقى وحيد. بدي كمل حياتي مع شريكة عمري بس مش قبل ما صير مسؤول عن حياتي بالمعنى المادي”. نحاول أن نغوص أكثر في مفهوم الإرتباط من الناحية العلمية لكنه يجيب قبل أن نسأل: “سؤالين طرحتن على أحد الأطباء لأنو بكره روح عند الأطباء، أول سؤال إذا بقدر إتجوز وإحصل على نعمة الإنجاب وكان الجواب نعم فيك تتجوز ونسبة إنو يكونوا ولادي أصحاء بتوصل للـ 75 بالمية”. وهل ستغامر وتنجب؟ “أكيد لأنو أنا مقتنع إنو مجيئي على هالدني رسالة وإذا ربنا بدو يكفي الرسالة من خلال أولادي اللي ممكن يخلقوا على صورتي ليش لأ؟ هاي مشيئة ربنا”.
حتى عمر الـ 13 سنة كان أنطوني مضطراً لدخول المستشفى دورياً لبتر أجزاء من العظام التي كانت تنمو بشكل سريع في اليدين وتؤدي إلى تمزق الجلد. “بس بعد عمر الـ 14 انتهت الجلجلة والوجع”. لكن ماذا عن إمكان تركيب أطراف إصطناعية؟ طبياً يجيب أنطوني بأن هناك استحالة. والجواب هو خلاصة مراجعة عدد من الإختصاصيين في لبنان ومعاهد عالمية زارها مع والديه كان آخرها مركز متخصص بتركيب الأطراف الإصطناعية في بوسطن في الولايات المتحدة للتأكد من عدم إمكاني ذلك. ويضيف: “في كل مرة كان الجواب العلمي نفسه هناك استحالة في تركيب أربعة أطراف إصطناعية لأن ذلك سيؤدي إلى خلل في نقطة ارتكاز الجسم. بعدين أنا مرتاح مع نفسي هيك. وبدي الكل يتقبلوني متل ما ربنا خلقني”. ويختم: “لو كان عندي إيدين وإجرين كان طولي 179 سنتمتراً ووزني 86 كلغ . لو… بس بالواقع طولي 88 سنتمترا ووزني 43… ويستطرد: نصحان شوي لازم إرجع مارس رياضة المشي والسباحة وأعمل معدة….”.
.jpg)
ثمة الكثير الكثير بعد من حكاية بطل إسمه أنطوني نحول. نعم بطل لأنه قرر أن يتحدى الحياة وليس مشيئة الله، بطل لأنه لم يرف له جفن عندما كانت تجتاحه نظرات الدهشة وسخرية بعض ألسن المجتمع. على العكس استفزهم بإيمانه بعلمه بقدراته الذهنية وحتى الجسدية. لم ولن يستسلم. ألم يقل له والده يوما: “ما تنطر شي من الآخر فرجين إنت مين”. حتى الإلتزام الحزبي لم يوفره هو الذي تعرف إلى رئيس حزب “القوات اللبنانية” يوم خروجه إلى الحرية في 26 تموز 2005 وكان عمره 11 عاما. صحيح ان والدته حاولت ان تثنيه يومها خصوصا أنها عانت وعائلتها من ممارسات سلطة الوصاية نتيجة التزام والده ميشال بحزب “القوات”، لكن خلال دراسته الجامعية كان يشارك في نشاطات الطلاب وحالياً يتولى رئاسة مكتب الشؤون التنظيمية والمعلوماتية في دائرة كسروان وجبيل في مصلحة الطلاب في حزب “القوات اللبنانية”. ويروي: “أول مرة التقيت بالدكتور سمير جعجع كان بالعام 2013 بمعراب لمناسبة فوز طلاب “القوات” بانتخابات الجامعة وكل مرة بسمع خطابو وتصاريحو ومواقفو بتأكد أكتر إنو خياري الحزبي ما كان عن عبث”.
.jpg)
انتهى اللقاء. لكن ثمة سؤال بعد. لا بل أسئلة، عن الغد المجهول عما يمكن أن يحمل له، عن الله، عن الإيمان…”من الآخر ألله هون (ويشير إلى قلبه) أنا متأكد إنو في رسالة من ربنا لأنو ما كشف حقيقة وضعي قبل ما إخلق حتى كان مفترض طبياً موت أنا وجنين أو حتى بعد 3 أيام كحد أقصى من تاريخ ميلادي. بس بعدني هون. 3 أيام صاروا 22 سنة وبس تخلص رسالتي على هالأرض راح كون بأحضان يسوع”.
وبعد… ثمة الكثير بعد لنكتب عن هذا البطل الكثير الذي يصر أنطوني ان يرويه لاحقا لكن عن إنجازاته وربما عن حكاية حب جديدة.
إطار
ميشال نحول: أنطوني رسالتي ع الأرض
ليس أنطوني نحول من يستفز ضعف طبيعتك البشرية، وينخر في أعماق وجدانك الإيماني قاطعا الطريق أمام كل حالة خلافية مع الله. فوراء أنطوني نحول لا بل إلى جانبه أمه أسمى وشقيقته ريتا وشقيقه جو أندرو وأيضا هناك بطل ثان هو والده ميشال.
“انا ما بحكي عن أنطوني. أنا بخبّر عن علاقتي ودوري بحياة أنطوني”. هكذا يبادرنا. يقال “ذاك الشبل من ذاك الأسد؟” صدق المثل. لكن قلب ذاك الأب المارد الذي ولد في عين الرمانة والتزم بقضية “القوات اللبنانية” مفعم بالروحانية. ومن هناك يبدأ الكلام معه وعن إبنه أنطوني: “قبل ما اتجوز بجمعتين حلمت بضو قوي كتير وبسمع صوت عم بيقللي: مبارك اللي راح تعملو بحياتك بس بدك تجيب ولد من دون إجرين ولا إيدين. بذكر إنو وعيت خايف وكنت عم ببكي بصوت عالي. صرت صلي وقللو لربي كيف ولد من دون إيدين ولا إجرين؟ تاني يوم بوعا ما بذكر من الحلم إلا الضو القوي. رحت عند خطيبتي أسمى وخبرتا الحلم وقلتللا إنو في شي صعب كتير كبير بدو يصير بحياتنا. قالتلي إذا من ربنا فأنا راضية بحكمتو وإرادتو. “
.jpg)
بعد زواجهما مطلع التسعينات سافر ميشال وأسمى إلى كندا. 5 أعوام ولم يرزقا بولد. وعندما عادا إلى لبنان حملت أسمى بأنطوني. ” 9 أشهر ما بيّن إنو الجنين مصاب بأية تشوهات. كل اللي قلنا ياه الحكيم إنو مولودنا البكر راح يكون بنت. بس خلق أنطوني وخبرني الطبيب عن حالة أنطوني تذكرت الحلم. وما عدت سألت عن أي سبب طبي ولا فتشت عن أي تفسير علمي بس عرفت إنو حالة أنطوني تعرف باسم syndrome tetra- amelia وإنو في 9 حالات مشابهة بالعالم وأنطوني الحالة العاشرة”.
كان ميشال أول من رأى أنطوني في الحاضنة “كان نايم متل الملاك. وبس قللي طبيب الأطفال إنو ما راح يعيش أكتر من 3 أيام ركضت ع كنيسة المستشفى وعمدتو. بس طبيية أطفال تانيي بعتا ربنا وقالتلي روح خبر مرتك إنو إبنكن راح يعيش أكثر مني ومنك. نطرت 3 أيام حتى خبرها لأنو أنطوني خلق بعملية قيصرية وبس فتت لعندا وخبرتا الحقيقة كان جوابا “كتر خير الله بعدو عايش”.
إيمان ميشال استمده من عمق روحانيته. هو لا يريد تفسيرا علميا لأنه تلقى الجواب: “ربنا بيقول كل مرة منقوم بخدمة محتاج منكون عملنا خدمة لربنا. كيف إذا كان هالمحتاج بنص بيتي. ربنا اختصرلي طريق الخدمة حتى ما فتش عن ناس محتاجة وساعدا. وانا فهمت الرسالة”.
.jpg)
أسئلة كثيرة طرحها أنطوني على ميشال كانت بمثابة الإختبار لا بل المطهر أحيانا: “بتذكر كان عمرو 3 سنين وتحديدا كان يوم عيد ميلادو. عيطلي وسألني: “بابا راح يرجعوا يطوَلو إيديّي وإجريّي؟ كنا يوما بالسيارة آخدو مشوار. وقّفت على جنب وقلتللو: إنت بتعرف إنو انا ما بكذب عليك. لأ ما راح يتغير شي بشكلك بس بدي تعرف شغلة مهمة. كل الناس عندا إيدتين وإجرتين. إنت عندك ألف إيد وإجر نحنا كلنا إيديك وإجريك اللي راح تمشي وتتحرك بواسطتن بهالحياة. ومن هاللحظة تغلب أنطوني على واقعو لأنو تقبل نفسو”.
يردد ميشال “ليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات. إنما كل من يفعل مشيئته”. آمن ميشال أن مشيئة الله تحققت برزقتو ورجوتو أنطوني وأدرك أن ذاك الضوء وذاك الصوت اللذين ظهرا له في الحلم قبل أسبوعين من تاريخ زفافه كانا الرسالة التي من خلالها سيؤديها على الأرض “رسالة مفادها خدمة المحتاج”. تلك الإرادة تلك الروحانية ساهمتا في إيجاد الأجوبة على كل الأسئلة التي كان يطرحها انطوني على والده وغالبا ما كانت تخلق حالة جدلية بينه وبين الله. “أكثر من مرة سألني ليش أنا؟ شو عملت لربنا حتى خلقني من دون إيدين وإجرينوليش بتقولو خلقة الله؟”. أسئلة صعبة. يعترف ميشال، لأنها تخلق حالة خلافية مع الله. لكن الجواب كان يحضر في لحظتها “الله يتدخل في الخلق. هو يعطينا الروح والفرصة لنعمل عليها”.
.jpg)
هو الجبل والمارد الذي بقدرته الإيمانية استطاع أن يحول أنطوني إلى إنسان ينبض بالحياة والتفاؤل، إنسان يفرض نفسه وحضوره في المجتمع. لكن حتى هذا المارد المفعم بالإيمان والروحانية والمؤمن بمشيئة الله، هذا المارد الذي يحضّر لكتاب بعنوان “طريق الخدمة” يخشى من الغد “دايما بفكر شو ممكن يصير بأنطوني إذا فليت أنا وإمو، أو إذا صرت عاجز عن إنو إحملو وإخدمو ووقّف حدو. لهيك عم بشتغل وبسرق اللحظات من هالعمر تا أمنلو كل شي ممكن يخلي مستقل وما يحتاج لخدمتنا. كيف بدي أوصل لهالشي؟ ما بعرف. وهيدا اللي خايف منو. بس مسلّم حالي لربي وبقللو لأنطوني أنا اليوم عم بخدمك بكرا راح تكون إنت الخادم وانا المخدوم”.
حكاية بطل إسمو أنطوني – “الجزء الأول”
