نتائج ثلاثية الحوار..إنكماش إقتصادي

 

 

أرادوها ثلاثية للإتفاق على سلة مُتكاملة، فإذا بها إثبات جديد على تشرذم سياسي داخلي أكبر من التشرذم الذي يقع بين الاعداء. ولو إقتصر الأمر على الشق السياسي لكان الوضع مقبولا ربما، إلا أن تداعياته الإقتصادية لن تكون عابرة.

ثلاثة أيام جمعت أقطاب السياسة في لبنان للخروج بحلّ يشمل رئاسة الجمهورية، القانون الإنتخابي، رئاسة الحكومة، التركيبة الحكومية، والبيان الوزاري. لكن النتيجة التي تمّ التوصل إليها قضت بتعيين لجنة من الخبراء لدراسة الشق القانوني المُتعلّق بمجلس الشيوخ وصلاحياته وتركيبته.

الإستحقاقات التي تنتظر الدولة اللبنانية كبيرة وعلى رأسها تبادل المعلومات الضريبية، الملف النفطي، اللائحة الأميركية الجديدة، رفع الحدّ الأدنى للأجور… هذه الإستحقاقات لا يُمكن مُجابهتها بوضع سياسي مُشابه للوضع الحالي: غياب رئيس الجمهورية، إستقالة وزيرين، شلل المجلس النيابي، التمديد في المناصب الحساسة.

تبقى المُشكلة الأساسية أن كل هذا ينعكس على الوضع الاقتصادي والمالي للدولة اللبنانية. فأرقام القطاع الخارجي كارثية في العام ٢٠١٦ مع زيادة ١١٪ في عجز الميزان التجاري على الأشهر الست الأولى من العام ٢٠١٦ (٨ مليار د.أ) مقارنة بالفترة نفسها من العام ٢٠١٥ (٧.٢ مليار د.أ) حيت تراجعت قيمة الصادرات بنسبة ١١٪ في العام ٢٠١٦ (١.٣٨ مليار د.أ) مقارنة بنفس الفترة من العام ٢٠١٥ (١.٥٥ مليار د.أ) وزادت قيمة الواردات بنسبة ٧٪، وتراجعت الصادرات الصناعية بنسبة ١٣٪ على الأشهر الثلاثة الأولى من العام ٢٠١٦ (٦٣٣ مليون د.أ) مقارنة بنفس الفترة من العام ٢٠١٥ (٧٢٧ مليون د.أ)، زيادة العجز في ميزان المدفوعات بنسبة ٢٣٥.٤٪ على الأشهر الخمسة الأولى من العام ٢٠١٦ (١.٨ مليار د.أ) مقارنة بنفس الفترة من العام ٢٠١٥ (٥٢٥ مليون د.أ)، وتراجع تدفقات الرساميل في الأشهر الخمسة الأولى من العام ٢٠١٦ (٤.٩٩ مليار د.أ) مقارنة بنفس الفترة من العام ٢٠١٥ (٥.٣ مليار د.أ).

أما أرقام المالية العامة فليست أفضل حيث زادت النفقات بنسبة ٢٣٪ في الأشهر الثلاثة الأولى من العام ٢٠١٦ (٣.٨٧ مليار د.أ) نسبة إلى نفس الفترة من العام ٢٠١٥ (٣.١٥ مليار د.أ)، ومعها زاد العجز في الموازنة بنسبة ٣٥.٧٪ على نفس الفترة من ١.٠٦ مليار دولار إلى ١.٤٤ مليار د.أ في العام ٢٠١٦. يأتي هذا التراجع الأساسي من زيادة عجز الميزان الأولي الذي إرتفع من ١٣٨ مليون د.أ في الأشهر الثلاث الأولى من العام ٢٠١٥ إلى ٤٠١ مليون د.أ في نفس الفترة من العام ٢٠١٦ لتكون نسبة هذه الزيادة ١٩١٪.

أما الدين العام فقد بلغ بحسب الأرقام الرسمية ٧١.٥ مليار د.أ لتاريخ أذار ٢٠١٦ إضافة إلى المستحقات الداخلية على الدولة اللبنانية خصوصاً للمستشفيات وغيرها مما يعني أن حجم هذا الدين فاق الـ ٧٦ مليار د.أ.

هذا الواقع المذري كان ليكون أولوية للمتحاورين على طاولة الحوار حيث أن الوضع المالي الذي هو نتيجة الوضع الإقتصادي ونتيجة الإدارة غير الرشيدة المُتبعة، تُهدّد الكيان اللبناني برمّته ولن يكون هناك من لبنان في الأعوام المُقبلة إذا ما إستمرينا على الوضع الحالي.

نسبة التآكل الإقتصادي والمالي أخذت بالتسارّع مع وصول الوضع الإقتصادي إلى نقطة التراجع إن من ناحية الإنتاج أو حتى الإستهلاك. أما التآكل المالي فحدّث ولا حرج مع وصول الدين العام إلى نقطة أصبحت معها خدمة الدين تستهلك نصف مدخول الدولة اللبنانية والنصف الأخر للأجور!

لكن ما لم يأت على ذكره المُتحاورن هي الإستحقاقت التي تواجه الدولة اللبنانية وعلى رأسها إقرار قانون جديد يسمح بتبادل تلقائي للمعلومات الضريبية والذي تنتهي المهلة لإقراره في أيلول المُقبل.

وهذا يفرض علينا فتح مجلس النواب الذي تُعارض فتحه بعض القوى السياسية نظراً إلى تحول المجلس إلى هيئة إنتخابية وقفاً للدستور وفقدانه لصفته التشريعية. وفي حال لم يتمّ التوصل إلى فتح المجلس للتشريع، فإن لبنان مُعرّض للإدراج على لائحة الدول غير المُتعاونة ضريبياً (اللائحة السوداء).

أيضاً لم يأت المُتحاورون على ذكر اللائحة الجديدة للأشخاص والمؤسسات موضع عقوبات والتي ستصدر في أيلول المُقبل عن السلطات الأميركية. والأصعب في الأمر أن بعض المعلومات تُشير إلى أن هناك حاجة لإقرار بعض القوانين التي تتعلق بهذه اللائحة والتي تفرض أيضاً فتح المجلس النيابي.

أما الملف النفطي فإن إستمراريته مُرتبطة بدون أدنى شكّ بوجود رئيس للجمهورية لكي يكون للبنان صوت واحد يستطيع من خلاله التعامل مع مُشكلة الحدود البحرية مع إسرائيل.

فالحال اليوم أن هناك عدة أصوات تخرج من لبنان إلى العالم وتختلف في ما بينها على طريقة التعامل مع هذه المُشكلة. أضف إلى ذلك أن ملف بحجم الملف النفطي سيُغير وجه لبنان السياسي، الإقتصادي، المالي، التربوي… لذا من الضروري أن يكون هناك رؤية شاملة لهذا الملف من خلال خطة تشمل التعاطي من خلال رئاسة الجمهورية مع الولايات المُتحدة الأميركية لحلّ مشكلة الحدود كما والشق الإنمائي الذي سيطال لبنان نتيجة إستخراج الثروة النفطية والغازية.

أما في ما يخصّ الحدّ الأدنى للأجور، فإن بدء الإتحاد العمّالي المُطالبة بزيادته إلى ١.٥ مليون ليرة لن يُساعد في هذه المرحلة الحساسة وسيزيد الشرخ بين الشعب والطبقة السياسية. وقد تكون دوافع هذا المطلب سياسية أو إجتماعية، إلا أن أحقيتها لا تسمح بتجاهلها وسيكون هناك المزيد من الضغط على الحكومة في الأشهر المُقبلة.

بالطبع أخذت طاولة الحوار المنحى القانوني الدستوري متناسية المنحى الإقتصادي، المالي والإجتماعي وهذا ما أدّى إلى فشل هذه الطاولة لأن الإتفاق على الشق الإقتصادي هو أهم والحصول عليه أسهل من الاتفاق السياسي الذي يظل رهينة الإرتهان الإقليمي والدولي لبعض الأفرقاء السياسيين.

وبالتالي وجّه المُتحاورون طعنة سكين في خاصرة الإقتصاد اللبناني وماليته العامة. لا بل أكثر من ذلك سنشهد في الأشهر المُقبلة تأثير كبير لهذا الفشل على الصعيد الإقتصادي حيث من المُتوقع أن يتراجع مُحرك الإقتصاد الوحيد الباقي – أي الإستهلاك – بشكل ملحوظ وعليه لن يكون نمو ١.٥٪ على الموعد كما هو مُتوقع.

وبإنتظار ما ستؤول إليه طاولة الحوار في أيلول، إذا إستمرّ الوضع على ما هو عليه من المُتوقع أن يبدأ الاقتصاد اللبناني بالإنكماش إبتداءً من العام المُقبل وما يُعزز هذا القول هو التضخم السلبي الذي بدأت تُسجّله أرقام مؤشر الإستهلاك. وللأسف إذا ما دخلنا في هذه المرحلة، لن يكون من السهل بعدها العودة إلى وضع إقتصادي ومالي مقبول.

نعم فشلت الطبقة السياسية في وقف نزف الإقتصاد لا بل طعنته من جديد وتأثيرات هذه الطعنة لن تتأخر في الظهور في الأسابيع والأشهر المُقبلة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل