
مخطئ من ظنّ يوماً أن حوادث 7 آب 2001 عمل قمعي معزول في الزمان والمكان ولا يتخطى حدود زواريب اللعبة السياسية محلياً… ومتوهّم من حصر الأمر بأنه “فشة خلق” للرئيس أميل لحود والنظام الامني اللبناني – السوري وجميله أو “ضرب رزالة”. ربما عندما تكون في قلب الحدث من الصعب ان تستطيع الإحاطة بجوانبه كافة، وتدريجياً عامل الزمن كفيل بتظهير المسببات الجوهرية لا الشكلية من جهة وتداعياته وابعاده من جهة أخرى.
فمن المقاومة الصلبة للمجتمع القواتي وصمود سمير جعجع تحت ثالث أرض الى الارشاد الرسولي في أيار 1997 وحركية “التيار السيادي” يومها، فبيان أيلول التاريخي للمطارنة الموارنة عام 2000 ومن رحمه ولد لقاء “قرنة شهوان” والذي شكل ضربه أحد أهداف حوادث 7 آب وصولاً الى القرار 1559 مسار نضالي سيادي ناجح، تقاطع دولياً مع الخط البياني للسياسة الدولية في الشرق الوسط يوم إختلف شكله جذرياً عقب زلزال “11 أيلول” 2001 في الولايات المتحدة.
أهداف عدة حملتها في طياتها حوادث 7 آب من زرع الرعب وفرملة أي تحركات شعبية الى ضرب أي بوادر محتلمة لحراك سياسي عابر للطوائف وشرذمة فريق “قرنة شهوان” الذي بدأ يشكّل نواة صلبة للحركة السيادية برعاية البطريرك المقاوم مار نصرالله بطرس صفير، فـ”قرنة شهوان” بتركيتها وإن كانت ذات طابع مسيحي شكلاً لكنها مضموناً كانت مساحة لتقاطعات بين أكثر من طرف لبناني، وخلقت دينامية تسهل فتحت خطوط في أكثر من إتجاه وتعزز خطوطاً فتحت قبلها كتلك بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط و”القوات اللبنانية” عيشة مقاطعتها الانتخابات عام 2000 وكان الاصرار من قبل “القوات” على ان المدخل هو بكركي، وكانت المبادرة الجنبلاطية اتجاه الصرح البطريركي.
وتأتي محاولة ضرب “قرنة شهوان” في 2001 بعد فشل ضرب “القوات” في 2000 ومحاولة خرقها وهي التي شكّلت عصباً رئيساً في اللقاء وذلك عبر مبادرات نقلت الى جعجع في سجنه. لقد شكل نهج “القوات” يومها علامة ساطعة عن فشل النظام الامني بإلغائها، ونجحت في تحويل قضية إعتقال جعجع من البعد القضائي الى البعد السياسي، ومن قضية مسيحية الى قضية وطنية.
وبالطبع يجب الاخذ بالحسبان أن حوادث 7 آب أتت لتعزيز إمساك بشار الاسد ونظامه الامني بالورقة اللبنانية، في ظل التغيرات المتسارعة في المشهد الاقليمي العام 2000 مع الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان في 25 أيار وموت لاعب من الطراز العالي هو حافظ الاسد في 10 حزيران ومسار نقل السلطة في سوريا وتجلياته في لبنان حيث بدأت بوادر انشقاق بين الممسكين بالوضع اللبناني بين فريق بشار ومعهم اميل لحود و”حزب الله” والفريق السني في زمن حافظ والذي لم ينسجم كلياً مع بشار من غازي كنعان وعبد الحليم خدام وحكم الشهابي وبعض من السنة في لبنان الذين كانوا يتواصلون معهم.
الامر الذي بدأ كإشارة مع موت حافظ الاسد إزداد بعد 11 ايلول، فالرهانات تغيرت وإختلف الامر. السياسة الاميركية اتجاه لبنان ومقاربتها للوضع بدأت تختلف، فأصبح لدى القوى فيه هامش خيارات مختلفة. ومكاسب 7 آب التي حققها نظام السوري خسرها بعد 11 ايلول وكذلك جراء الصراع الباطني بين فريقيه.
قبل 11 ايلول، رفض الرئيس الاميركي جورج بوش استقبال البطريرك الماروني الذي بعد عودته الى بيروت نظم له استقبال شعبي كبير شكّل يوماً مشرفاً للمقاومة حينها.
بعد 11 ايلول، وضع بوش وفريقه سياسة اميركية خاصة للبنان بعدما كان هناك سياسة اميركية خاصة بالمنطقة، وهذا الامر شكّل تحوّلاً استراتيجياً رافقه تعزيز لحضور ودور “القوات اللبنانية” والتيار السيادي في االولايات المتحدة.
بعد 11 ايلول، شيء ما طرق على المناخ الايراني. فطهران رأت أن هذه هي الفترة المناسبة لمحاولة الدخول في تحالف ضمني مع الاميركي من باب محاربة الارهاب السني من جهة وضرب صدام حسين ونظام البعث في العراق. وهذه النقطة شكلت تقاطعاً مع هدف اسرائيل إنهاء نظام صدام حسين الذي كان يرعى العمليات الامنية على الارضها. لكن بعد احتلال العراق، شهدت المنطقة تبدّلا في الادوار، فبعدما كان حافظ الاسد هو الذي يلعب ورقة “حزب الله” والايراني في لبنان، اصبح بشار الاسد تدريجياً هو ورقة في يد ايران. وأضحى المشهد: نظام البعث في العراق سقط ونظام البعث في سوريا مهدد والسند الايراني محاصر. أما المملكة العربية السعودية التي أربكت كون العدد الاكبر من منفذي إعتداءات 11 ايلول من أبنائها، فنكبت على تظهير حقيقة صورتها لوشنطن وتأكيد عدم تورطها. وإستفادت من العلاقة مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك لتعبر من اوروبا الى أميركا من جهة، كما عملت على دعم التوجه الوطني اللبناني، وطرحت مبادرة السلام العربية في العام 2002.
المسار التصاعدي للتيار السيادي في الداخل والتحوّل المفصلي بعد 11 أيلول في الخارج جعلا من لبنان ملفا رئيساً يستحوذ على إهتمام كبير وكان القرار 1559، ثم الخطأ القاتل في التمديد لإميل لحود من قبل نظام الاسد، وبعدها جاء زلزال 14 شباط وإغتيال الرئيس رفيق الحريري، فمشهدية “14 آذار” وإنطلاق “ثورة الارز” وخروج جيش الاسد في 26 نيسان 2005. حينها سارعت إيران عبر “حزب الله” الى ملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب السوري وسعت عبر “الحزب” الى الامساك بالورقة اللبنانية.
سقط الاحتلال السوري واستبدل باحتلال ايراني، يستنزف اليوم في سوريا. وسقطت “14 آذار” في مطبات عدة، ولكن إرادة التصدي لإحتلال لبنان لم تسقط. صحيح ان المشهد الداخلي ملبّد، لكن التجارب التي عشناها تعلمنا أن لا أفق للمنظومات الاجرامية وللاحتلالات وإن كانت مبضطنة أحياناً. البلد ما زال اسيراً ومهما طال الفراغ وتعطلت مفاصل الدولة، ثمة ارادة وطنية لا يمكن تجاهلها بتكريس الاستقلال الفعلي. ومهما عشنا من 7 آب، فلا بد أن يطل “14 آذار” و”26 نيسان”.
