#adsense

إسلام بمقاييس أوروبية

حجم الخط

يبدو أن عدد المسلمين تجاوز في كل من فرنسا وألمانيا العشرة ملايين٬ والعدد مرشح إلى تصاعد. ما يقارب نصف هؤلاء ولدوا في بلدانهم الأصل. غالبيتهم من الشباب الذين يشكلون اليوم عصب المجتمع ومحركه ومستقبله المأمول.

المعادلة الأوروبية لم تعد سهلة. مراجعة الحسابات ورسم خريطة طريق جديدة٬ من دون مطاحنات وصدامات٬ تحتاج حكمة وحنكة. كيف تهضم أوروبا ملايين المسلمين دون أن تتأسلم٬ أو تتنازل عن قيمها؟ سؤال تحاول أن تجيب عنه نخبة سياسية٬ تستعين بالبحاثة والعارفين بشؤون الإسلام٬ دون أن تتمكن من بلورة إجابات سريعة٬ لكن الإجراءات حثيثة٬ والعمل مضٍن وشاق.

فرنسا تعمل على جبهتين رئيسيتين٬ الدين واللغة٬ طالما أن توفير فرص العمل والعدالة الاجتماعية لا يزال بعيد المنال. تعزيز لغة الضاد في المدارس لحماية المهاجرين من الإحساس بعقدة نقص واضطهاد الهوية٬ والتركيز على بلورة إسلام أوروبي٬ يتناسب وقيم الجمهورية.

نحو عشرين مسجًدا ومصلى في فرنسا أغلقت منذ بداية العام٬ والبقية تأتي. الكلام كثير حول أئمة يأتون من بلدان لا تشبه فرنسا في شيء٬ يعطون دروسهم وكأنهم في المغرب أو الجزائر. هذا يتناقض ومفاهيم الدولة. يتساءل أحدهم: «كيف يأتينا إمام تركي بالكاد يتقن بعض الفرنسية٬ ويشجع حكم الإعدام٬ ليعطي دروسه لفرنسيين مسلمين؟ أكثر من 300 إمام يخطبون في 2500 مسجد ومصلى لم يؤهلوا في فرنسا٬ وترك لهم أمر إعطاء النصائح والدروس للمواطنين٬ وتوجيههم بما لا يتناسب والمجتمع الذي يعيشون فيه. النقاش جار أيًضا حول كيفية تحييد الدين عن التمويلات الخارجية٬ وما هي البدائل؟ هل يمول من المسلمين أنفسهم٬ ومن بيع اللحم الحلال؟ وإذا لم يكن ذلك ممكًنا٬ كيف لدولة علمانية مثل فرنسا أن تمول مؤسسات دينية؟

معضلات مشابهة بدأت تظهر في ألمانيا٬ بعد وصول مليون لاجئ في عام واحد. واضطرت أنجيلا ميركل للاعتراف٬ للمرة الأولى في تاريخ بلادها٬ بأن «الإسلام أصبح جزًءا من ألمانيا٬ وأنها مستشارة لكل المواطنين٬ بغض النظر عن دياناتهم وأصولهم٬ طالما التزموا بالقوانين والقيم الديمقراطية»

وإذا كانت فرنسا تريد تدريس العربية في المدارس٬ والإسلام في المساجد٬ فإن الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني كان أكثر جرأة وتحرًرا بسبب طبيعة القوانين٬ حين دعا إلى تخصيص حصص لتعليم الدين الإسلامي في جمع المدارس الألمانية أسوة بالأديان الأخرى٬ كي لا تضطر العائلات لإرسال أولادها إلى جمعيات إسلامية من الصعب مراقبة ما تبثه من أفكار سوداء. ويوكل إلى جامعات ألمانية أمر تدريب المدرسين٬ وتأهيلهم لهذه المهمة. وبالفعل٬ فإن مراكز متخصصة بدأت بتخريج معلمين للدين الإسلامي بمقاييس ألمانية.

أي إسلام تريد أوروبا؟ هذا هو السؤال المطروح اليوم٬ بعد أن أصبح التخلص من 20 مليوًنا مهمة مستحيلة٬ مع سرعة في النمو٬ بحيث سيتضاعف عددهم في الاتحاد الأوروبي عام ٬2025 ويتوقع أن يصبح ربع سكان فرنسا من المسلمين. وكي نفهم٬ أن وجه أوروبا سيتغير عاجلاً أم آجلاً٬ يتوجب أن نقرأ جيًدا تلك الدراسة التي تعتبر أن 20 في المائة من سكان الاتحاد سيكونون من المسلمين عام 2050.

ما كانت المعضلة لتطرح بهذه الحّدة٬ لولا التطرف والعمليات الإرهابية الشنيعة التي ارتكبت باسم الإسلام٬ وصعود «الإسلاموفوبيا». لم يعف المسلمين من المسؤولية٬ أن 40 في المائة منهم ليسوا ملتزمين٬ ولا يقيمون شعائرهم الدينية. تكفي ثلة من المجانين حتى تقلب المشهد رأًسا على عقب. لم يعد الإرهابيون بلحى طويلة٬ ونتاج شهور من التردد على مساجد يديرها متشددون. صار الإرهابي مواطًنا عادًيا قد يرتاد الملاهي٬ ويراقص النساء٬ ويشرب الخمر٬ ويتم تجنيده بلمح البصر. أكثر من ذلك٬ فإن وزارة الداخلية الفرنسية لا تستطيع إحصاء الناس بحسب أديانهم٬ بسبب علمانية الدولة٬ وهو ما قد لا يخدم كثيًرا٬ أصلاً٬ إذ إن بعض من انخرطوا مع «داعش» من الفرنسيين٬ لم تكن لهم أي أصول إسلامية٬ لكنهم تعاطفوا٬ وذهبوا للقتال بحماسة.

الديموغرافيا الأوروبية تتغير٬ المجتمعات تتبدل٬ الوضع الاقتصادي المتهالك لا يسعف في امتصاص الصعوبات٬ وتجاوز التحديات. مسلمو أوروبا في وضع لا يحسدون عليه٬ فهم أيًضا منقسمون على أنفسهم٬ آتون من بيئات مختلفة٬ وخلفيات متنوعة. ومع ذلك٬ لحظة أن تشتعل نيران العنصرية٬ يوضعون جميعهم في سلة واحدة٬ مما قد يدفع إلى ردود فعل لم تكن محسوبة٬ ولا مرغوبة.

المسلمون يتناسلون ثلاث مرات أكثر من غيرهم في أوروبا. العنصر العربي الشاب الذي لم يتجاوز العشرين يشكل ثلث عدد المهاجرين في فرنسا. أمر بالإمكان استثماره في حال أحسنت إدارة مهاراتهم وتوظيف طاقاتهم. لكن من يملك العصا السحرية لكسر الدائرة الجهنمية؟ فقر وتهميش اجتماعيان مقابل استغلال انتخابي وضيع٬ وتوظيف للخوف من الإسلام٬ ونهج سياسي يعلن الحرب في الخارج٬ وحالة الطوارئ في الداخل.

أوروبا في وضع لا تحسد عليه٬ وفرنسا قد تكون الحلقة الأضعف بسبب علمانيتها التي تترفع عن التعامل مع الأديان٬ حد فقدان الواقعية. آخر الأخبار تقول إن 31 ألف امرأة حملت وأنجبت على الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم داعش٬ بينهم أطفال فرنسيون سيعودون أشبالاً داعشيين٬ مقاتلين أشاوس مغسولي الأدمغة٬ لا يعرفون من الدنيا غير قتال الكفار.

هؤلاء أيًضا يحسب لهم حساب٬ رغم أن عددهم قد لا يزيد عن العشرين. التعامل مع فئة كبيرة بناء على خوف من قلة قليلة٬ يربك المشهد. ثمة إسلام أوروبي يولد بعملية قيصرية٬ الثمن سيكون باهًظا٬ والمعاناة لن تكون سهلة.

لعل صموئيل هنتنغتون٬ رغم كل الانتقادات التي تستحقها نظريته المشؤومة٬ لم يكن مخطًئا بالكامل. «صدام الحضارات»٬ وصراعها الدموي٬ بات يحاصر الجميع٬ حتى أولئك الذين ظنوا أنهم يديرون اللعبة.

المصدر:
الشرق الأوسط

خبر عاجل