#adsense

للعصفورية مجانينها… وحكمائها

حجم الخط

قد نوافق الرئيس نبيه بري على وصفه التناقضات والخلافات اللبنانية السياسية بين القوى المختلفة بـ”العصفورية”، وهي في حقيقة الامر مشهدية “عصفورية” من نوع جديد كون معظم القوى المتحاورة على طاولة الحوار تغني كل واحدة على ليلاها انطلاقاً من ثوابت تبقى في مجملها تحت سقف الدستور او التوافق اللبناني، فيما ثمة قوة واحدة متمثلة بـ”حزب الله” تكاد تكون الوحيدة التي نراها تغرد على الدوام خارج سربها غير ابهة بانتظام دستور ومؤسسات وسلطة ولا شرعية ولا سيادة.

تلك القوة تعاني في نفس الوقت من انفصام في شخصيتها اذ من جهة تشارك في ادارة الدولة وهي جزء من النظام السياسي الشرعي الحالي وفي نفس الوقت تبقى دولة داخل دولة في سياستها الخارجية وقرار الحرب والسلم والتدخل في الشؤون الاقليمية والتورط في صراعات المحاور وصولاً الى اخذ لبنان بأسره رهينة خياراتها المنفردة والمتفلتة من اي ضبط او قيد او توافق وطني لبناني داخلي.

فإن كان من مؤسس للعصفورية التي يتكلم عنها الرئيس بري فهو “حزب الله”، اذ من خلال منهجيته السياسية والوطنية ومن خلال خياراته واجنداته الاقليمية التي فرضت على لبنان فراغ شبه كامل وقاتل في مؤسساته بدءاً من مؤسسة رئاسة الجمهورية – ولم ينته فصولا بعد – تسبب في انفراط عقد منطق المؤسسات والدولة والدستور ودفع بكل فريق لبناني الى البحث عن اقل الخسائر وفي نفس الوقت عن اكثر ما يمكن ضمانه لاستمرار البلد وعدم انفراطه كلياً…

المجنون هو الذي يخرج عن كل منطق في تعاطيه مع الاخرين، و”حزب الله” خرج منذ سنوات عن الاجماع الوطني وضرب عرض الحائط ثوابت لبنان العيش المشترك والسلم الاهلي وقد وصل به الامر الى استسهال “توليع” حرب اهلية في 7 ايار 2008 من دون رادع ولا ندم ولا وجل…

المجنون هو من يتصور في خياله اوضاعاً لا تمت الى الواقع بصلة، و”حزب الله” ومنذ سنوات وتحت تأثير الشعور بفائض القوة المادية والاقليمية بات يعيش في عالم منفصل عن والواقع اللبناني لا بل عن الواقع الافليمي والجيو – ستراتيجي متوهماً ان بإستطاعته التحكم بمفاصل المنطقة مع عرابه الايراني من دون حساب ولا احتساب ولا رقيب ولا سؤال…

المجنون هو الذي ينفصل عاطفياً وانسانياً وكيانياً عن بوطقته ومجتمعه ليبني لنفسه بدائل واهية واهمة. وحزب الله انفصل عن محيطه اللبناني محتفظاً بلبنانيته الانتقائية عندما تفيده في اثبات وجوده الداخلي وناكرا لها لا بل متنكراً لها الى حد الجحود عندما يكون استبدال الهوية اللبنانية باخرى ايرانية انفع له…

المجنون هو الذي يبني منطقاً للامور منفصل كل الانفصال عن مسارات المنطق نفسه، ويعتبر منطقه هو السليم وسائر اوجه المنطق هرطقات لا بل مؤامرات. وعلى سبيل المثال: كيف يمكن تفسير تنكر “حزب الله” لدعم مرشحه لرئاسة الجمهورية العماد ميشال عون الذي صمت اذان اللبنانيين بمواقف تذكيته من على منابر “حزب الله” ومسؤوليه السياسيين والحزبيين لاشهر، وفي الوقت عينه وعندما تلاقت الظروف لانتخاب العماد عون رئيسا تدحرجت رؤوس الحزب وخفتت شعلة الحمية والتأييد له؟

المجنون هو الذي وبدل الذهاب الى مجلس النواب لانتخاب حليفه الاستراتيجي والتاريخي مسيحياً العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية يفضل التلاعب بترشيح النائب سليمان فرنجيه والتستر وراءه لتأجيل الانتخابات الى اجل مسمى من طهران تبعا لمصالح المحور الاقليمي…

المجنون هو الذي لا يابه لميثاقية مزعومة عندما يقرر اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري ويأتي بوزارة الرئيس نجيب ميقاتي، ويعتد بهذه الميثاقية الى حد الغيرة القاتلة  عندما يتعلق الامر بتأمين اصوات تيار المستقبل للعماد ميشال عون…

فالميثاقية في مكانها الخاطئ لان المطلوب ميثاقية جلسة الانتخاب لا ميثاقية انتخاب العماد ميشال عون خصوصاً ان “تيار المستقبل” والرئيس سعد الحريري بنفسه قالوها اكثر من مرة انهم وعلى رغم استمرار تأييدهم للترشيح النائب سليمان فرنجيه الا انهم مستعدون لتأمين ميثاقية جلسة الانتخاب وليفز من ينال الاكثرية متعهدين بالمباركة للفائز والعمل معه كائناً من فاز…

المجنون بالنهاية هو من ارتضى الخروج من الدستور ونصوصه واحكامه وفتح على حسابه تفسيرات وتأويلات لكل معضلة ابعدت لبنان واللبنانيين عن اي مصداقية شرعية ودستورية وبتنا نعيش على وقع فتاوى من هنا واجتهادات من هناك كبدعة ما سمي بحق تعطيل النصاب الذي لم تراه التجارب الدستورية في الديمقراطيات يوماً… فيما تقنيات الاوراق البيضاء والامتناع عن التصويت هي الاكثر منطقا ورواجا ودستورية…

ان كنا نعيش في “عصفورية” وهو كذلك الى حد كبير – الا ان علينا ان نبدأ بمعالجة الحالة العصفورية بمعالجة معضلة مؤسسها – “حزب الله” – والمتقن للعبتها تسعيرها او تهدئتها عندما يريد ويشاء تبعاً لمتطلبات اللحظة الاقليمية.

لذلك، فإن كان للعصفورية اللبنانية الحالية مجانين الا ان فيها ايضا حكماء، لكن المعول عليه ان ينصتوا الى الحكماء لمعالجة المجانين… لا العكس… وليبدأوا قبل اي بدعة جديدة بانتخاب رئيس للجمهورية… فنكون عندها قد خطونا الخطوة الاولى على طريق التعقل والخروج من تلك العصفورية…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل