
بين السياسة والعسكر أهداف متباعدة، لكن في الأنظمة الديمقراطية كما هو سائد في الولايات المتحدة الأميركية، فإن القرار يعود للقيادة السياسية وما على العسكر سوى التنفيذ، إلا أنه للمرة الأولى يصدر موقف عسكري ليس على مستوى وزير الدفاع الذي أبعد ما يمكن أن يفعله إذا اختلف في وجهات النظر مع إدارته أن يستقيل من منصبه، بل على مستوى رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال جوزف دانفورد الذي حدّد أطر أي تعاون عسكري أو مخابراتي بين الولايات المتحدة وروسيا لضرب أهداف في سوريا، مستهدفاً بشكل غير مباشر مسعى وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع نظيره الروسي للإعلان عن تفاهم حول كيفية إدارة العمليات العسكرية في سوريا وصولاً إلى تشجيع العودة إلى المفاوضات بين الأطراف السورية في جنيف. فقد قال الجيش الأميركي كلمته بوضوح من أن الاتفاق المرتقب مع الروس سيتضمن فقط إجراءات لضمان أمن العمليات الأميركية ولن يقوم على الثقة. فما هي الاعتبارات التي يتحدد القرار العسكري الأميركي على أساسها؟
تحرّك كيري
أولاً: على رغم شكوك وزير الدفاع الأميركي ورئيس هيئة الأركان في نوايا روسيا، إلا أن وزير الخارجية جون كيري، يراهن على إعلان الاتفاق مع موسكو في وقت قريب وهو يتناول بنوداً تنص على خفض مستويات العنف، مقابل إستمرار استهداف التنظيمات الإرهابية، وهو ترك لعدد من الخبراء العسكريين والأمنيين متابعة بحث بنود الاتفاق مع نظرائهم في موسكو، والذي يقضي بالطلب من القوات التابعة لنظام بشار الأسد وقف قصف مناطق المعارضة مقابل التعاون الأميركي – الروسي لمحاربة “النصرة” وتنظيم “داعش”، ويراهن كيري على أنه في حال الإعلان عن الاتفاق العسكري، فإن هذا الأمر يشكل فرصة لإطلاق المسار السياسي مع بقاء الخلاف بين واشنطن وموسكو حول جوهر العملية السياسية بين تمسك الجانب الأميركي بضرورة تحقيق الانتقال السياسي الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاء عهد بشار الأسد ونظامه في سوريا، وبين اقتراح روسيا تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة ، ورفض أي بحث مسبق أو لاحق بتنحي الأسد لأن ذلك يؤدي إلى انهيار المؤسسات وفق تنبيه موسكو، وترك الأمر للشعب السوري لكي يقرّر شكل الحكم والرئيس المقبل لسوريا.
ثانياً: مع إستمرار المعارك في مدينة منبج وسط تقدّم مجموعة قوات سوريا الديمقراطية (قَسَد) ببطء نحو إستعادة السيطرة على هذه المدنية من تنظيم “داعش”، جاءت الجهود الهادفة لتضييق الخلافات بين الولايات المتحدة وروسيا ولإعادة الحكومة السورية وقوات المعارضة إلى المفاوضات بعد نجاح القوات الحكومية في وضع الأحياء الخاضعة للمعارضة في حلب تحت حصار فعلي.
ويزداد القلق في شأن مئتين وخمسين ألف شخص على الأقل محاصرين في الأحياء الخاضعة للمعارضة في حلب منذ مطلع تموز حيث طلب مسؤول الأمم المتحدة وقف القتال لفترات محدودة للسماح بإدخال الغذاء والمساعدات.
تدمير التعاون
ثالثاً: مع طرح الخطة الروسية مع النظام السوري التي تقضي بالسماح للمدنيين بمغادرة حلبوالطلب من الفصائل المسلحة إلقاء أسلحتهم، ثارت ثائرة وزير الخارجية الأميركي وهدّد بوقف البحث أو متابعة إتفاق التنسيق مع روسيا في شأن العمليات العسكرية، ولا سيما إذا تبيّن أن هذه الخطة قد تخفي توجها لاقتحام المدينة، وقد قسمت حلب منذ العام 2012 إلى قسمين ليصبح قسم منها الآن في قبضة الحكومة وقسم آخر في قبضة المعارضة المسلحة. ومن شأن السيطرة على حلب بدعم مباشر من القوات الروسية بعد فشل عناصر الحرس الثوري الإيراني وميليشيات “حزب الله”، والميلشيات العراقية في تغيير الوقائع على أرض المعركة هناك، أن يمنح الأسد إنتصاراً مبنيًا على تغيير ديموغرافي في السكان والأرض ما يؤدي إلى تزعزع موازين القوى، منذ بدأت موسكو عملية دعمه العام الماضي. ويشير مراقبون إلى أن تطورات الإنقلاب في تركيا وتراجع الدور التركي في الحرب السورية، وربما احتمال إعادة تموضع هذا الدور في المستقبل، كلها عوامل قد توصل إلى إعادة السيطرة على حلب، وسط إمتعاض سعودي شديد من الموقف التركي. غير أن هذا الأمر بحسب المراقبين سيمثل صفعة قوية لجهود وزير الخارجية الأميركية الذي قاد المبادرة “الدبلوماسية – العسكرية” مع موسكو من أجل تحقيق التنسيق والتعاون بين الجيشين الأميركي والروسي في مواجهة متشددين إسلاميين والعودة لتطبيق هدنة في مناطق أوسع من سوريا. وحين سئل عن الخطة الروسية قال كيري إن واشنطن لا تزال غير واثقة من نوايا موسكو. وقال إذا كانت خدعة فإنها تحمل “مخاطرة تدمير التعاون” تماما.
وشككت بريطانيا بالإعلان الروسي، ورفض سفيرها لدى الأمم المتحدة ماثيو رايكروفت، فكرة استخدام الممرات الانسانية “لإفراغ حلب” تمهيداً للهجوم على المدينة، وأشار إلى أن أفضل ما يمكن فعله لتحسين الوضع في حلب هو وقف حملة القصف التي ينفذها النظام السوري وحلفاؤه.
وترسم مصادر أميركية رسمية شكوكاً واضحة حول خطة الممرات الإنسانية في حلب وتعتبرها بمثابة مطالبة بإستسلام فصائل المعارضة والإجلاء القسري للمدنيين السوريين منها، وتؤكد أن أي عمليات هجومية ستكون متعارضة مع روح ونص قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤ ومع التفاهمات الأميركية مع الروس، وبالتالي يتوجب على روسيا والنظام الالتزام بالمبدأ الأساسي المتفق عليه وهو أن الأمم المتحدة هي من تحدد ما هي المساعدة اللازمة لتخفيف معاناة المدنيين في المجتمعات المحاصرة. ويجب أن يتم فوراً إيصال جميع الإمدادات الإنسانية، بما في ذلك الغذاء والإمدادات الطبية. وقالت هذه المصادر إن مسؤولين أميركيين يتحدثون في أحاديث خاصة عن مخاوفهم وشكوكهم من أن المقترح الروسي يخفي النية الحقيقية للحليف السوري بفصل الصبية والرجال عن بقية السكان بزعم أنهم إرهابيون ومن ثم سجنهم أو إعدامهم. وأضاف المسؤول الذي طلب عدم ذكر اسمه إن هذا “هو ما فعله الأسد وأبوه مراراً منذ 1982 على الأقل.”
وبناء على ذلك فإن مصادر دبلوماسية غربية في واشنطن تعتبر أن نقص الشفافية في ما يخص المحادثات الأميركية الروسية مخيب للآمال وأن من الصعب توقع أي اتفاق في ظل ما قالته المصادر عن ازدياد استهداف المدنيين والمستشفيات .ولفتت إلى أن الأميركيين وتحديداً جون كيري يخاطر كثيرا من أجل اتفاق من المستبعد التزام الروس به شأنه شأن التزامات سابقة كانوا تعهدوا بها.
شكوك العسكر والبيت الأبيض
رابعاً: إن رفض الجيش الأميركي لتوسيع التعاون مع روسيا في سوريا ينطلق من إعتبارات يتقدمها أن جيشي البلدين ليسا حليفين بالتأكيد كما الحال مع الدول التي إنضمت إلى التحالف الدولي ضدّ تنظيم “داعش”، بالتالي يتحفظ العسكري حول مسألة تبادل المعلومات لتنسيق الغارات الجوية ضد “جبهة النصرة” (جبهة فتح الشام حالياًحيث رفضت واشنطن وموسكو قرار انفصالها عن تنظيم القاعدة وأبقت تصنيفها منظمة إرهابية وليس من ضمن مجموعات المعارضة السورية المعتدلة) ومنع القوات الجوية السورية من مهاجمة جماعات المعارضة المعتدلة. ويساور العديد من المسؤولين العسكريين القلق من أن تبادل المعلومات مع الروس قد يجازف بكشف مصادر الاستخبارات العسكرية الأميركية وطرقها وقدراتها حيث تتضمن المقترحات مشاركة المعلومات المخابراتية بين واشنطن وموسكو لتنسيق أكبر في ما يتعلق بالضربات الجوية.
وفي موازاة جهود كيري مع نظيره الروسي قلل البيت الأبيض صراحة من إمكانية مشاركة روسيا الفعالة في الحرب ضدّ التنظيمات الأرهابية في سوريا إنطلاقاً من الوقائع المتحكمة بالتدخل الروسي في سوريا، فهو بدلاً من التركيز على التهديد الإرهابي، اختار بوضوح دعم نظام الأسد، وأن هذا الأمر ليس متعارضاً فقط مع مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة عبر القضاء على الإرهاب في موطنه، لكنه أيضا مضاد للأهداف المعلنة لعملية الانتقال السياسي في سوريا لأنه من خلال الاستمرار في دعم نظام الأسد فهناك تأخير واضح ومقصود لأي حلّ سياسي في سوريا، ويؤكد البيت الأبيض أن المحادثات مع موسكو هي محاولة لتعزيز وقف الأعمال العدائية، معتبراً أنه إذا وافقت روسيا على الخطة فهي لن تقوم على الثقة بها مطلقاً بل على قاعدة تنفيذ إجراءات محددة تقوم بها القوات الروسية والنظام السوري تظهر حقيقة مدى جديتهم في الوفاء بالتزاماتهم، ويعتبر البيت الأبيض أن ما تقوم به روسيا أثار الشكوك الحقيقية حول نواياها في سوريا، وبالتالي يتوجب على موسكو الاختيار بين الاستمرار في دعم الأسد الذي فقد شرعيته لقيادة سوريا لسبب جوهري يتعلق بما ارتكب من أفعال شنيعة ضد شعبه، أو اعتماد وتطبيق سلسلة من الإجراءات التي تقود في النهاية إلى تطبيق حلّ الانتقال السياسي في سوريا.
جبهة في الجنوب والموقف من تركيا
خامساً: نظرت الولايات المتحدة بكثير من القلق إلى أبعاد وخلفيات الانقلاب الفاشل في تركيا لأسباب عدة، أولها أن الإدارة الحالية مع ما تبقّى لها من أشهر قليلة لن تكون مهتمة كثيراً بتأسيس علاقة جديدة مع أي حكم جديد في تركيا في ما لو نجح الانقلاب، ولن تدخل في بحث أي تطور جديد في منطقة الشرق الأوسط في ظل انشغالها بأكثر من ملف وقضية، وثانيها أنها تفضل بقاء الحكم الحالي، لكن مع الأخذ في الاعتبار عدم القضاء كلياً على المنظومة العسكرية التركية التي تتميز بعلاقاتها مع نظيرتها الأميركية، من هنا تعاظمت شكوك تركيا حول دور أميركي محتمل في الانقلاب الفاشل.
أمام تكرار هذه الشكوك وإثر صدور أكثر من موقف سياسي من قبل الإدارة الأميركية، إضطر الجيش الأميركي عبر قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال جوزيف فوتيل إلى إصدار بيان ينفي أية مزاعم عن تورطه في محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا. ونقل بيان القيادة المركزية عن فوتيل قوله “إن أية تقارير عن علاقة لي بمحاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة في تركيا مؤسفة وغير دقيقة تماما”. ولفت إلى أن “تركيا شريك استثنائي وحيوي في المنطقة منذ سنوات عديدة. ونقدر تعاونها المستمر ونتطلع إلى شراكتنا المستقبلية في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية”. وجاء هذا البيان متزامناً مع موقف أطلقه مدير المخابرات الوطنية الأميركية جيمس كلابر الذي سجّل أول إعتراض أميركي على عملية التطهير التي تقوم بها تركيا للجيش معتبراً أن هذا الأمر قد يعرقل التعاون في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم “داعش”، وقال كلابر إن عملية التطهير شملت الكثير من الضباط الأتراك الذين تعاملوا مع الولايات المتحدة.
وتستضيف تركيا في قاعدة أنجرليك الجوية قوات وطائرات أميركية تنطلق منها لتنفيذ هجمات ضد مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وتوقفت هذه العمليات الجوية مؤقتا في أعقاب محاولة الانقلاب، ويوجد في تركيا أيضا قاعدة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تستخدمها الوكالة في دعم المعارضة السورية المعتدلة وفيها أيضًا قواعد رادار للإنذار المبكر لمنظومة الدفاع الصاروخي الأوروبية التابعة لحلف شمال الأطلسي.
ويعتقد خبراء عسكريون أن عمليات التطهير الجارية في تركيا على مستوى العسكر أثرت على كل ركائز أجهزة الأمن الوطني في تركيا، وعلى الرغم من أن العمليات المعتادة قد استؤنفت في أنجرليك لكن هناك قلق من تأثير الانقلاب الفاشل على المدى الطويل على عمليات مكافحة الإرهاب. إلا أن الجانب التركي أعطى إشارات تطمينية في الأيام الأخيرة لجهة إستمرار التعاون مع الولايات المتحدة وعدم استهداف أركان الجيش التركي بكامله من هنا جاء قرار الرئاسة التركية تبني قرارات المجلس الأعلى العسكري من حيث إبقاء قادة القوات البرية والبحرية والجوية، وكذلك رئيس هيئة الأركان العامة للجيش في مناصبهم وعليه فإن رئيس هيئة الأركان التركية خلوصي أكار، وقائد القوات البرية صالح زكي جولاق، وقائد القوات الجوية عابدين أونال، وقائد القوات البحرية بولنت بستان أوغلو سيواصلون العمل في مناصبهم وهو الأمر الذي أثار إرتياحاً في واشنطن في أعقاب إعفاء 1684 ضابطا، بمن فيهم 149 جنرالا وأميرالا، و1099 ضابطا في رتب متوسطة.

جبهة جديدة!
سادساً: ومع استمرار الجهد الأميركي في إبقاء التعاون على مستواه في قاعدة أنجرليك فإن مصادر أميركية رسمية تعترف بأن هناك خلافات أخرى تعتري العلاقات الأميركية التركية وتؤثر على العمليات الأميركية على الأرض.وفي ضوء ذلك قرّرت واشنطن بداية تعزيز دعمها للقوات العراقية في عملية إستعادة الموصل من سيطرة تنظيم “داعش”، بعد نجاح عملية استعادة الفلوجة، بحيث يتركز الجهد الأميركي في إطار التحالف الدولي ضدّ هذا التنظيم منذ الآن وحتى نهاية السنة الحالية على قضم كل الأراضي التي سيطر عليها إن في العراق بشكل رئيسي أو في سوريا، بحيث لا يعود يسيطر عسكرياً على مساحات شاسعة من الأراضي، على أن يتبع ذلك تركيز الجهد في القضاء على شبكاته الإرهابية تمويلياً وبشرياً، ومن هذا المنطلق جاء قرار وزارة الدفاع الأميركية إرسال 560 جنديا إضافيا لدعم القوات العراقية في معركة تحرير الموصل من سيطرة تنظيم “داعش”، وتدعيم وجود القوات العراقية في قاعدة القيارة المتقدم لأنه، بحسب مصادر البنتاغون، فإن السيطرة الكاملة على هذه المنطقة بعد تثبيت السيطرة على قاعدتها الجوية ستكون المؤشر العملي لمعركة استعادة الموصل.
وفي موازاة النفور الأميركي من الدور التركي المتذبذب في الحرب ضدّ داعش والإحجام عن الاقفال المحكم للحدود من أجل الحؤول دون تدفق المزيد من المسلحين إلى سوريا، كشف وزير الدفاع الأميركي اشتون كارتر يوم الأربعاء أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والذي يقاتل تنظيم الدولة الإسلامية سيبحث فرص مهاجمة التنظيم المتشدد في سوريا من الجنوب وهو ما يمثل توسيعا للجهود العسكرية الأميركية في هذا الجزء من البلاد، وقال كارتر للقوات الأميركية في قاعدة فورت براج بولاية نورث كارولاينا إن جبهة الجنوب ستكون لها فوائد إضافية تتمثل في مساعدة أمن شركائنا الأردنيين وفصل مسرح العمليات في سوريا عن مسرح العمليات في العراق بشكل أكبر.
في ضوء كل ما تقدّم تلخص مصادر عسكرية أميركية خطة الولايات المتحدة الثلاثية للقضاء على تنظيم “داعش” بمعزل عن النتائج التي ستفرزها الانتخابات الرئاسية المقبلة، وعمّا إذا شكلت إستمراراً للإدارة الحالية الديمقراطية، أو أدّت إلى فوز الجمهوريين بمنصب الرئاسة. وتشير المصادر إلى أن هذه الخطة تقوم على ما يلي:
أولا، تدمير مواقع الانتشار الرئيسي لتنظيم “داعش” في في العراق وسوريا.
ثانيا، مكافحة ما تصفه بالورم الخبيث لهذا التنظيم في كل أمكنة ظهوره في جميع أنحاء العالم بعد تزايد العمليات في عدد من الدول الأوروبية.
ثالثاً، والأهم من ذلك، يبقى في الداخل الأميركي من خلال تعزيز مهمات أجهزة إنفاذ القانون والأمن الوطني والمخابرات من أجل حماية الولايات المتحدة من أي هجمات إرهابية.